قال: أَما الأَحوال التي إِذا وجدت في الناس اعترتهم الانفعالات بها وهي التي يكون المرءُ بها مستعدا وهي التي يتوطَّأُ بها لقبول الانفعال والأَشياءُ التي يكون عنها الانفعال أَو زوال الانفعال والسلو عنه وهي التي منها تعمل المقاييس الانفعالية فقد قيل في ذلك في هذه المقالة.
وأَما الأَشياءُ التي تعمل منها الأَقاويل التصديقية في جنس جنس من الأَجناس الثلاثة، أَعني المشورية والمنافرية والمشاجرية، فقد قيل فيها في المقالة الأُولى.
وقد بقي أَن نقول هاهنا في الأَحوال التي يتبعها خلق خلق من الأَخلاق. فإِن بمعرفة أَي خلق يتبع أَي حال يمكننا أَن نحرك الذي نخاطبه إِلى أَن يتخلق بذلك الخلق، وذلك إِذا أَوهمناه وجود تلك الحال فيه أَو كانت موجودة مثال ذلك أَن كبر النفس يتبعه السخاء. فإِذا أَثبتنا عند إِنسان ما أَنه كبير النفس حركناه إِلى السخاءِ بأَن نؤلف له القول هكذا: إِنه كبير النفس، والكبير النفس يجب أَن يكون سخيا، فإِنه واجب أَن يكون سخيا. وكذلك ما أَشبه هذا.
قال: وهذه الأَحوال وهي التي المقصود منها تعديدها وأَي خلق يتبع واحدا واحدا منها هي خمسة: أَحدها: الانفعالات. والثاني: الهمم. والثالث: الأَسنان. والرابع: الجدود. والخامس: الأَنفس.
وأَعني بالانفعالات مثل الغضب والرحمة، فإِن هذه يتبعها خلق خاص، وبالهمم الأَشياء التي يختارها كل صنف ويؤثرها في حياته سواء كانت صناعة أَو فضيلة أَو لذة ينهمل فيها. فإِن الأَخلاق أَيضا تختلف باختلاف هذه. وأَعني بالأَسنان سن الشباب وسن الإِكتهال وسن الشيخوخة، وذلك أَن لهذه الأَسنان أَخلاقا خاصة بها. وأَعني بالجدود الأَشياء التي تحصل للإِنسان في بدنه ومن خارج بدنه بالاتفاق وذلك مثل الحسب واليسار الشاذ والجَلَد المفرط، وأَعني بالنفوس الفطر المتباينة التي فطر عليها الناس والعادات المختلفة.