قال: وأَما الأَيمان فإِنها تستعمل لمكان أَربعة أَشياء، وذلك أَن الحالف إِما أَن يحلف ليعطى شيئا ويأْخذ شيئا، مثل ما يكون في البيوع. وأَما أَلا يعطى شيئا ولا يأْخذ شيئا. وإِما أَن يعطى ولا يأْخذ. وإِما أَن يأْخذ ولا يعطى. وحلف الإِنسان ليعطى إِنما يكون لأَشياء أُخر ضارة به، أَعني إِن أَمسك ولم يعط. واليمين إِما أَن تكون من المدعى أَو المدعى عليه. وليس في اليمين شيءٌ من التصديق، إِذا علم أَن الحالف رجل فاجر. وإِذا لزمت اليمين أَحد الخصمين فنكل، فقد لزمته الحجة. لأَن المطالبة باليمين تَحد على الصدق. وإِذا عجز المتحدّى، فقد لزمته الحجة.
قال: ولما كان المطالب باليمين مترددًا بين مكروهين أَحدهما مما يناله من قبل اليمين - إِذا حلف كاذبا - وهو الاستهانة بالله وحرماته؛ والثاني المكروه الذي يناله من الأَخذ منه أَو الإِعطاء، فهو أَبدًا إِنما يفعل أَقل المكروهين ضررا عنده. فلذلك قد يصدق بعض الناس إِذا حلف، ويكذب بعضهم. وهذا أَحد ما يزيف به الاحتجاج بالأَيمان.
قال: وقد يُصدق الرجل الفاضل ويُرى أَنه لمحق، وإِن لم يحلف. لكن تصديقه ليس هو لمكان أَنه لم يحلف، ولكن لمكان فضيلته، ومن أَجل أَنه ليس ممن يحنث ولا يفجر بغير يمين، فضلا مع اليمين.
قال: وأَما التحدي باليمين فإِنه كثيرًا ما يكون من الرجل الفاسق نحو الثقة الأَمين، لأَن تحرج الثقة عن اليمين مما يوقع التصديق بقول الفاسق.
قال: وهذا هو مثل أَن يغلب المتهور المتوقي أَو يدعوه إِلى أَن يغلبه ويتحداه بذلك. فإِن المتوقي يتجنبه.
قال: ولكن ليس للثقة الأَمين، وإِن كان الأَمر هكذا، أَن يأْخذ بغير يمين، إِذا كان خصمه ليس يراه ثقة، بل ليس يأْخذ إِلا أَن يحلف.
قال: وبذلك كان يحكم فلان لرجل مشهور في الحكام عندهم. وكذلك هي السنة عندنا قال: والثقة الأَمين، إِذا اشتد عليه إِتيان اليمين عند الدعوى عليه، فإِن أَحب أَن يعطى ويكرم الله ولا يحلف، فقد يجب له أَلا ينكر الدعوى الكاذبة عندما يُعطِى ما طولب به. فإِنه إِن أَنكر وأَعطى، أَوهم أَن المدعى محق وأَنه إِنما أَعطى لمكان اليمين الفاجرة التي لزمته، ولذلك ليس ينبغي أَن يلجئ نفسه إِلى أَن يُطالب باليمين، لأَنه إِذا طولب باليمين فلم يحلف ظن به الكذب.
[ ٥٣ ]
قال: وهو معلوم عند الحكومة في المشاجرة الخاصة والعامة كيف يعتذر المرءُ إِذا خالف يمينه أَو يعتذر عنه، وكيف يؤنب مخالف اليمين ويعذل. وذلك أَن الأَشياءَ التي يخالف فيها اليمين هي تلك الأَشياءُ الأَربعة التي يحلف عليها، وهي التي يهواها إِنسان إِنسان من الناس، وذلك إِما أَن يأَخذ ويعطى، وإِما أَلا يأخذ ولا يعطى، وإِما أَن يعطى ولا يأْخذ، وإِما أَن يأْخذ ولا يعطى. فإِذا حلف المرءُ على واحد من هذه الأَربعة، فلا يخلو أَن يكون القول الذي يستعمله في تثبيت ذلك الشيء إِما موافقا لما حلف عليه وإِما مخالفا، وذلك يكون إِذا جحد اليمين.
فإِن كان مخالفا، فإِنَّ أَحَدَ ما يؤنب به المخالف لليمين أَن يقال: إِن اليمين هي شريعة من الشرائع، فمتى خالفها المرءُ طوعا وجحدها، فقد ظلم؛ لأَن الظلم هو مخالفة للشريعة طوعا.
وأَما المعتذر عن مخالفة اليمين فقد يعتذر أَن يمينه كانت بإِكراه أَو بغلط أَو بغفلة، وأَنه إِذ حلف لم ينو ذلك الشيءَ الذي خالفه، وإِنما نوى غيره، وأَن الذي حمله على اليمين هو اللجاج ومخالفة الخصم وضيق الصدر والحرج، وبالجملة التهيؤ الموجود فيه لسبوق اليمين وبدورها والمسارعة إِليها وإِلى الإِنكار والجحود.
ومما يستعمل في التثبيت على السنن والأَيمان والتمسك بها أَن يقال: إِنه قد يجب عليكم أَن تثبتوا على أَيمانكم ولا تخالفوها، فإِن اليمين هو حكم شرعي أَلزمه المرءُ نفسه طوعا وعن علم، فقد يجب عليه أَلا يخالفه. وأَما أُولئك الذين يحلفون لمكان الخديعة أَو الغفلة أَو التهيؤ للجحود والمسارعة إِلى اليمين فلا يثبتون على أَيمانهم إِلى غير ذلك من أَشياء تشبه هذا القول مما تعظم به اليمين وتفخم.
فهذا هو القول في التصديقات التي تكون بلا قياس، وجهات استعمالها في هذه الصناعة.
وهنا انقضت المعاني التي تضمنتها هذه المقالة التي هي الأُولى.
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على محمد وآله