[ ٦٧ ]
قال: فأَما الأَشياء هي التي منها يستحى أَوْ لا يستحى، وعند من يكون الحياءِ من الناس وأَي حالة فيها هي الحالة التي إِذا كانت في الإِنسان عرض له هذا الانفعال، فذلك يعلم مما نقوله. فليكن الخزي أَو الاستحياءِ حزنا أَو اختلاطا يعرض عن وقوع الشرور التي تصير المرءَ غير محمود، إِما في الحال الحاضرة وإِما فيما سلف وإِما فيما يستقبل.
وأَما الوقاحة فاستهانة وقلة أَلم واكتراث بحدوث هذه بأَعينها، أَعني التي يكون منها الحياءُ.
وإِذا كان هذا هو حد الاستحياء، فبين أَنه إِنما يستحي المرءُ من هذا النحو، أَعني مما كان من الشرور يظن قبيحا مستبشعا إِذا ظهر عليه أَو على من يعنى به. وكلما كان من هذا النحو فهو إِما من فعل الشرارة، وإِما من فعل الرداءة. وأَعني بفعل الشرارة ما يلحق الغير منه مضرة، مثل جحد الوديعة وركوب الظلم؛ وأَعني بفعل الرداءة النقائص التي لا يلحق الغير منها في الأَكثر مضرة مثل إِلقاء السلاح والفرار جبنا وخوفا.
قال: ومن الشرور القبيحة التي يستحي منها معاشرة الذين لا ينبغي أَن يعاشروا، وحيث لا ينبغي أَن يعاشروا. والذين لا ينبغي أَن يعاشروا هم ذوو الشرارات وذوو الأَخلاق الدنيئة. ومن الشنيع أَيضا الذي يستحي منه الأَكتساب من الأُمور الحقيرة أَو المستقبحة أَو من الضعفاءِ كالذي يرزأ من المساكين أَو من الأَموات.
قال: ومن هذا يقال في المثل: ولو من الميت أَكفانه. وهذا كله من قبح المكسب واللؤم.
ومن الخلق التي يُستحي منها أَن يكون الإِنسان موسرا ولا ينتفع من ماله بشيء. وإِن انتفع فنفع يسير. ومن ذلك يَسئَل المقلين ويحتاج منهم وأَن يتسلف أَيضا حيث لا يصلح به وأَن يكون إِذا وعد إِنسانا بشيء فتقاضاه ذلك الشيءَ سأَله هو أَيضا حاجة ليدفعه بذلك عن تقاضي ما وعده. وعكس هذا، أَعني إِذا سُئل شيئا ما تقاضى هو السائل ما كان قد وعده به ليدفع عن نفسه السؤال. ومما يستحي منه أَن يمدح الإِنسان المرءَ عندما يرى ذلك الإِنسان مقتدرا على قضاءِ الحوائج ولا يمدحه في غير ذلك الوقت، بل إِذا خاب رجاؤه ربما قلب في ذمه.
قال: ومما يُستحي منه التملق وهو قريب من أَن يكون مدحا، وذلك مثل أَن يمدح المرء بأَكثر مما فيه، أَو يخرج المساوئ والنقائص في صور الفضائل، أَو يجد إِنسان وجعاُ أَو مصيبة فيظهر أَنه أَشد تأَلما منه وأَشد حزنا، وما أَشبه ذلك مما هو من هذا النحو، أَعني من علامات التملق. ومما يُستحى منه قلة الصبر عند الوجع أَو الشدة، مثل ما يعرض للشيوخ الذين يتخيلون أَن بهم من ضعف الشيخوخة أَكثر مما بهم، ومثل ما يعرض للمترفين وذوي السلطان الذين يجزعون لمكان سلطانهم من أَدنى شيء يصيبهم، إِذ كانوا يرون أَنه لا ينالهم مكروه. وكذلك مَن سوى هؤلاءِ ممن هو أَضعف منهم، أَعني ممن يخيل إِليه في الضعف اليسير الذي به أَن به ضعفا عظيما. فإِن هذه الأَحوال كلها مذمومة وهي من علامات الخور والمهانة. ومما يستحي منه أَن يكون المرء يعير ويلوم من سواه بحسن الانفعال أَو الفعل، مثل أَن يلومه على فعل السخاءِ أَو عن المحاماة عن أَصدقائه أَو على الإِشفاق والرحمة. ومن ذلك أَن يمدح المرءُ نفسه أَو أَن يعد منها بأَشياء جميلة، أَو ينسب إِلى نفسه أَفعال غيره. فإِن هذه كلها من علامات المخرقة.
قال: ومن هذه الأَخلاق المذمومة التي ذكرناها يستدل على ما لم يذكر منها لأَن لكل واحد من الشرور ومساوئ الأَخلاق أَفعالا وعلامات تدل عليه.
[ ٦٨ ]
قال: ومن المستقبح من الإِنسان أَن تكون أَفعاله في صورة ما هو قبيح وإِن لم تكن قبيحة، مثل أَن يكون الإِنسان من أَهل بيت أَو من أَهل مدينة هم أَهل قبائح، فإِن الإِنسان قد يلحقه من قبل هؤلاءِ مخاز وإِن لم تكن له أَشياء يخزى منها في نفسه. ومما يعير به الإِنسان أَن يكون أَشباهه من الناس يفعلون أَفعالا جميلة ولا يشركهم هو فيها، أَعني في كلها أَو أَكثرها. وأَعني بالأَشباه المتساوين في الجنس والذين هم من مدينة واحدة، والأَتراب، أَعني ذوي الأَسنان المتقاربة، والذين تجمعهم حالة واحدة: إِما حلف، وإِما صداقة، وإِما غاية واحدة يقصدونها؛ وبالجملة جميع الذين يستوون في شيءٍ واحد، مثل أَن يكونوا أَهل صناعة واحدة أَو عمل واحد. وإِنما كان ذلك كذلك، لأَن مباينة المرء من يساويه ومخالفته له قبيح مستنكر حتى في العقوبات النازلة بهم والشرور التي تنالهم، وذلك أَن النكبة التي تنال مثلا أَهل المدينة، والغموم التي تنال الأَصدقاء، متى لم يشاركهم الإِنسان فيها، كان قبيحا به، وكذلك جميع الخيرات والشرور الباقية.
قال: وجميع أَفعال المخازي التي ذكرناها إِنما تظهر في هؤلاء الأَصناف من الناس الذين عددنا، وذلك في الأَكثر مثل الجشعين والخوارين وما أَشبههم. وهذه الأَفعال التي ذكرناها هي أَفعال تصدر عن الشرارة وقبح الأَخلاق، ولا سيما إِذا كان الإِنسان من تلقاءِ نفسه هو السبب فيما كان من هذه الأَفعال أَو يتوقع أَن يكون.
قال: وأَما المخازي التي تلحق الإِنسان مما يناله من غيره أَو يذعن له أَو تتصل به بأَي وجه اتصل، فكل ما كان مما يؤدي به إِلى أَن يهوى بها عند الناس وأَن يعير به، وذلك مثل جميع الهئات البدنة القبيحة، مثل أَن تحلق لحيته، أَو يتزيا الرجل بزي المرأَة، ومثل جميع الفواحش التي تفعل بالنساءِ والصبيان. ومن هذا الفضيحة والهوان، وأَعني بالفضيحة الاشتهار عند الناس بأَمر قبيح، وبالهوان مثل أَن يزدرى به فيظلم أَو يكون وحيدا لا ناصر له. ومن هذه الأَشياء القبيحة التي يركبها الإِنسان ويصبرعليها من غيره لمكان الطمع والجشع، مثل الذين لا يبالون بأَي وجه اكتسبوا المال من أَوجه خسة المكسب. وسواء كانت الأَشياءُ لاحقة للإِنسان باختيار منه أَو بغير اختيار، مثل فعل الفواحش بنساءِ الإِنسان أَو ولده، فإِنه يلحقه بذلك العار، سواء كان باختياره أَو بغير اختياره. ومما يُستحى منه الا يأَخذ الإِنسان بثأره.
قال: فهذه التي ذكرناها وما أَشبهها هي الأَحوال التي إِذا كانت في الناس استحيوا وخزوا منها، وهي الأَشياءُ التي تفعل الخزي والاستحياء.
لأَن الخزي والاستحياء إِنما يعرض للمرءِ إِذا تخيل الأَمر الذي يحمد عليه أَو الأَمر المحمود وأَنه قد عدمه. ومن أَجل أَن الخزي إِنما يكون من قبل تخيل عدم الحمد، وكان عدم الحمد إِنما يكترث منه إِذا كان من قبل الفضلاءِ من الناس، فبين أَنه ليس يُستحى من كل أَحد من الناس. وإِذا كان الأَمر كذلك، فإِنما يستحي المرءُ بالجملة من القوم الذين يأْلم بفقد مديحهم. وأَحد هؤلاءِ هم الصنف من الناس الذين يتعجبون منك ويرون لك فضلا كبيرا؛ وكذلك الصنف من الناس الذين تتعجب أَنت منهم تستحي منهم؛ والذين تحب أَن يكروموك تستحي أَيضا منهم.
قال: والذين لا يستخف بحمدهم فقد يحب أَن يكونوا متعجبا منهم. وإِنما يتعجب من كل من كان له خيرٌ ما من الخيرات الخطيرة النفيسة، مثل المُلك والحكمة، أَو يكون الذي يتعجب منه عنده خير من الخيرات التي يكون المتعجبون منه محتاجين إِليها جدا جدا، أَو يحتاج إِليها من هو رئيس على المتعجب؛ وبالجملة: من هو أَرفع قدرًا من المتعجب.
قال: والذين يحب الإِنسان أَن يكون مكرما عندهم هم أَشباهه من الناس، وذلك إِما أَترابه وإِما قومه وإِما أَهل مدينته أَو أَهل صناعته. والصنف أَيضا من الناس الذين يعتقد المرءُ فيهم أَن ظنونهم واعتقاداتهم فيه اعتقادات صادقة من قِبَل أَنه يرى أَنهم ذوو لب وعقل، مثل المشايخ وذوي الآداب فإِن الإِنسان يحب الكرامة من هؤلاءِ.
[ ٦٩ ]
قال: والأَشياءً القبيحة التي هي ظاهرة للأَبصار، وفعلها علانية هي مما يخزى المرء منها أَكثر من غيرها. ولذلك يقال في المثل: إِنما الخزي فيما تراه العين. وإِذا كان الأَمر كذلك، فقد ينبغي أَن يكون الاستحياءُ أَكثر من الذين هم أَبدا حضور وبالقرب من الإِنسان، ومن الذين ينظرون إِليه من أَجل أَنهم منه بمرأَى العين. والذين لا يستحيون من هؤلاءِ فهم صنف مذمومون من الناس، لأَنه معلوم أَن الذين يبصرون أَفعال الإِنسان فإِما يحمدون وإِما يذمون. وتخيل عدم الحمد هو الذي يفعل الحياءَ كما تقدم.
قال: والصنف من الناس الذين لا يسترسل المرءُ إِليهم ويتحفظ منهم فقد يستحي منهم. وهذا الصنف هم الذين يعتقد الإِنسان فيهم أَنه ليس عندهم رأي يعبأ به ويعتمد عليه في الأَمر الذي أَخطأَ فيه أَو يظن أَنه أَخطأَ فيه، حتى يكونوا هم الذين يسددونه إِن أَخطأَ فيه أَو يبصرونه ظنه. لأَنه إِنما يسترسل الإِنسان في أَفعاله أَو يبوح بها عند خواص الناس، وهم إِما الصنف من الناس الذي يعتقد فيهم أَن عندهم تسديدا له وتقويما، ولذلك لا يستحي المتعلم من استاذه، وإِما الأَصدقاءُ الذين يطرح الإِنسان معهم المؤونة. وإِنما كان المرءُ يتحفظ ممن عدى هذين الصنفين أَن يبوح لهم بقول أَو يسترسل بحضرتهم في فعل لأَنهم يذمونه على ذلك، حتى أَنه إِن باح بشيءٍ ظنه، ولم يكن كما ظن، أَعتقد فيه أَن ذلك الذي قد باح به قد فعله، وفضحوه في ذلك، سواء كان ذلك الأَمر كما ظن، أَو لم يكن. ولذلك كان المظلوم لا يفصح بالشر الذي يتوقعه بالظالم إِلا لهذين الصنفين من الناس، أَعني الذين يعبأ بآرائهم ويعتمد عليها حيث يخاف الخطأ أَو الأَصدقاء.
قال: والصنف من الناس الذين يحفظون مساوئ الأَخلاق وينهونه عن الخطأ مستحى أَيضا منهم وممقوتون.
وكذلك الصنف من الناس الذين انتدبوا لبث مساوئ المعارف وخطئهم كفعل المزدرين المستهزئين. وأَعني بالمزدرين المخسسين للإِنسان، وبالمستهزئين المحاكين له، أَعني الذين يحاكون الشيءَ على جهة الازدراءِ به، وهؤلاءِ ممقوتون مستحى منهم. واسم الحشمة أَحق بهؤلاءِ الذين ذكرهم من اسم الحياءِ، وذلك أَن الحياءَ يكون ممن يظن به خيرا، والحشمة تكون ممن يظن به شرا. ولهذا كان الحياءُ من أَهل الشر ممزوجا بخوف. وممن يستحي المرءُ منهم الذين لم يحقروه قط في شيءٍ لأَنه يحسب أَنه عندهم بمنزلة المتعجب منه. وممن يستحى منه الذي احتاج إِليك في حاجة فقضيتها له، لأَنه عندك ممن يمدحك ولا يذمك. ومن هؤلاءِ أَيضا - أَعني الذين يستحي الإِنسان منهم - الذين يريدون أَن يستحدثوا صداقة الإِنسان، لأَنهم في هذه الحال إِنما يعرفون منه الفضائل فقط فهو يستحي من أَن يقفوا على مخزى. ومن الذين يستحي منهم الذين لم يطلعوا للإِنسان على شيءٍ يستحي منه.
قال: ثم إِنه ليس إِنما يستحيون من هذه القبائح التي ذكرت، بل من العلامات والدلائل التي تدل علها. وذلك أَنه ليس من الزنا يستحيون فقط، لكن ومن الدلائل التي تدل على الزنا. وكذلك ليس يستحيون من فعل الفواحش أَنفسها، ولكن ومن النطق بها، لأَن النطق بها علامة أَو دليل على فعلها. فهؤلاءِ هم أَصناف الناس الذين يستحى منهم.
وأَما الذين لا يستحى منهم فالذين يسترسل الإِنسان إِليهم ويطلعون على أَمره. وهؤلاءِ صنفان: إِخوان ومساعدون. فأَما الإِخوان فهم الذين يطرح معهم الإِنسان فعل الجميل الذي هو جميل عند الجمهور من غير أَن يكون بالحقيقة كذلك. وأَما المساعدون فهم الذين يطرح معهم فعل الجميل بإِطلاق كان جميلا في الحقيقة أَو في بادي الرأي. ومن الذين لا يستحي الإِنسان منهم الذين يستخف بهم ويستحقرهم، لأَنه لا يبالي باعتقادهم فيه كان خيرا أَو شرا ولا ما يكون عنهم من مدح أَو ذم، كما ليس يستحي أَحد من البهائم والأَطفال.
قال: وليس استحياءُ المرءِ من معارفه ومن الأَباعد استحياء بجهة واحدة.
وذلك أَن الحياءَ الذي يكون بحضرة من يعرفك يكون مما هو في الحقيقة قبيح، وممن لا يعرفك يكون مما هو في الظن والمشهور قبيح.
فهؤلاءِ هم أَصناف الناس الذين يستحى منهم والذين لا يستحى منهم.
[ ٧٠ ]
وأَما أَصناف الناس الذين يوجد لهم هذا الانفعال كثيرا، أَعني الحياءَ، فمنهم الذين يعتقدون في أَنفسهم أَنهم واحد من الأَصناف الذين ذكرنا أَنه يستحى منهم مثل المتعجب منهم. والمتعجبون الذين ذكرنا أنَه يستحى منهم فإِنه متى اعتقد إِنسان في نفسه أَنه واحد من هذين بادر إِليه الخجل من أَدنى شيء مخافة أَن ينقص في عين الذي يتعجب منه، إِن كان يعتقد في نفسه أَنه يتعجب منه. وأَما المتعجب من غيره فإِنما يسارع إِليه الخجل بسبب أَن المتعجب من كل شيءٍ يعظم عنده كل شيءٍ فهو يتأَثر عن القبيح اليسير ويخاف منه ما لا يخاف كثير من الناس. ومن هذا الصنف من الناس، أَعني الذين يسرع إِليهم الحياءُ، الناس الذين يهوون أَن يكونوا عند غيرهم متعجبا منهم. والذين يحتاجون إِلى الناس في ضرورات أَحوالهم يستحيون كثيرا.
قال: وقد يسرع الحياءُ إِلى الصنف من الناس الذين ليسوا بمحمودين في الغاية ولا مذمومين، لأَنهم يخافون أَن يسارع إِليهم الذم. وهؤلاءِ هم محمودون بقدر ما؛ فإِن الحياءَ ليس يكون ممن ليس بمحمود أَصلا.
قال: والإِنسان إِنما يستحي أَكثر ذلك حيث يكون الذي يستحي منهم ينظرون إِليه.
قال: ولذلك لما أَراد فلان أَن تشتد أَنفة فلان لرجلين مشهورين عندهم من قبل الخزي والعار الذي يلحقه في التواني في المحاماة عن اليونانيين أَوهمه أَن اليونانيين قيام ينظرون إِليه ولم يجْترئ أَن يقول له إِن هذا سيصل إِلى اليونانيين، وإِنما فعل هذا لتشتد أَنفته في المحاماة. ولذلك ما كان ذوو الأَنفة والحمية إِذا امتعضوا لإِنسان ما أَو لناس ما في ضيم جرى عليهم يتشوقون إِلى أَن يرى امتعاضهم الذين امتعضوا لهم حيث جرى عليهم ذلك الضيم وخاب ظنهم في الظفر بالذي أَجرى عليهم ذلك الضيم، أَعني ضيم الذين ضيموا.
قال: وما أَعجب ما يظهر من ذوي الحمية والأَنفة عند الأَفعال التي يستحى منها وذلك في الأَمور التي تلحقهم أَو تلحق آباءهم أَو تلحق من يتصل بهم، وبالجملة من يستحيون بسببه وهم الناس الذين ذكرنا. وكذلك تظهر منهم الأَفعال العظيمة في النصرة والمحاماة للذين ينسبون إِليهم مثل المعلمين لهم أَو المشيرين عليهم أَو المسودين لهم وكل من يشبه هؤلاءِ ممن يحبون أَن يكموه فما أَكثر ما يفعل ذوو الحمية والأَنفس الكبار في أَمثال هذه المواطن، ولا يغفلون عن شيء يوجب النصرة حتى (لا) يلحقهم عار من أَجل توانيهم في ذلك. وأَكثر ما يكون هذا الفعل منهم إِذا توهموا أَن أُولئك الذين امتعضوا لهم قيام ينظرون إِليهم وأَنهم لا يزالون يترددون بينهم، فيتكرر الخزي والحياء منهم فيما توانوا فيه ووقعوا فيه من القبيح.
قال: ولذلك لما قَدَّم ملك من ملوك التَّغَلُّب الذين كانوا في اليونانيين قوما منهم إِلى القتل وكان في جملتهم شاعر منهم، قال لهم حين ستروا وجوههم وأَستحيوا من العار الذي لحقهم في قتله صبرًا! إِنما كان يجب لكم أَن تفعلوا ذلك، يعني ستر وجوههم والحياء من هذا الفعل، لو كنتم غدا وبعد غد تترددون حتى ينظر إِليكم اليونانيون مرة بعد مرة. وأَما وأَنتم مفقودون في هذه الحال ولا تخافون أَن تنظروا بعد إِلى اليونانيين، فما يجب لكم أَن تستحيوا.
قال: فهذه جملة ما قيل في الحياءِ. وأَما القول في الوقاحة فمعلوم أَنا نقدر على معرفته من الأَشياءِ التي قيلت في باب الحياءِ إِذ كانت هي أَضدادها، يعني أَنا نعلم في الوقاحة الأَشياءَ الثلاثة المضادة للأَشياءِ الثلاثة التي علمناها في باب الحياءِ، أَعني ممن يستحي ومَن الذي يستحي ومِن أَي الأَشياءِ يكون الحياء.