وإذا كان الحد الأوسط موضوعا لطرفي المطلوب والطرفان محمولان عليه، فإنه يسمى هذا الشكل الشكل الثالث- مثل أن تكون اَ وجَ محمولتين على بَ. وهو بين أن هذا الشكل أيضا شكل طبيعي، وذلك أنه قد يقول القائل إن جَ هي اَ لكون بَ هي جَ وبَ هي اَ. ومن المواد الجسم محدث لأن الحائط جسم ولأن الحائط محدث. والمقدمة التي فيها موضوع المطلوب تسمى الصغرى- وهو الذي يسمى الحد الأصغر- والتي فيها محمول المطلوب- الذي هو الطرف الأكبر- تسمى الكبرى، وليكن مثال الطرف الأصغر جَ والأوسط بَ والأكبر اَ، ويكون ترتيبها في القول بأن نبدأ أولا بالحد الأوسط ثم يليه الأصغر ثم يليه الأكبر.
وليس يكون أيضا في هذا الشكل قياس كامل وقد يمكن أن يكون فيه قياس، إذا كانت مقدمتاه كليتين أو إحداهما كلية والأخرى جزئية، وقد يمكن أن لا يكون فيهما قياس.
فلتكن أولا المقدمتان كليتين ولتكن موجبتين. مثال ذلك قولنا كل بَ هو ج َ وكل بَ هو اَ، فأقول إنه ينتج بعض جَ هو اَ لأنه تنعكس الصغرى الكلية- وهي قولنا كل بَ هو جَ- جزئية فيصير بعض جَ هو بَ، ومعنا أن كل بَ هو اَ فينتج في الشكل الأول أن بعض جَ هو اَ، على ما تبين هنالك. وقد يبين هذا بالخلف وبالافتراض. أما بالخلف فبأن تأخذ نقيض النتيجة ونضيف إليها إحدى المقدمتين، فيلزم عنهما نقيض المقدمة الثانية، وما لزم عنه الكذب فهو كذب. وأما بالافتراض فبأن نفرض بعض بَ هو زَ، ولأن جَ في كل بَ، وزَ هو جزء من بَ، فزَ ضرورة جزء من جَ، ولأن اَ في كل بَ، وزَ جزء من بَ، فزَ ضرورة جزء من اَ وقد كانت جزءا من جَ، فبعض جَ هو اَ.
وكذلك متى كانت المقدمة الكبرى سالبة والصغرى موجبة، فإنه يكون أيضل قياس. مثال ذلك قولنا كل بَ هو جَ ولا شيء من بَ هو اَ، فأقول إنه ينتج بعض جَ ليس هو اَ- أعنى سالبة جزئية- لأنه إذا عكسنا الموجبة الكلية جزئية، ائتلف القول هكذا: بعض جَ هو بَ ولا شيء من بَ اَ فبعض جَ ليس هو اَ، وذلك في الشكل الأول.
[ ١٢ ]
وأما إذا كانت الكلية السالبة هي الصغرى والكلية الموجبة هي الكبرى- مثل قولنا ولا شيء من بَ هو جَ وكل بَ هو اَ- فإنه لا يكون في ذلك قياس ينتج المطلوب، لأنه ينتج المتضادين عند استعماله في المواد. فمثال الحدود التي تنتج الموجب الفرس والإنسان والحي، والأصغر هو الفرس والأوسط هو الإنسان. وذلك أنه ولا إنسان واحد فرس وكل إنسان حي ينتج وكل فرس حي، وهو موجب صادق. والحدود التي تنتج السالب غير النامي والإنسان والحي، فالإنسان ليس بغير نام والإنسان حي، وينتج أن غير النامي ليس بحي.
وأما إذا كانت المقدمتان الكليتان سالبتين فإنه لا يكون قياس أصلا. فالحدود التي ينتج فيها الموجب الفرس وغير النامي والحي، والفرس هو الأصغر وغير النامي الأوسط، وذلك أن غير النامي ليس بفرس وليس بحي ينتج الفرس حي. والتي تنتج السالب الفرس وغير النامي والإنسان، والفرس الأصغر وغير النامي الأوسط والإنسان الأكبر، وذلك أن غير النامي ليس بفرس وغير النامي ليس بإنسان والفرس ليس بإنسان.
فقد تبين متى يكون قياس في هذا الشكل إذا كانت المقدمتان كليتين ومتى لا يكون، وذلك أنه إذا كانتا موجبتين كان قياس ينتج موجبا جزئيا، وكذلك متى كانت الكبرى هي السالبة والصغرى هي الموجبة كان قياس ينتج سالبا جزئيا. وأما إذا كانتا سالبتين أو كانت الصغرى الكلية هي السالبة والكبرى هي الموجبة، فإنه لا يكون قياس.
وأما إذا كانت إحداهما كلية والأخرى جزئية- أيهما اتفق- وكانتا موجبتين، فإنه يكون قياس منتج موجبة جزئية. مثال ذلك أنه إذا وضعنا أن كل بَ هو جَ وبعض بَ هو اَ، فأقول إن بعض جَ هو اَ- أعني إذا كانت الصغرى هي الكلية والكبرى الجزئية- وذلك أنه ينعكس بعض بَ هو اَ فيكون معنا بعض اَ هو بَ وكل بَ هو جَ، ينتج في الشكل الأول أن بعض اَ هو جَ، ثم نعكس هذه النتيجة فينتج المطلوب- وهو أن بعض جَ هو اَ وهذا ينتج بعكسين.
وكذلك أيضا إن كانت الجزئية هي الصغرى والكلية هي الكبرى، فإنه يكون قياس منتج. ومثال ذلك أن نضع أن بعض بَ هو ج وكل بَ هو اَ، فأقول إنه ينتج أن بعض جَ هو اَ. وذلك أنه تنعكس هذه الجزئية، فيكون معنا بعض جَ هو بَ وكل بَ هو اَ، فينتج في الشكل الأول أن بعض جَ هو اَ. وقد يبين هذا بالافتراض، وذلك أنا فرضنا بعض بَ مثلا هو زَ، كان كل زَ هي جَ وكل زَ هي اَ، ورجع إلى الذي من كليتين موجبتين في هذا الشكل- أعني أنه ينتج بعض جَ هي اَ. وقد يبين بسياقة الكلام إلى المحال- وهو الذي يسمى الخلف- وذلك بأن نأخذ نقيض النتيجة فنضيف إليها إحدى المقدمتين، فيلزم أن تكذب الثانية. مثال ذلك أن نأخذ ولا شيء من جَ هو اَ- الذي هو نقيض النتيجة- ونضيف إليها المقدمة الصغرى- وهي قولنا بعض بَ هي جَ- فينتج لنا في الشكل الأول أن بعض بَ ليست اَ، وهو نقيض المقدمة الكبرى التي وضعنا- وهو أن كل بَ هو اَ. فقد ساق الكلام بوضع نقيض تلك النتيجة فيه إلى المحال، فذلك النقيض إذن محال، فالنتيجة صادقة.
فأما إذا كانت إحداهما موجبة والثانية سالبة، وكانت المقدمة السالبة هي الكبرى والموجبة هي الصغرى، فقد يكون قياس. مثال ذلك أنا نفرض أولا أن السالبة الكبرى هي الجزئية والموجبة الصغرى هي الكلية- مثل أن يكون كل بَ هو جَ وبعض بَ ليس اَ- فأقول إنه ينتج أن بعض جَ ليس هو اَ ن وذلك بسياقة الكلام إلى المحال. وذلك إن لم يكن صادقا قولنا بعض جَ ليس اَ، فليكن الصادق نقيضه- هو أن كل جَ هو اَ- فإذا أضفنا إلى هذه المقدمة الصغرى- وهي كل بَ جَ- أنتج لنا أن كل بَ هو اَ، وذلك محال لأنه نقيض المقدمة الكبرى لأنا قد كنا وضعنا أن بعض بَ ليس اَ، فنقيضه هو الصادق- هو أن بعض جَ ليس اَ. وقد يبين ذلك بالفرض إذا فرض بعض بَ شيئا محسوسا وليكن مثلا زَ، فيكون معنا ولا شيء من زَ هو اَ وكل زَ هو جَ لأن زَ جزء بَ، فيعود إلى الصنف المنتج من هذا الشكل- أعني الذي من كليتين الكبرى سالبة والصغرى موجبة- وينتج بعض جَ ليس اَ. وهذا الصنف ليس يتبين بالانعكاس.
وكذلك إذا كانت السالبة الكبرى هي الكلية، والموجبة الصغرى هي الجزئية، فإنه يكون أيضا قياس منتج. ومثال ذلك بعض بَ هو جَ، ولا شيء من بَ هو اَ، فينتج بعض جَ ليس هو اَ. وذلك أنا إذا عكسنا الموجبة الصغرى منه رجع إلى الشكل الأول.
[ ١٣ ]
وأما وإن كانت المقدمة الكبرى هي الموجبة والصغرى هي السالبة، فإنه لا يكون في ذلك قياس على المطلوب. وهذا صنفان كما الأول أحدهما أن تكون الكبرى هي الكلية والصغرى هي الجزئية. والصنف الثاني عكس هذا. فلنضع أولا الكبرى هي الكلية والصغرى هي الجزئية. مثال ذلك قولنا بعض بَ ليس هو جَ وكل بَ هو اَ، فأقول إن هذا غير منتج. وذلك أنه ينتج في المواد المختلفة المتضادين معا. فمثال المواد التي ينتج فيها الموجب الإنسان والحي والنامي، والإنسان هو الأصغر والحي هو الأوسط والنامي هو الأكبر. وذلك أن بعض الحي ليس بإنسان وكل حي نام وكل إنسان نام. وإما الحدود التي تنتج السالب فليس توجد، إذ كان قد يصدق مع السالبة الجزئية الموجبة الجزئية. فيكون بعض بَ هو جَ وكل بَ هو اَ، فبعض جَ إذن هو اَ. فإذن ليس يصدق ولا شيء من جَ هو اَ. لكن هذا الصنف يعد في غير المنتج من قبل أنه إنما ينتج في بعض المواد- وهي المادة التي تصدق فيها مع السالبة الجزئية الموجبة الجزئية.
وكذلك إذا كانت الصغرى هي الكلية والكبرى هي الجزئية. مثال ذلك أن يكون ولا شيء من بَ هو جَ وبعض بَ هو اَ، فأقول إنه غير منتج. فالحدود التي تنتج الموجب المائي والإنسان والحي، وذلك أنه ولا مائي واحد إنسان وبعض المائي حي وكل إنسان حي، وهي النتيجة. والحدود التي تنتج السالب المائي والعلم والحي، وذلك أنه ولا مائي واحد له علم وبعض المائي له حياة، فلا علم واحد حياة.
وكذلك أيضا لا يكون قياس، إذا كانتا سالبتين معا- أعني الكلية والجزئية. ومثال الحدود التي تنتج السالب إذا كانت الصغرى هي الكلية النامي والعلم والحي، والنامي هو الأوسط هو الأصغر والحي الأعظم، وذلك أن النمو ليس بعلم وبعض النمو ليس بحياة والعلم ليس بحياة، وهي النتيجة. ومثال الحدود التي تنتج الموجب المائي والإنسان والحي، وذلك أن المائي ليس بإنسان وبعض المائي ليس بحيوان وكل إنسان حيوان، وهي النتيجة. والحدود التي تنتج السالب، إذا كانت المقدمة الكبرى هي الكلية البياض والثلج والغراب، وذلك أن بعض الأبيض ليس بثلج ولا ابيض واحد غراب، والنتيجة ولا ثلج واحد غراب. وأما الحدود التي تنتج الموجب فيه فليس يوجد للعلة التي تقدمت- أعني لأنه قد يصدق فيه مع السالبة الجزئية الموجبة الجزئية- وذلك أنه إن كان كل جَ هو اَ وقد كان معنا بعض بَ هو جَ، أنتج لنا أن بعض بَ هو اَ، وقد وضعنا في مقدمات هذا القياس ولا شيء من بَ اَ، هذا خلف لا يمكن. فإذن لا يمكن في هذا الصنف أن ينتج موجبا أصلا. لكن يعلم أنه ليس بقياس لأنه ليس ينتج نتيجة واحدة دائما، وذلك أنه لا يدرى الموضع الذي يصدق فيه مع السالبة الجزئية الموجبة الجزئية من الموضع الذي يصدق فيه معها السالبة الكلية.
وأما إذا كانت المقدمتان في هذا القياس جزئيتين أو مهملتين أو احداهما جزئية والأخرى مهملة، موجبتين كانتا معا أو سالبتين معا أو إحداهما موجبة والأخرى سالبة، فإنه لن يكون في ذلك قياس. والحدود التي تنتج الموجب- العامة لهذه الضروب كلها- البياض والإنسان والحي. والتي تنتج السالب الأبيض وغير النامي والحي. والأبيض هو الحد الأوسط فيهما والحي هو الأكبر.
فقد تبين من هذا القول متى يكون قياس في هذا الشكل ومتى لا يكون قياس، وأنه إذا كانت الصغرى في هذا القياس موجبة وكانت فيه مقدمة كلية إما الصغرى وإما غيرها أنه يكون قياس منتج، وأنه إذا كان قياس منتج فمن الاضطرار أن تكون المقدمات بهذه الصفة. وتبين أيضا أن القياسات في هذا الشكل غير كاملة، وأن منها ما يبين بالانعكاس والافتراض والخلف ومنها ما يبين بالافتراض والخلف، وأنه ليس يوجد في هذا الشكل نتيجة كلية لا سالبة ولا موجبة، وأنه يعم الأشكال كلها أنه لا ينتج فيها من سالبتين ولا من جزئيتين ولا من مهملتين ولا من مهملة وجزئية إذ كانت المهملات قوتها قوة الجزئيات.