وأما متى حمل الحد الأوسط على الطرفين جميعا- أعني على موضوع المطلوب وعل محموله- وذلك إما بأن يكون محمولا عليهما بإيجاب أو سلب أو محمولا على أحدهما بإيجاب وعلى الثاني بسلب كان الحمل في كليهما كليا أو جزئيا أو في أحدهما كليا وفي الآخر جزئيا أو مهملا، فإنه بين أن مثل هذا التأليف هو تأليف قياسي وأن الفكرة الإنسانية تقع عليه بالطبع لا بطريق صناعي. مثال ذلك أنه قد يقول القائل هذا السقط ليس بحي، فيقال له ولم ذلك فيقول لأن الحي يستهل صارخا. فإنه من البين أن هذا القول قد حذف منه قائله المقدمة الصغرى لبيانها، وهي أن هذا الطفل لم يستهل صارخا وهذا هو أخذ المستهل صارخا- الذي هو الحد الأوسط- محمولا على الطرفين. فلنسم مثل هذا التأليف الشكل الثاني، ولنسم الحد المحمول عليهما أيضا الأوسط، وموضوع المطلوب الأصغر، ومحمول المطلوب الأكبر، والمقدمة التي موضوعها موضوع المطلوب المقدمة الصغرى، والتي موضوعها محمول المطلوب المقدمة الكبرى. ولنفرض الأول في القول هو الطرف الأصغر، ثم يليه الأوسط، ثم يليه الأعظم ليتميز لنا الطرف الأكبر من الأصغر لأنهما في هذا الشكل لا يتميزان إلا بالإضافة إلى المطلوب.
وهذا الشكل ليس يوجد فيه قياس كامل، وتوجد فيه قياسات منتجة، إذا كانت المقدمات كلية وغير كلية. فأما إذا كانت كلية فإن القياس إنما يوجد فيه، إذا كان الأوسط محمولا على أحد الطرفين- أيهما كان- بإيجاب وكان محمولا على الآخر بسلب. وأما إذا كان محمولا عليهما بإيجاب، فلن يكون فيه قياس منتج.
[ ٩ ]
فلنضع أولا مقدمتين كليتين إحداهما سالبة والأخرى موجبة، ولتكن الكبرى هي السالبة والصغرى هي الموجبة، فأقول إنها تنتج سالبة كلية. مثال ذلك كل جَ هو بَ ولا شيء من اَ هو بَ، فأقول إنه يلزم عن ذلك ولا شيء من جَ هو اَ لأنه إذا عكسنا السالبة الكلية- وهي قولنا ولا شيء من اَ هو بَ فقلنا ولاشيء من بَ هو اَ وقد كان معنا أن كل جَ هو بَ، أنتجنا في الصنف الثاني من الشكل الأول على ما تبين أنه ولا شيء من جَ اَ. ولنضع السالبة أيضا هي الصغرى والموجبة هي الكبرى، فأقول إن هذا التأليف ينتج أيضا سالبة كلية. مثال ذلك قولنا ولا شيء من جَ هو بَ وكل اَ هو بَ، فهذا ينتج أنه ولا شيء من جَ هو اَ. برهان ذلك أنا نعكس المقدمة السالبة فيكون معنا ولا شيء من بَ هو جَ، وقد كان معنا أن كل اَ هو بَ، فينتج لنا في الصنف الثاني من الشكل الأول أنه ولا شيء من اَ هو جَ، ثم نعكس هذه النتيجة فيكون معنا ولا شيء من جَ هو اَ. وهذه النتيجة بعينها كانت نتيجة القياس الأول من هذا الشكل.
وأما إذا كانت المقدمتان الكليتان موجبتين أو سالبتين معا، فإنه لا يكون عن غير ذلك قياس منتج. ومثال ذلك أنه إذا وضعنا كل جَ هو بَ وكل اَ هو بَ، فأقول إنه ليس يلزم عن ذلك أن يكون كل جَ هو اَ ولا بعض جَ هو اَ، وذلك بين من المواد التي تنتج المتضادات. فمثال الحدود التي تنتج الموجب من المواد الإنسان والجوهر والحي على أن نأخذ الجوهر هو الحد الأوسط، وذلك أن كل إنسان جوهر وكل حي جوهر، وهذا ينتج في هذه المادة أن كل إنسان حي. ومثال الحدود التي تنتج السالب من المواد الحجر والجوهر والحي، وذلك أن كل حجر جوهر وكل حي جوهر ولا حجر واحد حي.
وكذلك متى وضعنا أنه ولا شيء من جَ هو بَ ولا شيء من اَ هو بَ، فإنه يوجد هذا التأليف أيضا في المواد ينتج المتضادين معا. ومثال الحدود التي تنتج الموجب الإنسان والخط والحي، وذلك أنه ولا إنسان واحد خط ولا حي واحد خط وكل إنسان حي. ومثال الحدود التي تنتج السالب الكلي الحجر والخط والحي، وذلك أنه ولا حجر واحد خط ولا حي واحد خط ينتج ولا حجر واحد حي. فيوجد هذان التأليفان مرة ينتجان الموجب ومرة ينتجان السالب، فليسا بقياس.
فقد تبين من هذا القول إذا كانت المقدمتان كليتين متى يكون قياس في هذا الشكل ومتى لا يكون، وأن القياسات المنتجة في هذا الشكل ليست بكاملة، إذ كانت إنما يبين أنها منتجة بغيرها لا بنفسها- وهو ردها إلى الشكل الأول.
فأما إذا كانت إحدى المقدمتين في هذا الشكل كلية والأخرى جزئية، فإنه إذا كانت الكبرى كلية والصغرى جزئية وكانت إحداهما مخالفة للأخرى في الكيفية- أعني إن كانت إحداهما سالبة كانت الأخرى موجبة- فإنه يكون من ذلك قياسات منتجة. فلتكن أولا الكبرى سالبة كلية والصغرى موجبة جزئية. ومثال ذلك أن يكون بعض جَ هو بَ ولا شيء من اَ بَ. فأقول إنه من الاضطرار أن يكون بعض جَ ليس هو اَ لأنه ينعكس ولا شيء من اَ بَ فيكون معنا بعض جَ هو بَ ولاشيء من بَ اَ، فيرجع هذا إلى الشكل الأول. وقد تبين أنه يلزم في هذا الشكل أن يكون بعض جَ ليس فيه شيء من اَ. ولتكن أيضا المقدمة الكبرى الكلية الموجبة والصغرى السالبة الجزئية. مثال ذلك أن يكون بعض جَ ليس بَ وكل اَ هو بَ، فأقول إنه يلزم عنه جزئية سالبة وهي أن بعض جَ ليس هي اَ. برهان ذلك أنه إن لم يكن قولنا إن بعض جَ ليس هو اَ صادقا، فليكن الصادق نقيضه- وهو أن كل جَ هي اَ- ونضيف إليه المقدمة الثانية التي وضعنا- وهي قولنا وكل اَ بَ- فيلزم عنه في الشكل الأول أن يكون كل جَ هو بَ، وقد وضعنا أن بعض جَ ليس بَ، هذا خلف لا يمكن. وما لزم عنه الكذب فهو كذب، والكذب إنما لزم عن وضعنا أن كل جَ اَ فقولنا كل جَ اَ كذب، فنقيضه إذن صادق وهو قولنا بعض جَ ليس اَ- وذلك ما أردنا بيانه.
[ ١٠ ]
وأما إذا كانت المقدمة الكبرى في هذا الشكل هي الجزئية والصغرى هي الكلية وكانت احداهما مخالفة في الكيفية للثانية، فإنه لا يكون أيضا عن ذلك قياس. فلتكن أولا الكبرى جزئية سالبة والصغرى موجبة كلية. مثال ذلك أن يكون كل جَ هو بَ وبعض اَ ليس هو بَ، وبيان ذلك أنها توجد تنتج في المواد المختلفة المتضادين معا. فالحدود التي تنتج الموجب الغراب والحي والجوهر، والغراب هو الأصغر والحي هو الأوسط، فإن كل غراب حي وبعض الجوهر ليس بحي، فينتج كل غراب جوهر وهو موجب صادق. وأما الحدود التي تنتج السالب فهي الغراب والحي والأبيض، وذلك أن كل غراب حي وبعض الأبيض ليس بحي، فينتج ولا غراب واحد أبيض، وذلك صادق. وكذلك أيضا لا يكون قياس إذا كانت الكبرى موجبة جزئية والصغرى سالبة كلية. ومثال ذلك من الحروف ولا شيء من جَ هو بَ وبعض اَ هو بَ. والحدود التي تنتج الموجب في هذا التأليف هي الحجر والحي والجوهر، والحجر هو الأصغر والحي هو الأوسط، وذلك أنه ولا حجر واحد حي وبعض الجوهر حي، تكون النتيجة كل حجر جوهر. والحدود التي تنتج السالب هي العلم والحي والجوهر، والعلم هو الأصغر بحسب ترتيبنا والحي هو الأوسط، وذلك أن العلم ليس بحياة وبعض الجواهر حية، والنتيجة العلم ليس بجوهر.
فقد تبين إذا كانت المقدمة الكلية في هذا الشكل مخالفة للجزئية في كيفيتها، متى يكون قياس ومتى لا.
وأما إذا كانت الكلية والجزئية متوافقتين في الكيفية- أعني إما سالبتين معا أو موجبتين معا- فلا يكون منهما قياس البتة. فلتكن أولا سالبتين ولتكن الكلية هي المقدمة الكبرى والجزئية الصغرى. ومثال ذلك أن تكون بَ ليست في كل جَ ولا شيء من اَ هو بَ. وبرهان ذلك أن قولنا بَ ليست في كل جَ هو غير محدود، فقد تصدق معه السالبة الكلية، وقد تصدق معه الموجبة الجزئية. فإذا صدقت معه السالبة الكلية، لم يكن منتجا على ما تبين ووجدت حدود تنتج الموجبة. وإذا صدقت معها الموجبة الجزئية لم توجد حدود تنتج موجبة كلية، وذلك أنه لو وجدت حدود تنتج أن كل جَ هو اَ وقد كان معنا ولا شيء من اَ هو بَ، لقد كان يجب أن يكون ولا شيء من جَ هو بَ، فتكون الجزئية السالبة سالبة بالوضع لا بالطبع. وقد كنا فرضناها سالبة بالطبع، وهي التي تصدق معها بعض جَ هو بَ، هذا خلف لا يمكن. لكن بين أن هذا التأليف غير منتج من قبل أن تلك السالبة الجزئية غير محدودة- أعني أنها مرة تكون جزئية بالطبع ومرة بالوضع- فتكون مرة تنتج ومرة لا تنتج. وما كان مرة ينتج ومرة لا ينتج لم يعد قياسا، إذ القياس هو الذي ينتج نتيجة واحدة دائما وباضطرار. وقد يمكن أن يستعمل في هذا البيان المتقدم الذي استعمل في نظير هذا من الشكل الأول بأن يؤخذ من ذلك البعض شيء يصدق عليه محمول المطلوب وشيء يكذب عليه. مثال ذلك أن نقول بعض الأبيض ليس بحي ولا حجر واحد حي، ثم نأخذ من بعض الأبيض ما يكذب عليه الحجر- وهو الثياب البيض- وما يصدق عليه الحجر- وهو الرخام- ولكن هذا البيان قوته قوة النقل الى السالبة الصغرى الكلية. وذلك ما يظن أن أرسطو أضرب هاهنا عنه.
ولتكونا أيضا موجبتين وتكون الكلية الكبرى والجزئية الصغرى مثل أن يكون بعض جَ بَ وكل اَ بَ- فإنه أيضا لا يكون عن ذلك قياس. وذلك أنه إن صدقت مع الموجبة الجزئية الموجبة الكلية، كان ذلك غير منتج على ما تبين، ووجدت حدود تنتج الموجب فيها والسالب. وإن صدقت معها السالبة الجزئية، لم توجد هنالك حدود تنتج الموجب الكلي للسبب الذي قلناه في الذي يكون من سالبتين، لكن بين أنه غير منتج بذلك الوجه بعينه الذي تبين به ذلك.
وأما إن كانتا جميعا سالبتين وكانت المقدمة الكلية هي الصغرى والكبرى هي الجزئية- مثل أن يكون ولا شيء من جَ بَ وبعض اَ ليس بَ- فإنه لا يكون عن ذلك قياس. والحدود التي تنتج الموجب الكلي فيه هي الغراب والأبيض والحي، والغراب هو الأصغر والأبيض هو الأوسط والحد الأكبر هو الحي. والتي تنتج السالب الغراب والأبيض والحجر، والغراب هو الأصغر والأبيض الأوسط والحجر الأكبر.
[ ١١ ]
وكذلك لا يكون قياس وإن كانتا موجبتين معا وتكون المقدمة الكلية هي الصغرى والجزئية هي الكبرى، لأنه ينتج المتضادتين. فمثال الحدود التي تنتج الموجب الققنس والأبيض والحي، والققنس هو الأصغر والأبيض الأوسط. وذلك أن كل ققنس أبيض وبعض الحي أبيض، والنتيجة كل ققنس حي. والتي تنتج السالب الكلي الثلج والأبيض والحي. وذلك أن كل ثلج أبيض وبعض الحي أبيض، والنتيجة ولا ثلج واحد حي.
فقد تبين أنه إذا كانت المقدمتان متشابهتين في الكيفية ومختلفتين في الكمية أنه لا يكون في هذا الشكل قياس.
وأما إذا كانت كلتاهما جزئية أو مهملة أو إحداهما جزئية والثانية مهملة، فإنه لا يكون أيضا منهما قياس كانتا موجبتين معا أو سالبتين معا أو إحداهما موجبة والثانية سالبة، لأن جميعها تنتج في المواد المختلفة الموجبة تارة والسالبة تارة. والحدود العامة التي تنتج الموجب في جميعها هي الإنسان والأبيض والحي، والإنسان هو الأصغر والأبيض الأوسط والحي الأكبر. ولن يخفى عليك تأليفها. وكلها ينتج أن الإنسان حي. والحدود العامة لجميعها التي تنتج السالب غير النامي والأبيض والحي، والأصغر هو غير النامي والأوسط الأبيض. وكلها ينتج أن غير النامي ليس بحي.
فقد تبين من هذا القول أنه إذا وجد في هذا الشكل قياس منتج فمن الاضطرار أن تكون المقدمات على ما وضعنا- أعني أن تكون الكبرى كلية والثانية مخالفة لها في الكيفية- وأنه إذا وجدت المقدمات بهذه الصفة فمن الاضطرار أن يكون في هذا الشكل قياس. وتبين مع هذا أن كل قياس يكون في هذا الشكل فهو غير كامل، إذ كان إنما يبين فيه أنه قياس إذا زيد فيه أشياء أخر إما من الأمور اللاحقة باضطرار لمقدماته- مثل انعكاسها ورجوعها إلى الشكل الأول- وإما باستعمال بيان الخلف في ذلك. وهو بين أنه لا يكون في هذا الشكل نتيجة موجبة وإنما تكون سالبة كلية أو جزئية.