وكل مقدمة فإما أن تكون مطلقة- أي موجودة بالفعل- وإما اضطرارية وإما ممكنة. ولذلك تنقسم أجناس المقاييس بانقسام جهات المقدمات وكل واحدة من هذه إما موجبة وإما سالبة، وإما كلية وإما جزئية وإما مهملة. ولذلك تتنوع المقاييس الموجودة من قبل هذه الجهات- أعني أن منها ما يكون من مقدمات ضرورية ووجودية وممكنة- كما نتنوع من جهة اختلاف المقدمات في الكمية- أعني بالكمية اختلافها من قبل الأسوار وبالكيفية اختلافها من قبل الإيجاب والسلب. والجهة الضرورية والممكنة قد عرفتها من الكتاب المتقدم.
[ ٢ ]
وأما الوجودية فيشبه أن يكون أريد بها هاهنا الموجودة بالفعل بإطلاق- أي التي المحمول فيها موجود لكل موضوعاته لا في زمان مشار إليه بل بإطلاق. فإنه قدصرح أرسطو في كتاب البرهان أن المقدمات التي تحمل على الكل غير الضرورية. وقد يدخل في هذا الجنس التي ليست بضرورية- أعني التي يوجد المحمول فيها لكل أشخاص الموضوع وذلك في أكثر الزمان. وهذا هو الفرق بين الضرورية وبين الموجودة بالفعل- أعني أن الضرورية يوجد المحمول فيها لكل أشخاص الموضوع في كل الزمان، وأما تلك ففي أكثر الزمان. ويشبه أن يدخل في هذا الصنف من المقدمات التي يجهل من أمرها أنها ضرورية أو غير ضرورية، لا الموجودة بالفعل مادام الموضوع موجودا أو مادام المحمول موجودا- وهو الذي يذهب إليه الإسكندر- لأن هذه شخصية وإن وجد منها كلية ففي الأقل من الزمان وبالعرض. وقد حذر أرسطو من استعمال أمثال هذه المقدمات الوجودية فيما يأتي بعد وإن كان قد يستعملها أرسطو لأمور دعته إلى ذلك. ولا هي أيضا شيء يشمل الضروري والممكن على ما يذهب إليه ثاوفرسطس وغيره- إلا أن يريد المعلومة الوجود المجهولة كونها ضرورية أو غير ممكنة- فإن المقصود هاهنا هو قسمة المقدمة إلى أقسام الوجود أو إلى أقسام المعارف الأول الموجودة لنا بالطبع في المقدمات، وسيبين هذا من قولنا بعد.
وهذه المقدمات الثلاث- أعني المطلقة والضرورية والممكنة- منها ما ينعكس ومنها ما لا ينعكس. وأعني بالانعكاس أن يتبدل ترتيب أجزاء القضية فيصير محمولها موضوعا وموضوعها محمول ويبقى صدقها وكيفيتها من الإيجاب أو السلب أيضا محفوظا. فأما إذا يتبدل الترتيب ولم يبق الصدق محفوظا فهو الذي يسمى في هذه الصناعة قلب القضية.