للناس في دنياهم أحوال مختلفة يتقلبون فيها فيحمدون على بعضها ويدمون على بعض وفضل المحامد ظاهر من كراهة صاحب الدام أن يذكر بما فيه منها وحبه التكذب في نسبة المحامد إليه وان لم يكن فعلها هربًا من الخزي وظنًا أنه بمفازة من العذاب ثم أن المحامد قطبها المروءة ومدار المروءة على الطهارة والنظافة والمقتدر عليها باختيار وهو الممكن من الوفر والخارج عنها هو المفتقر الطهر - بالفقر وفيما بينما المكفى في عيشته المرام بمادة تدور ولا تنقطع عنه وسعادته في صديق مخلص ممدوح الخليقة محمود السيرة والطريقة قد اتحدا بالنفس وتغايرا بالبدن كالقول في حق الصديق انه أنت إلا انه غيرك - بنفر كل واحد منهما عمّا لا يرضاه لصاحبه ما يريده لنفسه - واعتبار من أعداد الأصدقاء والندماء كمثله بالواحد فانه محدود بالمبدأ وما وراءه من أعدادهم فليس له حد غير مقدار الحال واتساعه لاصطناعهم وارتباطهم حتى تكون المروءة عند تكاثرهم على حالها ويكون بهم الترقي إلى مراتب الرياسة والملك - والهمة تعتلي بحبالها الخير ورة في طلب الخير لكافة الخليقة عامّة وأهل الجنس خاصّة تمنيا عند العجز وفعلا لدى القدرة - ونفي الإنسان أقرب قريب منه وأولى من تقدم في طلب الخير لها وبعدها ما طاف لها من مواقفتها أدناها فالأدنى من ملبس يماس بدنه ويباشر بشرته وكن يحيط به وخادم يقوم لحاجاته ومطعم ومشرب في أوانيه وآلاته فاما الحسن في الصورة والجمال في الهيئة فهما محبوبان يرغبون فيهما ممن يلاقى حتى أن رسول الله ﷺ كان يستوفد حسان الصور والأسماء وكان ينقا الأسماء المستكرهة في الناس والبقاع والجبال إلى الأسماء المستحسنة - لكن الصور عطايا في الأرحام لا سبيل إلى تغييرها لأحد من الأنام
[ ٧ ]
وأما صور النفس في الأخلاق والسير فما لك هواه قادر على نقلها من المذام إلى المحامد مهما هذّب نفسه وداواها بالطب الروحاني وأزال عنها أسقامها بالتدريج والطُرُق المذكورة في كتب الأخلاق - وأول ما يلاقي منن بدن الإنسان بشرته ومنظر صورته ولئن عجز عن تبديل الصورة أنه لن يعجز عن تنظيفها إذا استنجس التخلف فيه عن الحيوان غير أن الناطق كالسنانير الأهلية لما ساكنت الناس في دورهم وأوت إلى ما واهم حفظت مجالسهم وفرشهم عن نفض الفضول فيها وأفردت لها موضعًا هو لها كالمستحم للإنسان ثم قامت طبعًا ما أمر الله به شرعًا في قوله تعاى (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم غلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وارجلكم إلى الكعبين) - فتأمل تنظيفها بإخفاء السوءة تحت التراب باحتياط يخفى فيه وتنقطع رائحتها ثم إقبالها على تنظيف المخرجين بمثل الطهور وتطهير الأطراف باللحس وغسل الوجه والتعطس بحك المناخر بالبرثن من القائم مقام السبابة في الجانب الأنسى من أيديها حتى تنقص الرطوبات عنها بمثل المضمضة والاستنشاق ثم المس على الرأس والأذنين بالكف المندى بالريق - ومدار الأمر في نظافة الإنسان على الماء الطهور الذي يراح من ريحه وطيبه روح الريح ويوجد به طعم الحياة وليس بنقى ما يكره منظرا وريحا من الأدناس غيره أو ما يشابهه فينوب عنه المياه المحظورة في الأمور الشرعية فانها تفعل في هذا الباب فعله - ووصايا العرب والعربيات بناتهن ترجع إليه وتدور عليه - قال عبد اللَه بن جعفر لأبنته حين زوجها أياك والغيرة فأنها مفتاح الطلاق وأنهاك عن أكثار العتاب فانه يورث البغضاء وعليك بالزينة وأزينها الكحل وبالطيب وأطيبه الماء - وزوج عامر بن الظرب العدواني ابنته من ابن أخيه وقال لأمها مري ابنتك أن لا تنزل الفلاة إلا ومعها الماء فانه بلاء على جلاء وللأسفل نقاء وان لا تمنعه شهوته فان الحظوة في الموافقة ولا تطيل مضاجعته فان البدن إذا مل مل القلب - وقال أحدهم لابنته ليلة الهداء، كوني لزوجك أمة يكنلك عبدا وعليك باللطف فانه أبلغ من السحر والماء فانه رأس الطيب - وأوصت أم ابنتها فقالت، كوني له فراشا يكن لك معاشا وكوني له وطاء يكن لك غطاء وإياك والاكتئاب إذا كان فرحا والفرح إذا كان مكتئبا ولا يطلعن منك على قبيح ولا شيمن منك إلا طيب ريح ولا تفشين له سرا إلا تسقطين من عينيه وعليك بالماء والدهن والكحل فانه أطيب الطيب وقالت أم لأبنتها عطّري جلدك وأطيعي زوجك واجعلي الماء أكثر طيبك - وقالت أخرى أدنى سترك واكرمي زوجك واجتنبي المراء والستطيبي بالماء وقالت أخرى، لا تطاوعي زوجك فتمليه ولا تعاصيه فتكسعيه واصدقيه الصفا واجعلي طيبك الماء - فهذا هذا وهذا نظف المتجمل البشرة ونقى المنافذ والأجحرة بصب الماء وإدامة الاغتسال حق له أن يزيد في تحسينها ويزينها بالألوان التي هي محسوس البصر بمعونة الضياء أما في البدن فبتبييض البشرة بالغمر وتوريدها وخاصة إن كان بها صفار أصلى أو عارض ثم تسويك الأسنان وتسنينها وتنقية الأشفار والعين وتكحيلها وخضب الشعر عند الحاجة وترجيلها وقص أطراف بعض ونتف بعضها وقلم الاظفار وتسويتها - وأما في أحاط بالبدن فالثياب أولاها وأولها لمماستها إياه فواجب ان ينظفها غلى اللون العام المحمود وهو البياض ويصقلها لئلا يتشبث الغبار والدخان بها أو بلونها بحسب الوقت وعادة أهل الزمان في البلاد فتزول آفاتهما عنهما ولتشابه الجواهر التي خلقت للزينة - قال عمر بن الخطاب رضي الل! ّه عنه حين سئل عن المروءة ما هي فقال، إنها النظافة في الثياب - وكما قال غيره، المروءة الظاهرة في الثياب الطاهرة - وهذا لأن من نظف ثيابه يبدأ ببدنه لئلا يدنسها باوساخه ودرنه من داخلها وتلاه بالبيت والمجلس كيلا يلوثها ويتربها من خارج فتم المراد في الجميع بوساطة الثياب ويكفيه في ذلك باعثا على ذلك ما قيل في من خالفه -
لا يليق الغنى بوجه ابي الفت ح ولا نور بهجة الإسلام
وسخ الثوب والعمامة والبر ذون والوجه والقفا والغلام
[ ٨ ]
ولجلالة محلها في هذا الباب عبر عن طهارة النفس والقلب بنقاء الثوب والأزرار والجيب - وقال بعض أهل التفاسير في قوله تعالى (وثيابك فطهر) أن معناه قلبك ونيتك وهو محتمل وظاهر الآيه وباطنها كليهما في نهاية الحسن على موجب العقل - وهذا هو صفة المروءة على أقل حدودها فإن كان بعضهم وصفها بأنها حب الرياسة لا تنال إلا بالصيانة وبذل الجهد - وهذه صفة الفتوة لا المروءة - قال النابغة -
رقاق النعال طيب حجزاتهم يحيون بالريحان يوم السباسب
قالوا في السباسب أنه يوم الشعانين لأن البيت مقول في الغسانية وكانوا على النصرانية وكأنهم عنوا بالريحان ما كان في أيدي الداخلين مع المسيح ﵇ بيت المقدس من قضبان الزيتون والأترج وهو تخريج غير بعيد ولكن المقصود في البيت عزة الرياحين أيام قطه المهامه وانهم يحيّون فيها بهلولا يعوزهم ما يعوز غيرهم مثل ما يحمل من الرياحين والبقول في البادية مع من حج من الملوك وكبار المترفين - وكل ما عز وجوده يتيمن به - قال بكر بن النطاح الحنفي -
جئتك بالرامش رامِشْنة أطيب من رامِشنة الآس
وهذه الرامشنة ورقتا آس متحدتان إلى الوسط متباينتان منه إلى الرأس وتوجد في الندرة فيحيى بها الكبار وخاصة الديلم - ويتلو الثياب زينة الجواهر أنفسها بحسب الرسومم المعتادة في كل بقعة ولكن طبقة من الخواتيم للذكران والتيجان للملوك وما رصع من الوشح والمناطق والقلانس والقفازات والقضبان والأعمدة لهم ولمن مثل بين أيديهم وللإناث ما لهن من المدارى والأكاليل والأسورة والخلاخيل والحبيرات والمعاضد والعقود حتى يتعداها المبذرون والمترفون إلى ما هو أبعد عن البدن حتى حيطان الدور وسقفها وأبوابها ورواشنها فيجعلونها بمثل حليهم - كل ذلك لتحسين أول ما يلاقى منهم وإظهار التفاخر والتكاثر لتلويح عزة الاستغناء وفضل الاقتدار وبالتمويه لا بالتحقيق -