[ ٧٠ ]
يعرض للقياس أن يقع فيه البيان بالدور، وهو أن تؤخذ نتيجته وعكس إحدى مقدمتي فيتبين بها المقدمة الثانية. مثال ذلك أنه إذا أنتج إنسان أن اَ موجودة في كل جَ بوساطة بَ بأن يضع اَ في كل بَ وبَ في كل جَ فينتج له عن ذلك أن اَ موجودة في كل جَ، فأراد أن يبين بهذه النتيجة- التي هي اَ في كل جَ- أن اَ في كل بَ فإنه يأخذ أن اَ في كل جَ وجَ في كل بَ- وهي عكس المقدمة الثانية- فينتج له من ذلك أن اَ في كل بَ وهي المقدمة الثانية التي قصد تبيينها. وكذلك يعرض له إذا أراد أن ينتج بهذه النتيجة بعينها المقدمة الأخرى التي هي بَ في كل جَ- أعني أنه يأخذ النتيجة التي هي اَ في كل جَ ويضيف إليها عكس المقدمة الأخرى التي هي اَ في كل بَ، فيكون معه بَ في كل اَ واَ في كل جَ، فتكون النتيجة بَ في كل جَ، وهي المقدمة المقصود إنتاجها من مقدمتي القياس. ويبين أنه ليس يمكن أن تبين المقدمات من النتائج بجهة غير هذه الجهة، لأنه متى أخذ آخذ مقدمة غريبة فأضافها إلى النتيجة- وذلك بأن يأخذ حدا أوسط ليس هو واحدا من الحدود التي في المقدمات- لم ينتج له من ذلك شيء من المقدمات المأخوذة في تلك النتيجة. مثال ذلك إن أضاف إلى النتيجة- التي هي اَ في كل جَ- أن جَ في كل هَ، لم ينتج له من ذلك إلا أن اَ في كل هَ، وذلك غير قولنا اَ في كل بَ أو بَ في كل جَ اللتان هما مقدمتا هذه النتيجة. وإذا لم يمكن أن تؤخذ مع النتيجة مقدمة غريبة فقد بقي أن نأخذ معها إحدى مقدمتي القياس، لأنه إن أخذنا المقدمتين بعينها عادت النتيجة التي كنا وضعناها مقدمة. لكن متى أخذنا إحدى مقدمتي القياس على ما هي عليه مع النتيجة، لم ينتج لنا أيضا عن ذلك المقدمة الأخرى. وذلك أنه إن أضفنا إلى النتيجة- التي هي قولنا اَ على كل جَ- قولنا اَ على كل بَ- وهي المقدمة الكبرى لهذه النتيجة- فإنه يأتي القول من موجبتين في الشكل الثاني، وذلك غير منتج. وإن أضفنا إليها الصغرى- وهي قولنا بَ على كل جَ- أتى من ذلك قياس من موجبتين في الشكل الثالث ينتج أن اَ في بعض بَ فلذلك يجب أن نأخذ المقدمة التي نضيفها إلى النتيجة معكوسة- مثل أن نضيف كما قلناه إلى نتيجة اَ في كل جَ بَ في كل اَ، فينتج لنا الصغرى وهي بَ في كل جَ، وكذلك إن أضفنا إليها عكس الصغرى أنتجت المقدمة الكبرى.
[ ٧١ ]
ولذلك ما يظهر أن هذا النوع من البيان إنما يمكن في المقدمات المنعكسة. فمتى كانت المقدمتان منعكستين والنتيجة منعكسة، كان هنالك ست مقدمات- مقدمتا القياس وعكسهما، والنتيجة وعكسها- وأمكن أن يبرهن كل واحد من هذه المقدمات بأنفسها بعضها من بعض حتى لا يبقى فيها شيء إلا يتبين بقياس مأخوذ منها أنفسها، فيتولد هنالك ستة مقاييس تنتج ستة أصناف من النتائج. مثال ذلك حدود اَ بَ جَ الثلاثة منعكسة بعضها على بعض وكذلك النتيجة المتولدة عنها. مثال ذلك أن تكون كل اَ بَ، وكل بَ اَ، وكذلك كل بَ جَ، وكل جَ بَ، وكذلك كل اَ جَ، وكل جَ اَ. فإنه إذا برهنا أن اَ موجودة في كل جَ فأخذنا اَ في كل بَ، وبَ في كل جَ فإنه يمكن أن تبرهن أيضا مقدمة اَ في كل بَ- وهي الكبرى- بالنتيجة، وعكس مقدمة بَ جَ- وهي الصغرى- بأن نقول اَ في كل جَ، وجَ في كل بَ، فينتج لنا أن اَ في كل بَ- وهي الكبرى من هذا القياس. وكذلك تبين مقدمة بَ جَ- التي هي الصغرى- بالنتيجة بعينها وعكس المقدمة الكبرى. وإذا كان هذا هكذا فقد أمكننا أن نبرهن كل واحدة من مقدمتي هذا القياس. والذي بقي لنا أن نبرهن مما أخذناه في برهان هاتين المقدمتين هو عكس كل واحدة من المقدمتين، لأن النتيجة هي التي قد تبرهنت من أول الأمر. وذلك يتفق لنا بأن نعكس النتيجة ونضيف إليها المقدمة الأخرى- أعني أنه إن أردنا أن نبرهن عكس الكبرى، وهي أن بَ في كل اَ، أخذنا عكس النتيجة والمقدمة الصغرى بعينها فقلنا بَ موجودة في كل جَ، وهي الصغرى، وجَ في كل اَ، وهي عكس النتيجة، أنتج لنا من ذلك أن بَ موجودة في كل اَ، وهو عكس الكبرى الذي استعملناه آنفا غير مبرهن. وكذلك متى أخذنا عكس النتيجة وأضفنا إليها المقدمة الكبرى، أنتج لنا عكس الصغرى- وهو الذي أخذناه قبل غير مبرهن- بأن نقول جَ في كل اَ- وهي عكس النتيجة- واَ في كل بَ، فينتج لنا من ذلك جَ في كل بَ- وهو العكس الذي استعملناه آنفا غير مبرهن. فإذن لم يبق في هذه المقدمات شيء لم نبرهنه إلا عكس النتيجة- وهو القياس السادس- وذلك يبين بعكس المقدمتين اللتين أنتجناها من أول الأمر. مثال ذلك أن نقول كل جَ هو بَ وكل بَ هو اَ فكل جَ هو اَ- وهذا هو عكس النتيجة. فإذن لم يبق لنا من هذه المقدمات شيء مأخوذ إلا قد برهنا هليه، وهو بين أن هذا- كما قلناه- إنما يعرض في المقدمات المنعكسة بعضها عن بعض، إلا أن هذا النحو من البيان- أعني أخذ الشيء في بيان نفسه- وهو نوع من المصادرة. ولذلك لا يستعمل في البراهين إلا أن يكون ذلك مستعملا بجهتين، وذلك بأن تكون المقدمات أعرف من النتيجة بجهة والنتيجة أعرف منها بجهة أخرى- مثل أن تكون المقدمات أعرف من جهة معرفة الوجود والنتيجة أعرف من جهة معرفة السبب. والذي يختص بهذا النحو من البيان هي صناعة السفسطة. فهكذا يعرض البيان بالدور- كما قلنا- في الصنف الأول من الشكل الأول، وهو الذي ينتج الكلي الموجب.
وأما الصنف السالب فإنه قد يمكن أيضا أن يعرض فيه هذا النحو من البيان. فلتكن اَ غير موجودة في شيء من بَ وبَ موجودة في كل جَ، فتكون النتيجة في الشكل الأول أن اَ غير موجودة في شيء من جَ.
فإذا أردنا أن نبين في هذا الصنف المقدمة الكبرى بالنتيجة وعكس الصغرى، فإنا نأخذ أن اَ غير موجودة في شيء من جَ وجَ في كل بَ، فينتج لنا اَ غير موجودة في شيء من بَ- وهي المقدمة الكبرى.
وأما إذا أردنا أن ننتج الصغرى من النتيجة وعكس المقدمة الكبرى، فإنه ليس يتأتى لنا ذلك من المقدمات أنفسها. وذلك أنه ليس يكون قياس من سالبتين ولو كان لم ينتج إلا سالبة، والذي يطلب إنتاجه هي الصغرى وهي موجبة. فلذلك إذا أردنا أن نبين المقدمة الصغرى من النتيجة نفسها ومن عكس المقدمة الكبرى، فإنا نضع النتيجة على حيالها من غير أن نغيرها- وهي قولنا اَ غير موجودة في شيء من جَ- ثم نأخذ المقدمة الكبرى- وهي قولنا اَ غير موجودة في شيء من بَ- فنجد يلزم عنها أن تكون اَ غير موجودة في كل ما فيه بَ موجودة، فنضع عكس هذا- وهو أن تكون بَ موجودة في كل ما ليس اَ فيه موجودة- فإذا كان معنا أن بَ موجودة في كل ما ليس توجد فيه اَ وأضفنا إلى هذه المقدمة أن اَ مسلوبة عن جَ، فهو بين أنه ينتج لنا عن ذلك أن بَ موجودة في كل جَ، وهي المقدمة الصغرى التي قصدنا إنتاجها.
[ ٧٢ ]
وليس هذا أصلا ثانيا من المقول على الكل غير الأصل الذي استعمل في أول هذا الكتاب كما نجد أبا نصر يومئ إلى ذلك. وذلك أنه يقول إن هذا الأصل مناقض لذلك الأصل الأول وإنه إذا استعمل هذا الأصل وجد الغير منتج بحسب ذلك الأصل منتجا بحسب هذا الأصل، وذلك أن هذا الأصل هو أن نضع مثلا أن اَ موجودة لكل ما سلب عنه بَ وأن اَ مسلوبة عن كل ما يسلب عنه بَ بخلاف ما وضعنا في الأصل الأول- وهو أن تكون اَ موجودة أو مسلوبة عن كل ما هو بَ- وعلى هذا ينتج ما صغراه سالبة في الشكل الأول وينتج أيضا ما هو من سالبتين. وذلك أن الأصل الذي استعمل في هذا الكتاب ليس هو بالوضع، وإنما هو مفهوم المقدمة الكلية بعينها ودلالتها الطبيعية- أعني قولنا كل كذا هو كذا أو ليس كذا. وأما هذا الأصل الثاني فهو شيء لازم عن المقدمة الكلية السالبة، فلذلك ليس ينتفع به في الإنتاج من سالبتين- أعني إذا وضعت مقدمتين سالبتين- وإنما كان ينتفع به لو لزم عن قولنا اَ ولا في شيء من بَ أن تكون اَ موجودة في كل ما هو ليس بَ ولا بد، وذلك شيء غير لازم. كما أنه ليس يلزم أيضا هذا العكس الذي وضعه هاهنا- أعني أنه ليس يلزم في كل مادة إذا كانت اَ مسلوبة عن كل ما هو بَ أن تكون بَ موجودة لكل ما ليس هو اَ، فإن الأبيض مسلوب عن كل ما هو أسود وليس الأسود موجودا لكل ما هو ليس أبيض. وإنما يلزم هذا العكس في الأشياء المتقابلة التي ليس يخلو من أحدهما موجود من الموجودات. لكن إنما استعمل هذا العكس هنا أرسطو وإن كان جزئيا، كما استعمل عكس الموجبة الكلية كلية، فلذلك لم يخرج في هذا المعنى عن أصله. وذلك أن عكس اللازم هو بقوة عكس المقدمة، فكأنه لم يخرج عما أخذ في بيان الدور من أنه يكون بالنتيجة وعكس إحدى المقدمتين لأن قوة عكس اللازم قوة عكس المقدمة.
فهكذا يكون البيان بالدور في الأصناف القياسية الكلية من الشكل الأول.
وأما القياسات الجزئية التي في هذا الشكل فإنه ليس يمكن فيها أن يبرهن على طريق الدور المقدمة الكلية من النتيجة والمقدمة الجزئية، لأن القضية الكلية إنما تبين بمقدمات كلية لا جزئية. وأيضا فإنه لا يكون قياس من جزئيتين إذ كان البرهان بالدور من النتيجة وعكس إحدى المقدمتين. وأما المقدمة الصغرى فقد يمكن أن تبرهن على طريق الدور. فلتكن اَ موجودة في كل بَ وبَ موجودة في بعض جَ والنتيجة اَ موجودة في بعض جَ. فإذا أردنا أن نبرهن وجود بَ في بعض جَ على طريق الدور فإنا نأخذ اَ موجودة في بعض جَ- وهي النتيجة- وعكس المقدمة الكبرى الكلية- وهو قولنا بَ في كل اَ- فينتج لنا في الشكل الأول أن بَ في بعض جَ ويكون الحد الأوسط فيه اَ. وكذلك إذا كان القياس الجزئي سالبا فليس يمكن أن تبرهن المقدمة الكلية للعلة التي قلنا. وأما الجزئية فقد يمكن أن تبرهن على طريق الدور إذا فعلنا في المقدمة السالبة الكلية ما فعلنا في القياس السالب الكلي- أعني أن نبين أنه يلزم عن قولنا اَ ولا شيء من بَ أن تكون بَ موجودة لكل ما يسلب عنه اَ- فإذا أضفنا إلى هذه المقدمة- وهي أن اَ مسلوبة عن بعض جَ- أنتج لنا أن بَ موجودة لذلك البعض.
فهذا هو وجه البيان المستعمل بالدور في الشكل الأول.