فنقول: أما إذا رتب الحد الأوسط من الطرفين بأن يكون محمولا والأكبر محمولا عليه- مثل أن نقول كل جَ هو بَ وكل بَ هو اَ- فهو من البين بنفسه أن هذا الترتيب قياسي وأنه يوجد لنا بالطبع. وأرسطو يسمي هذا الترتيب الشكل الأول.
[ ٥ ]
ولما كانت كل مقدمتين إما أن يكون كلاهما كلية أو جزئية أو مهملة أو تكون إحداهما كلية والأخرى جزئية أو إحداهما كلية والأخرى مهملة أو إحداهما مهملة والأخرى جزئية، وكل واحدة من هذه الأصناف الثلاثة تنقسم قسمين إما أن تكون الكلية الكبرى والجزئية الصغرى أو بالعكس، وكذلك الكلية مع المهملة والجزئية مع المهملة وكل واحد من هذه الأصناف التسعة من التركيب إما أن تكون موجبتين معا أو سالبتين معا، أو تكون إحداهما موجبة والثانية سالبة، وهذا ضربان، أحدهما أن تكون الصغرى هي السالبة والكبرى هي الموجبة، والضرب الثاني عكس هذا، فهو بين أنه إذا ضرب هذه الأربعة في تلك التسعة حدث عنها ستة وثلاثون إقترانا. وأرسطو يبين المنتج منها وغير المنتج على ما أقوله.
أما متى كانت المقدمتان كليتين موجبتين، فإنه ينتج موجبة كلية ضرورة، مثال ذلك من الحروف أنه متى وضعنا كل جَ هو بَ وكل بَ هو اَ، فأقول إنه ينتج عن ذلك أن كل جَ هو اَ وذلك بالضرورة ودائما. ومثال ذلك من المواد أنا متى وضعنا أن كل إنسان حيوان وكل حيوان حساس فإنه يلزم عن ذلك أن يكون كل إنسان حساسا. واللزوم هاهنا ظاهر من معنى المقول على الكل الذي رسمناه في أول هذا الكتاب، وذلك أن معنى قولنا كل بَ هو اَ أو كل حيوان حساس- وهي المقدمة الكبرى في هذا التأليف- إنما هو أن كل ما هو بَ ويوصف ببَ بإيجاب فهو اَ. فإذا أضفنا الى هذا الوضع أن جَ يوصف ببَ بإيجاب لزم ضرورة أن يوصف جَ باَ. وكذلك قولنا كل حيوان حساس إنما نريد به كل ما يوصف بأنه حيوان فهو حساس، فإذا أضفنا الى هذا أن الإنسان يوصف بأنه حيوان، فهو ظاهر أنه يجب أن يوصف بالحساس. فهذا هو أحد الضروب المنتجة في هذا الشكل.
وكذلك متى كانت المقدمتان كليتين وكانت الكبرى سالبة والصغرى موجبة، فهو ظاهر أيضا من معنى المقول ولا على واحد أنه ينتج سالبة كلية. مثال ذلك قولنا كل جَ فهو بَ، ولا شيء من بَ هو اَ، فيجيب عن ذلك ولا شيء من جَ اَ، لأن معنى قولنا ولا شيء من بَ اَ أي ولا شيء مما يوصف ببَ بإيجاب هو اَ، وجَ يوصف ببَ بإيجاب، فيجب أن لا يوصف بشيء من اَ.
وأما متى كانت المقدمتان الكليتان سالبتين معا أو كانت الكبرى موجبة والصغرى سالبة، فإنه لا يكون عن ذلك قياس منتج لا كلي ولا جزئي، وذلك ظاهر من أنه ينتج في المواد مرة موجبا صادقا ومرة سالبا صادقا، ومن أنه أيضا ليس فيه معنى المقول على الكل، إذ كان شرط ما يقال على الكل إنما هو أن تكون اَ مسلوبة عن كل ما يوصف ببَ وصف إيجاب. ولما كانت جَ توصف ببَ وصف سلب لم يجب منه أن يوصف باَ وصف سلب سواء كانت الكبرى موجبة أو سالبة. وأما أن هذين الضربين ينتجان في المواد مرة موجبة صادقة ومرة سالبة صادقة، فذلك ظاهر متى جعلنا حدود المقدمتين الكليتين اللتين الكبرى منها موجبة والصغرى سالبة مرة الحي والإنسان والفرس على أن الحي هو الحد الإكبر والأوسط الإنسان والأصغر الفرس، ومرة الحي والإنسان والحجر. فإذا قلنا ولا فرس واحد إنسان وكل إنسان حي، انتج موجبا كليا- وهو أن كل فرس حي. وإذا قلنا ولا حجر واحد إنسان وكل إنسان حي، أنتج سالبا كليا- وهو قولنا ولا حجر واحد حي. وإذا كان هذا التركيب مرة ينتج السالب ومرة ينتج الموجب، فليس يلزم عنه شيء آخر من الاضطرار ودائما على ما أخذ في حد القياس. وإذا كان ذلك كذلك فليس بقياس. وكذلك الحدود التي تنتج الموجب في المقدمتين السالبتين الكليتين هي النطق والفرس والإنسان، والتي تنتج السالب هي النطق والفرس والحمار. وذلك أنه ولا إنسان واحد فرس واحد ناطق ينتج كل إنسان ناطق، وأيضا ولا حمار واحد فرس ولا فرس واحد ناطق. فإذن هذا التأليف مرة ينتج الموجب ومرة السالب، فليس بتأليف قياس.
[ ٦ ]
فهذه حال المقاييس التي تأتلف من مقدمتين كليتين في هذا الشكل- أعني أن اثنتين منها منتج واثنتين غير منتج. إلا أنه ينبغي أن تعلم أن الذي كليتين سالبتين في هذا الشكل ليس ينتج أصلا شيئا من الأشياء لا بقياس صناعي ولا بقياس طبيعي، وهو الذي تأتي به الفكرة من غير روية. وأما التي الصغرى فيه سالبة فقد يظن به أنه ينتج سالبة جزئية إذا عكسنا المقدمات. لكن هذا النوع من الإنتاج ليس هو عن قياس تقع عليه الفكرة بالطبع، وإنما كان يكون لو كان هذا النوع من الشكل الأول قياسا طبيعيا. والمقصود هاهنا كما قلنا إنما هو إحصاء المقاييس التي تقع عليها أفكار الناس بالطبع.
وأما متى كانت إحدى المقدمتين في هذا الشكل كلية والأخرى جزئية، فإنه متى كانت الكلية هي الكبرى موجبة كانت أو سالبة وكانت الجزئية هي الصغرى وكانت موجبة فإنه يكون عن ذلك قياس منتج كانل. مثال ذلك أنه متى وضعنا أن بعض جَ هو بَ وكل بَ هو اَ، فإنه يجب أن يكون بعض جَ هو اَ. وذلك بين من معنى المقول على الكل، لأن معنى قولنا كل بَ هو اَ- كما قلناه غير مرة- هو كل ما يوصف ببَ وصف إيجاب فهو اَ، وبعض جَ وضع موصوفا ببَ، فواجب أن يكون ذلك البعض موصوفا بألف. وكذلك متى وضعنا أن بعض جَ هو بَ ولا شيء من بَ اَ، فإنه يجب عن ذلك أن بعض جَ ليس اَ، وذلك أيضا يبين من معنى المقول على الكل السالب، وعلى هذا النحو يلزم الأمر متى جعل عوض الجزئية في هذين الصفتين مهملة، لأن المهملة قوتها قوة الجزئية إذ كانت المهملة لا تنفك من أن تكون جزئية، وذلك هو الدائم الضروري الوجود فيها. وأما كونها دالة على المعنى الكلي فليس بلازم لها، ولذلك جعلوا قوتها قوة الجزئية.
وأما إذا كانت المقدمة الكلية هي الصغرى موجبة كانت أو سالبة، وكانت المقدمة الكبرى غير كلية إما مهملة وإما جزئية سالبة كانت أو موجبة، فإنه لا يكون عن ذلك قياس. وذلك ظاهر فيها من أنه ليس يوجد فيها معنى المقول على الكل. وظاهر أيضا من المواد- أعني أنها توجد تنتج في المواد مرة موجبا ومرة سالبا. ومثال ذلك متى وضعنا أن كل جَ هو بَ واَ موجودة في بعض بَ أو غير موجودة في بعض بَ، فإنه ليس يلزم عنه أن يكون اَ مسلوبة عن بعض جَ أو موجودة في بعض جَ وذلك أنه نقص هاهنا من شرط المقول على الكل الكلية الموجودة فيه، إذ كان معنى المقول على الكل أن يكون اَ محمولة بإيجاب أو بسلب على كل ما يوصف ببَ بإيجاب فقط واَ هاهنا إنما هي مقولة على بعض بَ لا على كلها.
ومثال الحدود التي تنتج الموجب الصادق في التي الصغرى منها كلية موجبة والكبرى جزئية موجبة الخير والقنية والحكمة وذلك أن كل حكمة قنية وبعض القنية خير والنتيجة فكل حكمة خير. والتي تنتج السالب الخير والقنية والجهل الذي على طريق الملكة- أعني المكتسب. وذلك أن كل جهل قنية وبعض القنية خير ولا جهل واحد خير. وهذا هو أيضا غير منتج بالطريق الطبيعي وكذلك متى وضعنا أنه ولا شيء من جَ هو بَ وبعض بَ اَ أو بعض بَ ليس هو اَ، فإنه لا ينتج نتيجة محفوظة الكيفية. وذلك بين أيضا من معنى المقول على الكل ومن المواد. فمثال حدود المقدمات التي تنتج الموجب مما الكبرى فيه موجبة جزئية والصغرى سالبة كلية الأبيض والفرس والققنس، وذلك أنه ولا ققنس واحد فرس وبعض الفرس أبيض ينتج كل ققنس أبيض. والحدود التي تنتج سالبة صادقة الأبيض والفرس والغراب، وذلك أنه ولا غراب واحد فرس وبعض الفرس أبيض ينتج ولا غراب واحد أبيض وهو سالب صادق.
وإذا تبين في أمثال هذه المقاييس أنها تنتج الموجب الكلي مرة والسالب الكلي مرة، فبين أنه ليس ينتج سالبا جزئية ولا موجبا جزئيا. وذلك أن من جهة أنها قد تنتج الموجب الكلي فليس يمكن فيها أن تنتج دائما سالبا جزئيا ومن جهة أنها تنتج السالب الكلي فليس يمكن فيها أن تنتج دائما لا موجبا كليا ولا جزئيا. وهذه ليست مقاييس بالإضافة إلى ما ينتج بطريق طبيعي. وكذلك يلفى الأمر إن أخذ هاهنا بدل الجزئية مهملة، إذ كانت قوتهما واحدة.
[ ٧ ]
وكذلك أيضا متى كانت المقدمة الكبرى كلية موجبة كانت أو سالبة وكانت المقدمة الصغرى جزئية سالبة، فإنه لا يكون أيضا قياسا ينتج المطلوب بطريق طبيعي، لأن الطرف الأصغر لما كان ليس يوجد فيه الحد الأوسط- أعني ليس هو محمولا عليه بإيجاب- على الشريطة المفروضة في المقول على الكل، أمكن أن يوجد الطرف الأكبر فيه وأن لا يوجد في شيء منه. ومثال ذلك أنا إذا وضعنا أن بعض جَ غير موجودة لشيء من بَ وكل بَ اَ، فإنه يمكن أن ينتج أن اَ موجودة مرة لبعض جَ ومرة غير موجودة. ومثال حدود ذلك من المواد الحي والإنسان والأبيض. وذلك أن بعض الأبيض ليس بإنسان وكل إنسان حي. فإن قولنا بعض الأبيض ليس بإنسان- وهي السالبة الجزئية- يصدق مع السالبة الكلية- وهي قولنا ولا واحد من الأبيض إنسان- كان القياس مؤتلفا مع مقدمتين صغراهما سالبة كلية وكبراهما موجبة كلية، وقد تبين أن هذا غير منتج من جهة الحدود التي تنتج المتضادين. وإن كانت لا تصدق مع قولنا بعض الأبيض ليس بإنسان السالبة الكلية، فيكون بعض الأبيض ضرورة هو إنسان وبعضه ليس بإنسان. فإذن لا يوجد في هذا الوضع حدود تنتج المتضادين- أعني السالب والموجب- إذ كان يجب أن يكون بعض جَ هو اَ، لأنه إذا صدق مع قولنا بعض الأبيض ليس بإنسان قولنا إن بعض الأبيض إنسان، كان اللازم عن هذا التأليف تأليفا منتجا- وهو الذي يكون من موجبة صغرى جزئية وكبرى كلية- وقد تبين أنه ينتج ولابد موجبة جزئية. فلذلك لا يصح أن يوجد في مثل هذه المادة سالب كلي، لأنه نقيض للموجب الجزئي. لكن يبين في مثل هذه المادة- أعني إذا كانت المقدمة الجزئية السالبة صادقة مع الموجبة الجزئية، وهي التي تسمى جزئية بالطبع- أن هذا التأليف غير منتج، فإنه يمكن أن نجد في ذلك البعض الذي سلب عنه الإنسان ما يصدق عليه الحيوان وما يكذب عليه. وذلك أن بعض الأبيض الذي ليس بإنسان، إذا فرضنا أنه الثلج مثلا، صدق قولنا ولا ثلج واحد حيوان. وإذا فرضناه الققنس مثلا، صدق قولنا إن كل ققنس حيوان. فمن هذه الجهة قد يظهر لنا أن هذا التأليف مرة ينتج موجبا كليا صادقا ومرة سالبا كليا صادقا، وهما المتضادان.
وقد يمكن أيضا إن يقال أن هذا الشكل غير منتج من جهة أنه إنما يطلب هاهنا المنتج دائما لا بحسب مادة من المواد. ولما كان هذا التأليف إن سلمنا أنه ينتج موجبة جزئية، فإنما ينتجها في الموضع الذي تكون الجزئية السالبة فيه بالطبع- أعني في المادة التي تصدق معها الموجبة الجزئية- لا في الموضع الذي تصدق معها السالبة الكلية- وهي التي تسمى جزئية بالوضع- وكان المطلوب من التأليفات إنما هو المنتج بالذات وهو المنتج في كل مادة، لم يعد هذا التأليف في التأليفات المنتجة كما لا يعد الذي من موجبتين في الشكل الثاني منتجا وإن كان قد ينتج في بعض المواد لأن المواد التي يتأتى فيها الإنتاج من التي لا يتأتى فيها الإنتاج قد تكون مجهولة.
وكذلك يبين أيضا أن التأليف الذي تكون المقدمة الكبرى فيه سالبة كلية والصغرى سالبة جزئية أنه غير منتج بمثل هذا البيان بعينه. وحدود ذلك من المواد غير النامي والإنسان والأبيض. وذلك أن بعض الأبيض ليس بإنسان ولا إنسان واحد غير نام. فإن أخذنا من ذلك البعض الثلج وققنس، أنتج لنا أن الثلج غير نام وأن ققنس- الذي هو طائر- نام. فنجد هذا التأليف ينتج المتقابلين معا.
[ ٨ ]
وإذا كانت المقدمتان المأخوذتان في هذا الشكل كلناهما جزئية أو مهملة أو إحداهما مهملة والثانية جزئية، فأنه لا يكون من ذلك قياس موجبتان كانتا معا أو سالبتان معا أو إحداهما موجبة والأخرى سالبة وذلك بين من أنه ليس يوجد فيها معنى المقول على الكل. إذ كان ذلك يقتضي شرطين، أحدهما أن تكون الكبرى كلية كيفما كانت في كيفيتها- أعني موجبة أو سالبة- وأن تكون الصغرى موجبة ولا بد كيفما كانت في كميتها- أعني كلية أو جزئية. وقد تبين أنه غير منتج من الحدود التي تنتج المتضادات في جميع هذه التأليفات. والحدود العامة لها أما فيما ينتج الموجب الكلي، فالحي والأبيض والإنسان- أعني أن يكون الحي هو الطرف الأعظم والأبيض الأوسط والإنسان الأصغر وذلك أنك تجد في هذه الحدود جميع أصناف تلك التأليفات وكلها ينتج موجبا. وذلك أن بعض الإنسان أبيض وبعض الأبيض حي وبعض الإنسان ليس بأبيض وبعض الأبيض ليس بحي. وكلها يلزم عنها أن الإنسان حي. وأما الحدود العامة لها التي ينتج فيها السالب الكلي، فالحي والأبيض والحجر- أعني أن يكون الحي هو الأكبر والأبيض الأوسط والأصفر والحجر.
فقد تبن المنتج في هذا الشكل من غير المنتج، وأن النتج منها أربعة فقط- وهو الذي يكون من موجبتين كليتين، ومن موجبة كلية كبرى وموجبة جزئية صغرى، ومن كلية سالبة كبرى وجزئية موجبة صغرى، ومن كلية سالبة كبرى وكلية موجبة صغرى- وأنه ينتج جميع أصناف القضايا- أعني أنه ينتج موجبة كلية وموجبة جزئية وسالبة كلية وسالبة جزئية- وأن المقاييس المنتجة في هذا الشكل كاملة، ولذلك سمي بالشكل الأول.
وما ظن القدماء من أن الثلاثة الأصناف التي في هذا الشكل قد تنتج نتيجتين- أعني أن الصنف الذي ينتج السالبة الكلية قد ينتج عكسها وكذلك الذي ينتج الموجبة الجزئية والذي ينتج الموجبة الجزئية والذي ينتج الموجبة الكلية أعني أنهما ينتجان أيضا عكسيهما وهي موجبة جزئية- فذلك جهل بغرض أرسطو هاهنا وذلك أن أرسطو إنما قصد أن يعدد هاهنا أصناف النتائج الموجودة بالذات وأولا للمقاييس الطبيعية، لا الموجودة بالقصد الثاني وعلى غير مجرى الطبع القياسي.