[ ٤٠ ]
قال: ويبين بنحو ما قيل في الأشكال الوجودية أن جميع المقاييس التي في هذه الأشكال أيضا ترتقي إلى الشكل الأول الذي فيها. فأما أن جميع أجناس المقاييس الموجودة على الإطلاق ترجع كلها بأسرها إلى الشكل الأول، فذلك يبين إذا تبين أن جميع أجناس المقاييس الحملية هي هذه الثلاثة فقط وأن ما عداها من المقاييس التي ليست بحملية فكلها مضطرة إلى الحملية.
فنقول: إن كل قياس بالجملة فهو إنما يبين إما أن الشيء موجود إما أنه غير موجود. وكل واحد من هذين إما أن يكون كليا وإما جزئيا. وكل ما يبين أن الشيء موجود أو غير موجود فإما أن يبينه على جهة الحمل وإما أن يبينه على جهة الاشتراط، وإما أن يبينه بقياس مركب من هذين- وهو الذي يدعى بقياس الخلف. والغرض الآن إنما هو التكلم في المقاييس الحملية، وشروط المنتج منها من غير المنتج على الإطلاق. فإنه إذا تبينت هذه تبينت المقاييس المضطرة إلى هذه في الإنتاج- وهو قياس الخلف والقياس الذي يكون بشريطة.
فنقول: إنه متى احتجنا أن نبين أن شيئا موجود في شيء- مثل أن نحتاج أن نبين أن اَ محمولة على بَ- إما على جهة السلب وإما على جهة الإيجاب، فهو من الظاهر أنه يجب أن نأخذ في بيان ذلك على جهة الحمل أن شيئا موجود لشيء ومحمول على شيء. فإن أخذنا في ذلك أن اَ محمولة على بَ، فمن البين أنا قد أخذنا الشيء في بيان نفسه، وذلك مستحيل وغير مفيد علما زائدا في المطلوب. وكذلك إن أخذنا في ذلك مباينة بالمحمول والموضوع المطلوب، فهو بين أيضا أنه ليس يلزم عنه شيء في المطلوب لا إيجاب ولا سلب- مثل قولنا إن اَ محمولة على بَ لأن جَ محمولة على دَ. وإذا امتنع هذان الوجهان، فلم يبق إلا أن يكون القول المأخوذ في بيان أن اَ موجودة في بَ إما قول مشارك له في أحد الطرفين أو مشارك لهما معا. ثم إن كان مشاركا لأحد الطرفين، فلا يخلو أن يكون محموله هو محمول المطلوب بعينه وموضوعه غيره، أو يكون موضوعه موضوع المطلوب ومحموله غيره، أو يكون محمول المطلوب هو موضوعه أو موضوع المطلوب هو محموله. فإنه لا يخلو القول المشارك لأحد الطرفين من هذه الأقسام. ثم لا يخلو أيضا هذا المشارك إما أن يوجد حكما واحدا بنفسه من غير أن يشاركه حكم آخر أو قضية أخرى وإما أن يوجد مشاركا لقضية أخرى- وذلك من غير أن يتصل بالمطلوب. فإن أخذ المشارك لأحد طرفي المطلوب الذي هو اَ وبَ قضية واحدة فقط- مثل أن نأخذ أن اَ مشاركة لجَ- بحمل أحدهما على صاحبه، فهو بين أنه ليس يلزم عن ذلك أن تكون اَ مشاركة لبَ- أي محمولة بإيجاب أو بسلب على بَ- ما لم يشارك جَ بَ. وإن أخذنا اَ مشاركة لجَ وجَ مشاركة لدَ بحمل بعضها على بعض، فهو بين أيضا أنه يكون عن ذلك قياس إلا أنه لا يكون قياس على المطلوب الذي طلب- أعني على وجود اَ في بَ أو سلبها عنه. ولو أخذنا الأمور المشاركة لأحد الطرفين إلى غير نهاية من غير أن يشارك الطرف الآخر- مثل أن نأخذ اَ مشاركة للجَ والجَ للدَ والدَ للهَ- فإنه ليس يلزم عن ذلك أن تكون اَ مشاركة لبَ إما بحمل إيجاب أو سلب ما لم يكن المشارك للألف مشاركا للبَ. فإن القياس الغير محدود إنما يكون عن مقدمات غير محدودة- أعني أن القياس يكون على غير مطلوب محدود. وأما القياس المحدود- أعني الذي يكون على مطلوب محدود- فإنه يجب أن يأتلف من مقدمات محدودة مشاركة لطرفي المطلوب، ولذلك ما يجب أن يكون أقل القياس المحدود إنما يأتلف من مقدمتين تشتركان بحد أوسط وتختلفان بطرفي المطلوب وإلا لم يمكن أن يبين أن شيئا محمول على شيء من أجل حمل شيء على شيء- مثل أن تكون اَ مشاركة للجَ والجَ مشاركة للبَ، فحينئذ يجب أن تكون ألف مشاركة للبَ. فقد تبين من هذا أن كل قياس فإنه يكون من مقدمتين وثلاثة حدود- حد أصغر وأوسط وأكبر.
[ ٤١ ]
وأما أن كل قياس حمل مؤلف على مطلوب محدود فإنه يكون أحد هذه الثلاثة الأصناف من المقاييس الحملية- أعني الشكل الأول والثاني والثالث- وأنه ليس يوجد شكل رابع، فهو ظاهر من أن الحد الأوسط الذي يؤخذ مشاركا للطرفين- مثل أن نأخذ الجَ مشاركة للبَ والألف اللذين هما طرف المطلوب- لا يخلو من ثلاثة أحوال، إما أن يكون موضوعا للطرف الأكبر محمولا للأصغر- مثل أن تكون اَ مقولة على جَ وجَ مقولة على بَ- وهذا هو الشكل الأول، أو يكون محمولا عليهما جميعا- وهذا هو الشكل الثاني- أو يكون موضوعا لهما- وهذا هو الشكل الثالث. وأما أن يؤخذ محمولا على الأكبر موضوعا للأصغر فليس يمكن، لأن المحمول على الأكبر محمول على الأصغر إذ كان الأكبر محمولا في الطلب بالطبع على الأصغر فيكون الشيء بعينه محمولا على نفسه، وذلك مستحيل. هذا إذا اعتبر الحد الأوسط بحسب المطلوب المفروض. وأما إذا اعتبر بحسب المشاركة فإنه ينتج غير المطلوب الذي هو عكسه. فهو بهذه الجهة إن عد هذا التأليف شكلا رابعا كما يضعه جالينوس، فإنما يكون صنفا من أصناف الشكل الأول على مطلوب غير مفروض لا شكلا رابعا. ولذلك ليس تقع عليه فكرة بالطبع، ولا يوجد في كلام قياسي ولا برهاني ولا ظني. فقد تبين من هذا القول أن كل قياس حملي فإنه إنما يكون ضرورة أحد هذه الأصناف الثلاثة، وإن كان المطلوب الواحد بعينه يبين بأوساط كثيرة- مثل أن يبين أن ألف موجودة في البَ بوجود اَ في الجَ والجَ في الدَ، والدَ في الهَ والهَ في البَ- فهو قياس مركب من واحد من هذه الأشكال الثلاثة أو من اثنين منها أو ثلاثة.
وأما أن قياس الخلف أيضا مركب من واحد من هذه الأشكال الثلاثة ومن القياس الشرطي، فذلك يبين من أن قياس الخلف إنما يكون بسياقة الكلام فيه إلى المحال بقياس حملي ومن أن المطلوب فيه الأول إنما يلزم ويبين بقياس شرطي- مثل أن نقول أن القطر إما أن يكون مشاركا لضلع المربع أو مباينا له، ثم تبين المستثنى من هذا القياس الشرطي- وهو أنه لا يكون مشاركا- بقياس حملي يؤدي إلى المحال. وذلك بأن نقول: لأنه إن كان مشاركا كانت نسبة مربع أحدهما إلى الآخر نسبة عدد مربع إلى عدد مربع، فيلزم عن ذلك أن تكون نسبة مربع الضلع إلى مربع القطر نسبة عدد مربع إلى عدد مربع. وقد تبين في العاشرة من كتاب الاسطقسات أن نسبة المربعين أحدهما إلى الآخر ليست نسبة عدد مربع إلى عدد مربع- وهي نسبة الإثنين إلى الواحد- هذا خلف لا يمكن. فإذا تبين أنه غير مشارك استثنيناه من القياس الشرطي الذي استعملناه أولا- وهو قولنا القطر إما مباين وإما مشارك- فقلنا لكنه غير مشارك، فهو ضرورة مباين. وهذا هو القياس الشرطي المنفصل الذي يأتلف من المتعاندات التامة العناد الذي متى استثنى أحدهما أنتج مقابل الثاني، على ما قيل في المقاييس الشرطية. فالمحال- كما قلنا- في هذا القياس يبين بقياس حملي، والمطلوب يبين بقياس شرطي.
وأما القياس الشرطي فإنه تبين أيضا من أمره أنه لا يستغني عن القياس الحملي، وذلك أن القياس الشرطي جنسان أولان. أحدهما القياس المتصل، وهو الذي يتركب من المتلازمات ويرتبط بحروف الشرط التي تعطى الاتصال- مثل قولنا إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود. والشيء الذي يلزم عنه الشيء يسمى المقدم، واللازم التالي، وهو صنفان، أحدهما يستثنى فيه المقدم بعينه فينتج التالي بعينه- مثل قولنا لكن الشمس طالعة فالنهار موجود- والثاني يستثنى فيه مقابل التالي فينتج مقابل المقدم- مثل قولنا لكن النهار غير موجود فالشمس ليست بطالعة. والجنس الثاني الشرطي المنفصل، وهو يتركب من المعاندة التامة العناد وتقرن به حروف الشرط التي تدل على الانفصال- مثل قولنا هذا الوقت إما ليل وإما نهار. وهذه أربعة أصناف. وذلك أنه يستثنى فيه المقدم بعينه فينتج مقابل التالي، ويستثنى فيه التالي بعينه فينتج مقابل المقدم، ويستثنى فيه مقابل المقدم فينتج التالي، ويستثنى فيه مقابل التالي فينتج المقدم. وذلك أنا قد نقول: لكنه ليس بليل فهو نهار، أو لكنه ليس بنهار فهو ليل، أو لكنه ليل فليس بنهار، أو لكنه نهار فليس بليل.
[ ٤٢ ]
وإذا كانت أجناس القياسات الشرطية الأول هي هذان الجنسان فكلاهما إذا تؤمل الأمر فيهما ظهر أن المطلوب فيهما هو الذي يبين فيها بجهة الشرط. وأما المستثنى فإنه يحتاج إلى أن يبين بقياس حملي في الشرطي المنفصل والمتصل، إذ كان التعاند والاتصال فيها بينا بنفسه. وذلك أنه إذا كان الاتصال فيها بينا بنفسه والمستثنى بينا بنفسه، كان اللازم بينا بنفسه. وذلك ظاهر جدا في الشرطي المنفصل، فإنه إذا كان التعاند بينا بنفسه والمستثنى بينا بنفسه فالمطلوب بين بنفسه، لأنه إن كان بينا أن العالم لا يخلو أن يكون إما محدثا وإما قديما وكان بينا بنفسه أنه عديم بقديم، فكونه محدثا بين بنفسه ضرورة. ويشبه أن يكون الأمر كذلك في الشرطي المتصل، فإنه إذا كان وجود الحركة بينا بنفسه ووجودها عن الطبيعة بينا بنفسه من غير وسط فوجود الطبيعة بين. وكذلك إن كانت أفعال النفس بينة الوجود بنفسها وبينة الوجود عن النفس فالنفس بينة الوجود بنفسها. وكذلك إن كانت الحركة معلومة الوجود ومعلوم بنفسه وجودها عن محرك، فالمحرك معلوم الوجود بنفسه. وإن كان عدم الحركة في شيء ما بين الوجود بنفسه، فعدم المحرك هنالك بين الوجود بنفسه. وبالجملة فأنت إذا تأملت البراهين التي تخرج مخرج الشرط في العلوم- وذلك في المطلوبات بالطبع- وجدت إما الاتصال فيها بينا بوسط وإما الاستثناء، وهذا إنما يلزم في المقاييس الشرطية التي ليست هي حملية بالقوة وهي الشرطية الحقيقية. وأما التي هي بالقوة حملية فتلك حملية أخرجت مخرج الشرط. ولذلك أمكن في هذه أن يبين بها المطلوب بذاتها ومفردة بزيادة مقدمة. وهذا النوع من الشرطيات هو الذي يشارك المقدم التالي بحد واحد. وقد تقصينا ذلك في قول أفردناه لذلك.
وأما إذا كان الأمران في القياس الشرطي معلومين بأنفسهما، فإنه لا يستعمل أصلا في بيان شيء مجهول بالطبع، وإن كانت قد تستعمل في بيان ما هو أقل خفاء من المجهول بالطبع- مثل استعمال الاستقراء وما أشبهه. وليس لقائل أن يقول إنه كما قد تكون المقدمتان في القياس الحملي معلومتين بأنفسهما والنتيجة مجهولة، كذلك قد يتفق أن يكون الأمر في القياس الشرطي- أعني أن تكون المقدمتان معلومتين بأنفسهما، الشرطية والمستثناة، وتكون النتيجة مجهولة- فإنه إنما اتفق أن كانت المقدمتان في القياس الحملي معلومتين والنتيجة مجهولة لأن المقدمتين لم تتألف بعد في الذهن التأليف الذي يلزم عنه النتيجة. وأما المقدمتان في القياس الشرطي فإنها ليست محتاجة إلى التأليف في لزوم ما يلزم عنها لأن اللزوم هو أحد المقدمات، ولذلك لا يدخل تحت حد القياس- كما ظن أبو نصر- إذ اللزوم في القياس الحملي يتولد عن المقدمتين، وهو في القياس الشرطي أحد ما يوضع. فما قاله أبو نصر من أنه يدخل تحت حد القياس لكونه من مقدمتين إحداهما المقدم والثاني اللزوم ليس بصحيح، لأن اللزوم ليس هو جزءا من القياس وإنما هو تابع. ولو كان القياس الشرطي قياسا، لكان يوجد قياس من مقدمة واحدة لأن اللزوم هو فعل القياس. فهكذا ينبغي أن يفهم هذا الموضع من أرسطو، لا على ما يقوله في ذلك أبو نصر ولا على ما يتشكك في ذلك عليه ابن سينا. وبالجملة فبالاستقراء الذي أرشدنا إليه يظهر ما يقوله أرسطو في هذا الأمر ظهورا بينا، لأنه قد تبين من قولنا أن كثيرا من الأشياء المعلومة بأنفسها- مثل وجود النفس وغيرها- إنما علمناها بهذا النحو من البيان. ومحال أن يكون طريق واحد بعينه يستعمل في الوقوف على المعلوم بنفسه والمجهول بالطبع. وكذلك المقاييس التي نسميها المقاييس الاقترانية- وهي المؤتلفة من مقدمتين شرطيتين يشركان بحد أوسط- هي مقاييس حملية في الحقيقة أخرجت مخرج الشرط. وقد بينا ذلك في غير هذا الموضع.
فقد تبين أن جميع أجناس المقاييس إنما يتم بالشكل الأول وأنها تنحل إلى الكلية منها على ما سلف. وذلك أن ماعدا الحملية يتم بالحملية، والحملية تتم بالشكل الأول، والجزئية التي في الشكل الأول بالمقاييس الكلية التي فيه- على ما تبين.
[ ٤٣ ]
وبين أنه واجب أن يكون في كل قياس منتج مقدمة موجبة " كيف ما" كانت في كميتها ومقدمة كلية كيف ما كانت في كيفيتها. وذلك أنه إذا لم يكن هنالك مقدمة كلية فإما أن لا يكون هنالك قياس، وإما أن يكون على غير المطلوب، وإما تكون المقدمة بنفسها هي المطلوب. مثال ذلك إن كان المطلوب هل اللذة بالموسيقى خير، فإن ما يمكن أن يؤخذ في بيان هذا المطلوب لا يخلو من أن يكون المطلوب نفسه أو غيره. ثم أن كان غيره فإنه لا يخلو من ثلاثة أحوال، إما أن تكون المقدمة المأخوذة في ذلك مهملة- وهي أن اللذة خير- أو تكون جزئية- وهي أن بعض اللذات خير- أو تكون كلية- وهي أن كل لذة خير. فإن أخذت المقدمة مهملة- وهو أن اللذة خير- لم تأمن أن تكون هذه المهملة تصدق من اللذات على غير اللذة الموسيقية، فلا يتضمن المطلوب- وهو أن اللذة الموسيقية خير. وكذلك إن صرحنا أيضا فيها بالسور الجزئي، فقلنا بعض اللذات خير. وذلك إن أنتجت أمثال هذه دائما، فغير المطلوب- مثل أن يكون قولنا بعض اللذات خير صادقا على لذة العلم. وكذلك المهملة تنتج عن ذلك أن لذة العلم خير، إلا أنه ليس هي المطلوب. وأما إن أخذنا المطلوب نفسه فهو بين أنه ليس يكون قياس. فلا بد في القياس النتج أن يكون الطرف الأصغر نطويا تحت الأوسط انطواء الجزءئي في الكلي حتى تكون نسبة إحداهما إلى الأخرى هي نسبة الجزء إلى الكل، وذلك بالفعل في الشكل الأول وبالقوة في الشكل الثاني والثالث. ومن هنا تبين أنه واجب أن تكون المقدمة المنطوية تحت المقدمة الكلية موجبة، لأنها إن كانت سالبة لم تنطو تحتها، ولا وجدت فيها هذه النسبة. ولذلك كان معنى المقول على الكل الذي يتضمن هذه النسبة موجودابالفعل في الشكل الأول وفي الثاني والثالث بالقوة.
فقد تبين من هذا القول أن كل قياس فواجب أن تكون فيه مقدمة كلية موجبة، وأن النتيجة الكلية إنما تبين عن مقدمات كلية، وأن النتيجة الجزئية قد تبين عن مقدمتين إحداهما جزئية- وذلك في الشكل الأول والثاني- وقد تبين عن مقدمتين كليتين- وذلك في الشكل الثالث. وإذا كان ذلك كذلك فالنتيجة الكلية لا تبين ضرورة إلا عن مقدمتين كليتين. وأما النتائج الجزئية فقد تبين عن الصنفين جميعا- أعني عن الكليتين وعن الكلية والجزئية.
وهو بين أيضا أنه واجب أن تكون كلتا المقدمتين أو إحداهما شبيهة في جهتها وكيفيتها بالنتيجة- أعني أنه إن كانت النتيجة ضرورية أو ممكنة أو مطلقة، فإنه إما أن تكون كلتا المقدمتين بتلك الجهة أو إحداهما- وذلك في المقاييس التي تنتج نتيجة واحدة، وهي المنتجة بما يتضمن من معنى المقول على الكل.
وهو بين أيضا مما قيل متى يكون قياس منتج ومتى يكون غير منتج، والمنتج أيضا متى يكون ناقصا ومتى يكون تاما، وأنه متى كان القياس حملي فبالضرورة أن تكون الحدود فيه مرتبه أحد تلك الأنحاح الثلاثة التي وصفنا.
وهو بين أيضا أن كل نتيجة فإنها تكون بثلاثة حدود لا أقل من ذلك ولا أكثر، إن لم تكن النتيجة الواحدة بعينها تبين بمقاييس كثيرة. وذلك يكون على ضربين، أحدهما أن تكون النتيجة الواحدة بعينها تبين بمقاييس كثيرة كل واحد منها كان في إنتاج النتيجة- أعني مفردا وبذاته. ولتعلم أن ذلك ممكن بنحوين، أحدهما مثل أن تبين نتيجة هَ مثلا بمقدمتي اَ بَ على حدة وبمقدمتي جَ دَ على حدة، أو بمقدمتي اَ بَ على حدة وبمقدمتي اَ كَ على حدة أو بَ لَ على حدة. والضرب الثاني أن تكون المقدمتان المنتجتان للنتيجة المفروضة نتائج عن مقدمات أخر إما كلاهما وإما إحداهما. مثال ذلك أن تكون نتيجة هَ منتجة بمقدمتي اَ وبَ ويكون مقدمتي دَ هَ ومقدمة بَ منتجة بمقدمتي وَزَ، أو تكون مقدمة اَ منتجة بمقدمتي دَ هَ وتكون مقدمة بَ مبينة بالاستقراء أو بينة بنفسها من أول الأمر. فعلى الجهة الأولى تكون المقاييسي كثيرة والنتيجة واحدة. وعلى هذه الجهة تكون المقاييس كثيرة والنتائج كثيرة لأنها في هذا المثال ثلاثة، وهي هَ التي هي النتيجة الأخيرة، واَ وبَ اللذان هما مقدمتان نتيجة هَ، ونتيجتا مقدمتي دَ هَ وَزَ وَ. فأما متى لم تكن مقاييس كثيرة لنتيجة واحدة وإنما هو قياس واحد، فإنه لا يمكن أن تكون نتيجة واحدة عن اكثر من حدود ثلاثة، لأنه قد تبين هاهنا أنه لا يكون قياس عن أقل من مقدمتين.
[ ٤٤ ]
فلننزل أنه يكون عن قياس واحد نتيجة واحدة من أربع مقدمات وستة حدود- مثل أن ننزل أن هَ مثلا منتجة عن مقدمتي اَ بَ ومقدمتي جَ دَ. ولأنه قد تبين أنه إن كان مزمعا أن يكون عن مقدمتي اَ بَ قياس أن تكون نسبة إحداهما إلى الأخرى نسبة الجزء إلى الكل. فإن كانت نسبة إحداهما إلى الأخرى نسبة الجزء إلى الكل، فإنه يكون عنهما ضرورة نتيجة. فإن كانت عنهما نتيجة، فلا تخلو من ثلاثة أحوال إما أن يكون عنهما نتيجة هَ المفروضة، وإما أن تكون النتيجة إحدى مقدمتي جَ دَ، وإما أن تكون شيئا آخر غير هذين. ثم في كل واحد من هذه الأحوال الثلاثة لمقدمتي اَ بَ لا تخلو أيضا مقدمتا جَ دَ من أن تكون نسبة إحداهما إلى الأخرى نسبة الكل إلى الجزء أو لا تكون. فإن كانت فتحدث عنهما ضرورة نتيجة. ثم هذه النتيجة أيضا لا تخلو من تلك الثلاثة الأحوال إما أن تكون نتيجة هَ المطلوبة، وإما أن تكون النتيجة إحدى مقدمتي اَ بَ، وإما أن تكون النتيجة شيئا آخر غير هذين. فإن كانت النتيجة الحادثة عن مقدمتي اَ بَ نتيجة هَ المطلوبة وكانت عن مقدمتي جَ دَ نتيجة ما بأن تكون نسبة إحداهما إلى الأخرى نسبة الكل إلى الجزء فإنه إن كانت تلك النتيجة هي نتيجة هَ أو هي إحدى مقدمتي اَ بَ فإنه تكون قياسات كثيرة على نتيجة واحدة، وذلك شيء غير ممتنع. وإن كانت نتيجة مقدمتي جَ دَ غير نتيجة هَ وغير إحدى مقدمتي اَ بَ فإنه تكون مقاييس كثيرة على مطالب كثيرة غير متصل بعضها ببعض. وأما إن لم تكن نسبة مقدمتي جَ دَ إحداهما إلى الأخرى نسبة الكل إلى الجزء، فإنه ليس يكون لها غناء في نتيجة هَ إلا أن تؤخذ على جهة الاستقراء لتصحيح مقدمتي القياس أو لستر النتيجة وإخفائها أو لغير ذلك من الأشياء التي تؤخذ لها المقدمات التي ليست ضرورية في الإنتاج- على ما تبين في الثامنة من الجدل.
فهذا ما يلزم متى فرضنا أن نتيجة مقدمتي اَ بَ هي هَ وأما إن كانت نتيجة مقدمتي اَ بَ غير الهَ وغير إحدى مقدمتي جَ، فإنه أيضا لا يخلو أن تكون نتيجة مقدمتي جَ دَ أما نتيجة هَ وإما إحدى مقدمتي اَ بَ، وإما شيئا آخر غير هذين، وإما أن تكون مقدمتا جَ دَ غير منتجة أصلا. فإن كانت نتيجة مقدمتي اَ بَ غير الهَ وغير إحدى مقدمتي جَ دَ وكانت نتيجة مقدمتي جَ دَ غير الهَ وغير إحدى مقدمتي اَ بَ فإنه ليس يكون قياس على مطلوب واحد فضلا على المطلوب وتكون مقاييس كثيرة. وإن كانت نتيجة مقدمتي جَ دَ هي الهَ فإنه أيضا تكون مقاييس كثيرة على مطالب كثيرة. وإن كانت نتيجة مقدمتي جَ دَ إحدى مقدمتي اَ بَ، فإنه تكون أيضا مقاييس كثيرة على مطلوب واحد إلا أنه غير مطلوب. وإن كانت مقدمتا جَ دَ غير منتجة فإنه لا يكون له غناء في نتيجة مقدمتي اَ بَ مع أن نتيجة مقدمتي اَ بَ هي غير المطلوب. وأما إن كانت نتيجة مقدمتي اَ بَ إحدى مقدمتي جَ دَ فإن مقدمتي جَ دَ لا تخلو أيضا من تلك الثلاثة الأحوال إما أن تكون منتجة لهَ، وإما لإحدى مقدمتي اَ بَ، وإما لشيء آخر غيرها فإن كانت نتيجتهما هَ فإنه تكون مقاييس كثيرة على المطلوب الواحد، وقد تبين أن ذلك غير ممتنع. وأن كانت نتيجتهما إحدى مقدمتي اَ بَ فإنه يكون البيان دورا، ولا يكون هنالك قياس على المطلوب. وإن كانت نتيجتهما- أعني مقدمتي جَ دَ- غير الهَ وغير إحدى مقدمتي اَ بَ، فإنه تكون أيضا مقاييس كثيرة على مطلوب واحد، إلا أنه غير المطلوب. وأما أن كانت مقدمتا جَ دَ غير منتجة أصلا، فإنه ليس يكون لها غناء في الإنتاج ويكون باطلا، ويكون هنالك قياس واحد لكن على غير المطلوب.
فقد تبين أن جميع الوجوه التي يمكن أن يتصور بها أن مطلوبا واحدا يبين عن قياس واحد مركب من أكثر من مقدمتين مستحيلة. وبهذا بعينه يبين أنه لا يمكن أن يبين مطلب واحد هو مركب من أكثر من ثلاثة حدود، وذلك ما قصدنا بيانه. وإذ تبين أن كل قياس بسيط فإنه لا يكون من أكثر من ثلاثة حدود وكانت الثلاثة الحدود هي مقدمتان فقط، فكل قياس لا يكون بأكثر من مقدمتين وثلاثة حدود. وقد كان تبين أنه لا يكون ب أقل. فكل قياس بسيط فلا يكون بأكثر من ثلاثة حدود ولا بأقل.
[ ٤٥ ]
وإذا تبين هذا فهو بين أيضا أن كل قياس بسيط أو مركب من مقاييس بسيطة تام التركيب غير ناقص منه مقدمة من المقدمات الضرورية في النتيجة الأخيرة فهو مؤلف من مقدمات أزواج وحدود أفراد لأن الحدود أكثر من المقدمات بواحد، وأنه أي قياس كان بهذه الصفة ولم تكن مقدماته أزواجا فإنه غير منتج إلا أن يكون أخذ فيه مقدمة ليست ضرورية في الإنتاج أو حذف منه بعض المقدمات الضرورية، وخاصة هذا القياس أن تكون النتائج فيه نصف المقدمات، لن عن كل مقدمتين نتيجة. والقياس المركب الذي بهذه الصفة يسمى الموصول، وهو الذي يصرح فيه- كما قلنا- بجميع المقدمات الضرورية في إنتاج المطلوب ويصرح فيه بالمقدمات الوسط مرتين، مرة من حيث هي نتائج، ومرة من حيث هي مقدمات- وعني بالوسائط المقدمات التي بين المطلوب الأول وبين المقدمات الأول التي ائتلفت منها الأقيسة البسائط التي إليها ينحل القياس المركب، وهي المعروفة بنفسها- مثل أن نبين أن اَ موجودة في بَ بمقدمتي جَ ودَ وتبين كل واحدة من هاتين المقدمتين بمقدمتين أيضا. مثال ذلك أن يبين مقدمة جَ بمقدمتي هَ زَ ومقدمة دَ بمقدمتي حَ كَ وتكون مقدمات هَ زَ حَ كَ الأربعة بينة بنفسها، فتكون جميع مقدمات هذا القياس ما خلا هذه الأربع مرة هي نتائج ومرة هي مقدمات- أعني نتائج بالإضافة إلى ما تحتها، مقدمات بالإضافة إلى ما فوقها.
وأما القياس المركب الذي يسمى المفصول- وهو الذي إنما يصرح فيه إما بجميع المقدمات فقط دون النتائج اللازمة عنها وإما ببعض المقدمات- فإنه من جهة أنه ليس يصرح فيه بجميع المقدمات تكون خاصته أن الحدود التي تزيد أبدا على المقدمات بواحد إلا أنه ليس تكون المقدمات أبدا أزواجا والحدود أفرادا كما كانت في القياس المركب الموصول، بل خاصة هذا أنه متى كانت المقدمات أزواجا كانت الحدود أفرادا ومتى كانت المقدمات أفرادا كانت الحدود أزواجا، لأن هذه هي خاصة الأعداد التي يزيد أحدهما على الآخر بواحد، فمتى كانت المقدمات أفرادا والحدود أزواجا وزيد هنالك فرد آخر انعكس الأمر، فعادت المقدمات أزواجا والحدود أفرادا.
ولما كان يلحق هذا القياس أن المقدمات فيه يتصل بعضها ببعض إذ ليس تحول بينها النتائج التي يصرح بها في القياس الموصول بل تحذف هاهنا حذفا، وجب أن تحدث فيه مع كل ثلاثة حدود نتيجة. فمنها ما لها غناء في إنتاج المطلوب، ومنها ليس لها غناء- وهي النتائج المسماة فوائد. وإذا كان هذا هكذا كانت النتائج الحادثة في هذا القياس أكثر كثيرا من الحدود والمقدمات- أعني متى كانت الحدود أكثر من أربعة. ومتى زيد حد واحد تزيد نتائج أقل من الحدود التي زيد عليها الحد بواحد، لأنه لا يجتمع من الحد المزيد ومن الحد الذي يليه نتيجة، وإنما يجتمع منه ومن الحد الثالث، ثم منه ومن الرابع، وهكذا إلى آخر الحدود، وسواء كان الحد المزيد في الطرف الأسفل- وهو أن يكون موضوعا للموضوع الأول- أو في الطرف الأعلى- وهو أن يكون محمولا على المحمول الأخير- أو كان أيضا مزيدا في الوسط، وذلك أنه إذا كان في الوسط، عمل أيضا مع الحدود التي فوقه والتي تحته نتائج ما خلا الحدين اللذين يليانه اللذين أحدهما من فوق والآخر من أسفل. مثال ذلك أنه إذا كانت معنا حدود أربعة- وهي حدود اَ بَ جَ دَ- فإنه يكون عن هذه الحدود ثلاث نتائج نتيجة لحدود اَ بَ جَ، ونتيجة لحدود اَ جَ دَ، ونتيجة لحدود بَ جَ دَ. فإن زيد عليها حد واحد- وهو مثلا هَ- حدثت ثلاث نتائج- نتيجة لحدود هَ جَ دَ، ونتيجة لحدود هَ جَ بَ، ونتيجة أيضا لحدود هَ دَ اَ- فتكون أكثر من الحدود وتكون النتائج الحادثة عن الحد المزيد أقل من الحدود التي أضيف إليها الحد المزيد بواحد.
فبهذه السبارات يمكن أن يوقف على معرفة نوعي القياس المركب الموصول والمفصول، فإنه إذا لم تلف فيه هذه الخواص ولم تكن هنالك مقدمات زيدت لغرض من الأغراض التي تزاد فيها المقدمات التي ليس لها غناء في إنتاج المطلوب، فهو بين أن القول ليس بقياس مركب أصلا لا موصول ولا مفصول. وما وجدت فيه خواص الموصول فهو موصول، وما وجدت فيه خواص المفصول فهو مفصول.