قال: وأما في الشكل الثاني فقد يمكن أن تكون نتيجة صادقة عن مقدمات كاذبة، كانت كل واحدة من المقدمتين كاذبة وذلك إما بالكل وإما بالجزء وإما إحداهما بالكل والأخرى بالجزء، أو كانت إحداهما كاذبة والأخرى صادقة كانت الكاذبة بالكل أو كانت بالجزء، وذلك يكون فيه في القياسات التي تنتج الكلي والجزئي.
وذلك أنه قد تكون بَ مثلا- التي هي الحد الأوسط- غير موجود في شيء من اَ- الذي هو الطرف الأعظم- وموجودة في كل جَ- الذي هو الطرف الأصغر- فتكون اَ غير موجودة في شيء من جَ على ما تبين. مثال ذلك قولنا كل إنسان حي ولا حجر واحد حي، فولا إنسان واحد حجر. فإن وضعت هذه المقدمات على ضد ما هي بأن تؤخذ بَ موجودة في كل اَ- أعني بأن يؤخذ أن كل حجر حي- وغير موجودة في شيء من جَ- أعني بأن يؤخذ أنه ولا إنسان واحد حي- فإنه ينتج عن هاتين المقدمتين الكاذبتين النتيجة بعينها التي كانت عنها إذا وضعت صادقتين- وهي أنه ولا إنسان واحد حجر. وكذلك يعرض إذا كان الصادق أن بَ موجودة في كل اَ وغير موجودة في شيء من جَ- أعني أنه إذا قلبت هذه أيضا إلى ضدها أنتجت ما كان ينتج قبل القلب إلى الكذب، وهو أن اَ ليس في شيء من جَ.
[ ٦٦ ]
وكذلك يعرض إذا كانت المقدمة الواحدة كذبا كلها والأخرى صدقا أن تنتج أيضا نتيجة صادقة، لأنه يمكن أن تكون بَ مثلا- التي هي الحد الأوسط- موجودة في كل واحد من اَ وجَ- اللذين هما طرفا المطلوب- وتكون اَ غير موجودة في شيء من جَ. وذلك يعرض للجنس مع الأنواع القسيمة التي تحته- مثل الحي فإنه موجود في كل إنسان وفي كل فرس، والفرس غير موجود في واحد من الناس. فمتى أخذ أن الحي موجود في الواحد وغير موجود في الآخر، فإن المقدمة الواحدة تكون كلها كذبا والأخرى كلها صدقا وتكون النتيجة كلها صدقا في أي ناحية صيرت السالبة- أعني كبرى أو صغرى. مثال ذلك قولنا ولا فرس واحد حي وكل إنسان حي، فإنه ينتج أنه ولا فرس واحد إنسان، وتلك نتيجة صادقة عن مقدمتين إحداهما كاذبة والأخرى صادقة.
وكذلك يعرض إذا كان بعض المقدمة الواحدة كذبا وكانت الأخرى كلها صدقا، لأنه أيضا قد يمكن أن تكون بَ موجودة في بعض اَ وفي كل جَ- كالحي فأنه موجود في بعض الأبيض وفي كل غراب، والأبيض غير موجود في واحد من الغربان، فإذا أخذ أنه ولا أبيض واحد حي وكل غراب حي، فإنه ينتج ولا أبيض واحد غراب، وهذه نتيجة صدق عن مقدمتين إحداهما كاذبة بالجزء- وهي قولنا ولا أبيض واحد حي- والثانية صادقة بالكل- وهي قولنا كل غراب حي. وكذلك يعرض إن كانت الكاذبة بالجزء هي الموجبة وكانت السالبة صادقة بالكل- مثل قولنا كل أبيض حي ولا زفت واحد حي، فإنه ينتج ولا أبيض واحد زفت، وهي نتيجة صادقة عن مقدمتين إحداهما موجبة كاذبة بالجزء وهي قولنا كل أبيض حي- والثانية سالبة صادقة بالكل- وهي قولنا ولا زفت واحد حي.
وكذلك يعرض أن تكون النتيجة صادقة إذا كانت كلتا المقدمتين كاذبتين بالجزء. مثال ذلك قولنا كل أبيض حي ولا أسود واحد حي، فإنه ينتج عن هذا ولا أبيض واحد أسود، وتلك نتيجة صادقة عن مقدمتين كاذبتين بالجزء، وذلك أن بعض الأبيض حي وبعض الأسود حي، وسواء فرضت السالبة هي الكبرى أو الصغرى بأن نقول ولا أبيض واحد حي وكل أسود حي- أعني في أنه تكون النتيجة صادقة عن مقدمتين كاذبتين بالجزء.
فهذه حال المقاييس الكلية مع المقدمات الكاذبة في هذا الشكل.
وأما المقاييس الجزئية فإنه قد يعرض أيضا فيها مثل ما عرض في الكلية. وذلك أنه قد تكون الكبرى كاذبة بالكل والجزئية صادقة، فتكون النتيجة صادقة. مثال ذلك قولنا بعض الأبيض حي ولا إنسان واحد حي، فينتج عن ذلك أن بعض الأبيض ليس بإنسان، وهي صدق عن مقدمتين الجزئية صادقة والكلية كاذبة بالكل. وكذلك يعرض إن صيرت الكلية الكاذبة هي الموجبة. مثال ذلك قولنا بعض الأبيض ليس بحي وكل غير متنفس حي، فينتج عن ذلك أن بعض الأبيض غير متنفس، وهو صدق عن جزئية سالبة صادقة وموجبة كلية كاذبة.
وكذلك يعرض إن وضعت المقدمة الصادقة هي الكلية والكاذبة الجزئية. مثال ذلك قولنا بعض غير المتنفس حي ولا عدد واحد حي، فإنه ينتج عن ذلك إن بعض غير المتنفس ليس بعدد، وهو صدق عن جزئية كاذبة وكلية سالبة صادقة. وكذلك يعرض إذا أخذت الكلية الصادقة موجبة والجزئية الكاذبة سالبة، وذلك شيء يعرض للجنس مع الأنواع الموجودة فيه وفصول تلك الأنواع. وذلك أنه لا يصدق أن نقول بعض المشاء ليس بحي وكل إنسان حي فينتج عن ذلك أن بعض المشاء ليس بإنسان، وذلك صدق عن مقدمة صادقة كلية وكاذبة جزئية.
وكذلك إذا كانت المقدمتان كلتاهما كاذبة الجزئية والكلية، فإنه قد يكون عن ذلك نتيجة صادقة سواء كانت السالبة هي الجزئية أو الكلية. مثال ذلك قولنا كل علم هو قوة حيوانية وبعض الإنسان ليس له قوة حيوانية، فإنه ينتج عن ذلك أن بعض الإنسان ليس له علم، وذلك صدق عن مقدمتين كاذبتين. وكذلك يعرض إن كانت السالبة هي الكلية والجزئية الموجبة- مثل أن نقول ولا إنسان واحد له قوة حيوانية وبعض العلم هو قوة حيوانية فإنه ينتج عن ذلك أن بعض الناس ليس بعالم أو ليس له علم.
القول في الشكل الثالث وقد يتفق أيضا في هذا الشكل أن تكون النتيجة صادقة وكلتا المقدمتين كاذبتان إما بالكل وإما بالجزء وإما إحداهما بالكل والثانية بالجزء، وكذلك إذا كانت إحداهما صادقة والأخرى كاذبة بالكل كانت أو بالجزء.
[ ٦٧ ]
وذلك أنه ليس يمنع مانع من أم يكون شيئان غير موجودين في شيء آخر وأحدهما موجود في الثاني. فمتى أخذ أن كل واحد منهما موجود في ذلك الشيء الآخر، حدث هنالك نتيجة صادقة عن مقدمتين كاذبتين بالكل. مثال ذلك قولنا كل غير متنفس مشاء وكل غير متنفس إنسان، فإنه ينتج في هذا الشكل أن بعض المشاء إنسان، وذلك صدق عن مقدمتين كاذبتين بالكل. ومثال ذلك يعرض إذا كانت الواحدة سالبة والأخرى موجبة، لأنه قد يمكن أن تكون جَ- التي هي مثال الأضغر- غير موجودة في شيء من بَ- الذي هو الأوسط- وتكون اَ- التي هي الحد الأكبر- موجودة في كل بَ وغير موجودة في بعض جَ. فإذا أخذنا أن جَ موجودة في كل بَ واَ غير موجودة في شيء من بَ، أنتج لنا أن اَ غير موجودة في بعض جَ. مثال ذلك قولنا كل ققنس أسود ولا ققنس واحد حي، فإنه ينتج أن بعض الأسود ليس بحي، وهو صدق عن مقدمتين كاذبتين بالكل.
وكذلك إذا كانت كل واحدة من المقدمتين كاذبتين بالجزء فقد يمكن أن تكون النتيجة منهما صادقة، لأنه يمكن أن تكون اَ وجَ موجودتين في بعض بَ وتكون اَ موجودة في بعض جَ- كالأبيض والجيد، فإنهما موجودان في بعض الحي، والجيد موجود في بعض الأبيض. فإذا وضعنا كلتا اَ وجَ موجودتين في كل بَ، فإنه يعرض أن تكون اَ في بعض جَ، وذلك صدق عن مقدمتين كاذبتين بالجزء. مثال ذلك قولنا كل حي أبيض وكل حي جيد، فإنه ينتج أن بعض الأبيض جيد، وهو صدق. وكذلك يعرض إذا كانت الكبرى سالبة وهي مقدمة اَ بَ، لأنه لا شيء أيضا يمنع أن تكون اَ غير موجودة في بعض بَ وتكون جَ موجودة في بعض بَ وتكون اَ غير موجودة في بعض جَ- التي هي النتيجة. مثال ذلك قولنا ولا حي واحد جيد وكل حي أبيض، فإنه ينتج عن ذلك أن بعض الأبيض ليس بجيد، وذلك صدق عن مقدمتين كاذبتين بالجزء.
وكذلك قد تكون النتيجة صادقة إذا كانت إحدى المقدمتين كاذبة بالكل والأخرى صادقة، لأنه قد يمكن أن تكون كلتا اَ وجَ موجودتين في بَ وتكون اَ غير موجودة في بعض جَ. فإذا أخذنا اَ غير موجودة في شيء من ب وجَ موجودة في كل بَ، أنتج لنا أن اَ غير موجودة في بعض جَ، وذلك صدق عن مقدمتين إحداهما كاذبة. مثال ذلك قولنا كل ققنس حي ولا ققنس واحد أبيض، فإنه ينتج عن ذلك أن بعض الحي ليس بأبيض، وذلك صدق عن مقدمتين إحداهما كاذبة. وكذلك يعرض إذا كانت مقدمة بَ وجَ- التي هي الصغرى- كاذبة ومقدمة اَ بَ- التي هي الكبرى- صادقة. والحدود التي يتبين ذلك منها هي الأسود وققنس وغير المتنفس. وذلك أنه إذا وضعنا أن كل ققنس أسود ولا ققنس واحد غير متنفس، أنتج لنا أن بعض الأسود غير متنفس، وذلك صدق عن مقدمتين صغراهما كاذبة بالكل. وكذلك يعرض إذا أخذت كلتا المقدمتين موجبتين- أعني الصادقة والكاذبة. والحدود التي يتبين منها ذلك هي الحي والققنس والأسود. وذلك أنا نقول كل ققنس أسود وكل ققنس حي، فينتج لنا عن ذلك أن بعض الأسود حي، وهو صدق عن مقدمتين موجبتين إحداهما كاذبة، وسواء كانت الصادقة هي الكبرى أو الصغرى. والبرهان على ذلك هو بهذه الحدود بأعيانها.
[ ٦٨ ]
وكذلك قد تكون النتيجة صادقة إذا كانت إحدى المقدمتين صادقة والأخرى كاذبة بالجزء، لأنه قد يمكن أن تكون جَ موجودة في كل بَ وتكون اَ موجودة في بعض بَ وتكون اَ موجودة في بعض جَ- التي هي النتيجة. مثال ذلك ذو الرجلين فإنه موجود في كل إنسان والجيد غير موجود في كل إنسان، والجيد موجود في بعض ذي الرجلين. فإن أخذت اَ وجَ موجودتين في كل بَ فإن مقدمة بَ جَ تكون صادقة كلها، وبعض مقدمة اَ بَ كاذبة والنتيجة صادقة. مثال ذلك قولنا كل إنسان ذو رجلين وكل إنسان جيد، والنتيجة أن بعض ذي الرجلين جيد. وكذلك يعرض إن أخذت مقدمة اَ بَ- أعني الكبرى- صادقة ومقدمة بَ جَ- أعني الصغرى- كاذبة بالجزء. وبيان ذلك هو بهذه الحدود بأعيانها إذا صيرنا الطرف الأصغر أكبر أو فرضنا مطلوبنا المنتج عكس الأول- وهو أن بعض الجيد ذو رجلين. وكذلك يعرض إن أخذت المقدمة الواحدة سالبة والأخرى موجبة، فإنه قد تبين في الشكل الثالث أنه إذا كانت جَ في كل بَ واَ غير موجودة في بعض بَ فاَ غير موجودة في بعض جَ. فإن أخذت جَ في كل بَ واَ غير موجودة في شيء من بَ، فإنه يعرض أن تكون المقدمة السالبة كذبا وتكون الأخرى كلها صدقا وتبقى النتيجة صادقة بعينها. وكذلك يعرض إن كان الكذب الجزئي في الموجبة، وذلك أنه قد تبين في الشكل الثالث أنه إذا كانت اَ غير موجودة في شيء من بَ وجَ موجودة في بعض بَ أن اَ غير موجودة في بعض جَ. فإذا عرض أن نأخذ أن اَ غير موجودة في شيء من بَ وجَ موجودة في كل بَ، بقيت النتيجة بعينها صادقة- وهي أن اَ غير موجودة في بعض جَ- فتكون النتيجة صادقة عن مقدمتين إحداهما صادقة بالكل- وهي السالبة- والأخرى كاذبة بالجزء- وهي الموجبة.
وهذا الذي قلنا أنه يعرض في القياسات الكلية من هذا الشكل هو بعينه يعرض في القياسات الجزئية. وبيان ذلك يكون بتلك الحدود التي بينا الأمر بها في المقاييس الكلية، وذلك بأن نستعمل في السالبة من هذه ما استعملنا في السالبة من تلك وفي الموجبة من هذه ما استعملناه في الموجبة، لأن المقدمة الكلية الكاذبة بالكل هي كاذبة بالجزء سواء كانت موجبة أو سالبة، فإذا استعملنا تلك المقدمات الكلية الكاذبة التي تمثلنا بها هنالك كلية جزئية في هذا الموضوع تبين بها هاهنا ما تبين بها هنالك.
[ ٦٩ ]
وإذ قد تبين هذا فهو بين أنه إذا كانت النتيجة كاذبة فباضطرار أن يكون في المقدمات مقدمة كاذبة، وإلا كان ليس يحصل على المقدمات الصادقة نتيجة صادقة، وذلك خلاف ما أخذ في حد القياس وما تبرهن من حاله. وأما إذا كانت النتيجة صادقة فليس يجب لا محالة أن تكون المقدمات صادقة. والسبب في ذلك أن الصادق أعم من الصادق الذي يبين على طريق القياس. والصادق الذي يبين على طريق القياس يبين أيضا عن أكثر من قياس واحد، ولذلك يلزم متى ارتفع القياس أن ترتفع النتيجة- أعني إذا كذبت المقدمات أن تكذب النتيجة- ويلزم إذا ارتفعت النتيجة- أي كذبت- أن يرتفع القياس- أي تكذب المقدمات أو يكون شكل القياس فاسدا. وهذه هي حال اللازم مع الشيء الذي يلزمه إذا لم يكن لزومهما متكافئا- مثل وجود الحيوان والإنسان، فإن الإنسان لما كان أخص من الحيوان لزم متى وجد الإنسان أن يوجد الحيوان ومتى ارتفع الإنسان أن لا يرتفع الحيوان ومتى ارتفع الحيوان أن يرتفع الإنسان، والإنسان هاهنا هو مكان القياس والحيوان وهو مكان النتيجة. وكذلك يظهر أيضا أنه ليس يجب ولا بد إذا كذبت المقدمات أن تكذب النتيجة ولا أن تصدق. والبرهان على هذا هو ما أقوله: لنفرض شيئين أحدهما أول والآخر ثاني ونفرض أن الثاني يلزم عن الأول- أعني أنه متى وجد الأول وجد الثاني- وليكن على الأول علامة اَ وعلى الثاني علامة بَ- مثل أن يكون اَ أبيض وبَ عظيما- فنقول إنه متى كان من شأن اَ إذا وجد أن توجد بَ، فإنه ليس يلزم متى ارتفع اَ أن توجد بَ، وذلك أنه قد تبين أنه متى ارتفعت بَ فواجب أن ترتفع اَ. وذلك أنه إن لم ترتفع اَ فلتكن موجودة، وإذا كانت اَ موجودة فإنا قد فرضنا أن بَ تكون موجودة، فتكون بَ إذا ارتفعت لزم أن توجد بَ، وذلك خلف لا يمكن. وإذا تقرر هذا الأصل فنقول: إنه متى كانت ثلاثة حدود-أول وثان وثالث- وكان الثاني يلزم الأول والثالث يلزم الثاني، فإن الثالث يلزم الأول. وإذا تقرر هذا فنقول إنه ليس يلزم أن ترتفع اَ وتوجد بَ، وذلك أنه قد تبين أن بَ لما كانت لازمة عن اَ أن بَ متى ارتفعت ارتفع اَ. فإن أنزلنا أن اَ إذا ارتفعت وجدت بَ وقد كان معنا أن بَ إذا ارتفعت ارتفع اَ، فيلزم إذا ارتفعت الباء أن توجد الباء، وذلك خلف لا يمكن. فلذلك ليس يلزم إذا كذبت المقدمات أن تصدق النتيجة، بل الصدق لها إنما هو بضرب من العرض، وذلك ما أردنا بيانه. وكذلك يظهر أيضا أنه ليس يلزم عن ارتفاع اَ أن ترتفع بَ، لأنه يلزم أن يكون وجود اَ لازما عن وجود بَ وقد كانت بَ لازمة عن وجود اَ فيكون اللزوم متكافئا ومنعكسا، وذلك مستحيل فلذلك يلزم إذا كذبت المقدمات أن تكذب النتيجة. فأما إذا كذبت النتيجة فإنه تكذب المقدمات، لأنه إذا ارتفعت بَ ارتفعت اَ.