قال: وأَما بعد هذا فنحن قائلون في الفضيلة والنقيصة والجميل والقبيح، لأَن هذه هي التي يمدح بها ويذم. ويلحق من تعريفنا هذه الأَشياء أَن نعرف الأُمور التي بها يثبت المرءُ فضيلة نفسه، إِذ كان ذلك هو الطريق الثاني من الطرق الثلاثة التي يقع بها الإِقناع كما تقدم من قولنا، وذلك أَنه نوع من المدح، أَعني أَن يكون بالأَشياءِ التي نقدر بها على مدح غيرنا نقدر بها أَنفسها على مدح أَنفسنا. وإِن لم يكن ذلك يتفق لجميع الأَشياء التي يمدح بها الغير، بل إِنما يكون ذلك بالفضيلة فقط وهي الأُمور الراجعة إِلى الاختيار.
قال: ومن أَجل أَنه يعرض كثيرا أَن يمدح الناس الروحانيون بالفضيلة وبأَشياء غير الفضيلة، وليس يعرض هذا في مدح هؤلاءِ فقط، بل وفي مدح الأَشياءِ المتنفسة وغير المتنفسة، أَعني أَنها تمدح بأَشياءِ خارجة عن الفضيلة، فقد ينبغي أَن نقول هاهنا في الأَشياءِ التي تؤخذ منها المقدمات في المدح وبغير الفضائل ليكون القول في ذلك عاما.
فنقول: إِن الجميل هو الذي يختار من أَجل نفسه، وهو ممدوح وخير ولذيذ من جهة أَنه خير. وإِذا كان الجميل هو هذا فبين أَن الفضيلة جميلة لا محالة لأَنها خير وهي ممدوحة.
والفضيلة: هي ملكة مقدرة بكل فعل هو خير من جهة ذلك التقدير، أَو يظن به أَنه خير، أَعني الحافظة لهذا التقدير والفاعلة له، ولذلك كانت موجودة لكل فعل يقصد به نحو غاية ما، جليل القدر، عظيم الشأْن في حصول تلك الغاية عنه.
فأَما أَجزاءُ الفضيلة: فالبر أَي العدل العام والشجاعة والمروءَة والعفة وكبر الهمة والحلم والسخاء واللب والحكمة. وهذه الفضائل منها ما هي فضائل في ذات فقط، ومنها ما هي فضائل من جهة أَنها تفعل في أُناس آخرين. وهذه التي تفعل في أُناس آخرين تكون أَعظم عند قوم منها عند آخرين، وفي حال دون حال. مثال ذلك أَن فضيلة الشجاعة آثر في وقت الحرب منها في وقت السلم. وأَما فضيلة العدل فمؤثرة في السلم والحرب جميعا. وفضيلة السخاءِ والمروءَة عند المحاويج آثر منها عند غير المحاويج. وإِنما تنفصل فضيلة المروءَة من السخاءِ بالأَقل والأَكثر، لأَن فعل كلتيهما هو في المال، لكن المروءة هي فعل أَكثر من فعل السخاءِ.
فأَما البر فهو فضيلة عادلة يعطى الفاضل بها لكل امرئ من الناس ما يستحق وذلك بقدر ما تأْمر به السنة. والجور هو الخلق الذي يأْخذ به المرء الأَشياء الغريبة التي ليس له أَن يأخذها في السنة.
وأَما الشجاعة ففضيلة يكون المرءُ بها فعالا للأَفعال الصالحة النافعة في الجهاد على حسب ما تأمر به السنة حتى يكون بفعله ذلك خادما للسنة، وأَما الجبن فضد هذا.
وأَما العفة ففضيلة يكون بها المرءُ في شهوات البدن على مقدار ما تأمر به السنة، والفجور ضد هذا.
وأَما السخاءُ ففضيلة تفعل الجميل المشهور في المال، والدناءة ضد هذا.
وأَما كبر الهمة ففضيلة يكون بها حسن الأَفعال العظيمة. وصغر النفس والنذالة ضدها.
وأَما اللب ففضيلة العقل الذي يكون به حسن المشورة والروية مع وجود الفضائل الخلقية له التي هي من صلاح الحال.
[ ٢٩ ]
فهذا هو القول في الفضيلة وأَجزائها بقدر ما يحتاج إِليه في هذه الصناعة. وأَما سائر الأَشياءِ التي يمدح بها مما عدا الفضيلة فليس يعسر الوقوف عليها. وذلك أَنه معلوم أَن فاعلات الفضائل مثل التأَدب والارتياض بالأَشياءِ التي بها تحصل الفضائل هي أَمور حسان وممدوح بها. وأَما الأَشياء التي توجد في الفضائل أَنفسها، أَعني الأَعراض التي توجد فيها والأَشياءَ التي توجد تابعة للفضائل فهي التي يقال فيها الآن وهي علامات الفضائل. وأَعراضها اللاحقة لها وأَفعالها إِنما يمدح بها إِذا كانت حسنة محمودة، فإِن كثيرا من أَفعال الفضائل قد لا يمدح بها، وكذلك كثير من الأَعراض. فمثال الأَفعال والأَعراض التي هي محمودة أَفعال الشجعان في الحرب أَو مَنْ فعل في الحرب فعلهم، وإِن لم تكن لهم ملكة الشجاعة. وكذلك الأَعراض التي تلحق الشجعان مما يمدح بها. ومثال الأَفعال التي لا يمدح بها في وقت ما بذلُ المال، فإِنه فعل من أَفعال السخاءِ. لكن ربما كان ذلك الفعل على جهة التبذير. ومثال الأَعراض التي لا يمدح بها انفعال المرءِ عن العدل وقبوله إِياه، وذلك أَن فعل العل ممدوح، وأَما الانفعال عنه فليس بممدوح، لأَنه يظن به أَنه مهانة وضيم. وبالجملة فأَفعال الفضائل إِنما تكون ممدوحة إِذا كانت مقدرة تقدير العدل. ومما يمدح بها الأَفعال العظيمة الشاقة التي جزاؤها الكرامة فقط. فإِن الأَفعال التي يكون جزاؤها الكرامة خير من الأَفعال التي جزاؤها المال. ولذلك إِذا كان فعل يجازي عليه بالأَمرين جميعا، ففَعَلهُ فاعلٌ من أَجل الكرامة فقط، مدح به وكل مايفعله المرءُ من الفضائل لا من أَجل نفسه مدح به. وفعل الأَشياءِ التي هي خيرات بإِطلاق كذلك مما يمدح به. ولأَشياء التي في طبيعتها خيرات، وإِن كانت ضارة للفاعل، يمدح بها أَيضا، مثل فعل العدل. فإِن العادل كثيرًا ما يستضر به. والأَفعال التي تختص بإِكرام الأَموات ممدوحة لأَن الأَفعال التي تكون للأَحياءِ إِنما يقصد منها المرءُ أَكثر ذلك منفعة نفسه. وبالجملة فكل فعل كان المقصود به الغير ولم يكن ينتفع به الفاعل له أَو كان يلحقه منه ضررٌ فهو ممدوح به. والفعل الذي يكون إِلى المحسنين إِلى الناس ممدوح به أَيضا، لأَن هذا هو عدل، إِذ كان ليس ينتفع به الفاعل له. ومما يدل على أَن الإِنسان ذو فضيلة أَن لا يفعل الأَفعال التي يفتضح بها أَهل الفواحش وأَن يؤدّبهم بالقول والفعل. وكذلك نصرة ذوي الفضائل ومحمدتهم مما يمدح به. والخجل عند ذكر القبائح مما قد يدل على الفضيلة، لأَنه يظن به أَن الحياءَ يمنعه عن إِتيان تلك الرذيلة. وقد يكون أَيضا عدم الحياء عند ذكر الفواحش علامة يمدح بها، وذلك أنه قد يظن أَن الإِنسان إِنما يستحي عند ذكر القبائح إِذا كان قد فعلها أَو نالها أَو هو مزمع أَن يفعلها. مثل ما حكى أَرسطو أَنه عرض لامرأَة مشهورة بالحكمة عندهم، وذلك أَن إِنسانا مشهورا عرّض لها بالقبيح، بأَن قال لها: إِني أُريد أَن أَقول قولا يمنعني عنه الحياء، فحلمت عنه ولم تجبه بقول قبيح ولم يدركها من ذلك تأَلم ولا انفعال، لأَنها كانت ترى لمكان فضيلتها أَن أَحدا لا يعرّض لها لا بمثال ولا بقول كلي، وهما صنفا التعريض، لكنها في تلك الحال جعلت تنص الفضائل وتمدح أَهلها وتتعصب لهم وتحامي عنهم. وكان أَيضا مَنْ معها لم يأْنفوا أَيضا لقول ذلك ولا لتعريضه لعلمهم أَن مثلها لا يتهم بمثل هذا.
قال: ولذلك كان التعصب للأَشياءِ التي تكسب المجد والمحاماة عنها قد تجعل المتعصب لها والمحامي عنها من أَهل الفضائل التي لا تحصل للإِنسان إِلا بمجاهدة كبيرة للطبيعة مثل العفاف والشجاعة وغيرها وذلك إِذا صارت له ملكة بترداد فعلها والتعصب لها والمحاماة عنها كما عرض لهذه المرأة التي اقتصصنا ذكرها مع ذلك الرجل. وذلك أَن أمثال هذه الأَفعال قد يصير بها الإنسان من أَهل الفضائل التي لا تحصل للإِنسان إِلا بمجاهدة كبيرة.
[ ٣٠ ]
قال: والإِنعام على الغير إِذا لم يستفد المنعم منه شيئا هو مما يمدح به. ولذلك ما كان العدل والبر قد يمدح بهما الإِنسان من جهة أَنهما نافعان كما يمدح بهما من جهة ما هما جميلان. والانتقام أَيضا من الأَعداءِ ولا يرضى عنهم في حال مما يمدح به. فإِن الانتقام منهم هو جزاء، والجزاءُ عدل، والعدل جميل. ومحبة الغلبة أَيضا ومحبة الكرامة مما يمدح بهما لأَنهما علامتان تدلان على إِثار الفضائل لا لمكان اكتساب مال بهما. أَما محبة الغلبة فتدل على إِيثار الشجاعة. وأَما محبة الكرامة فعلى إِيثار جميع الفضائل. ولذلك كانت الفضائل الأَثيرة المختارة هي التي ليس يقصد بها مقتنيها إِلى اكتساب مال لأَن ذلك يدل على شرف الفضيلة. ومن الأَفعال التي يمدح بها التي شأنها أَن يبقى ذكرها محفوظا أَبدا عند الناس. ومن الأَشياء التي يمدح بها الهيئات المحمودة عند قوم التي يجعلونها علامة لذوي الشرف مثل توفير الشعور عند اليونانيين، فإِنه يدل على الشرف، إِذ كان ليس كل أَحد يسهل عليه توفير شعره، لأَن الموفورى الشعور لا يعملون عمل من ليس بموفور الشعر ولا يمتهنون بأَي مهنة اتفقت. والأَزياءُ التي كانت تتخذ عندنا هي من هذا النوع الذي ذكره أَرسطو.
قال: ومن الشرف أَلا يحتاج الإِنسان إِلى آخرين، بل يكون مكتفيا بنفسه.
قال: وقد ينبغي أَن نأخذ في المدح والذم الأُمور القريبة من الفضائل والنقائص، وهي النقائص التي قد توجد عنها أَفعال الفضيلة، أَو الفضائل التي قد توجد عنها أَفعال النقائص: فيمدح بالنقائص التي توجد عنها أَفعال الفضيلة بأَن يوهم أَنها فضائل من أَجل أَن تلك الأَفعال هي من أَفعال الفضائل. وكذلك يوهم في الفضائل أَنها نقائص من أَجل أَنه عرض أَن وجد عنها أَفعال النقائص. فمثال النقائص التي توجد عنها أَفعال الفضائل فتوهم أَنها فضائل: العىّ الذي قد يكون عنه أَفعال الحليم، فيوهم به أَنه حليم، والبله الذي قد توجد عنه أَفعال ذوي السمت فيوهم بذلك أَنه ذو سمت. وكذلك العديم الحس قد يوهم فيه أَنه عفيف إِذ كان قد يوجد له فعل العفيف بالعرض. وكذلك المتهور قد يوهم فيه أَنه شجاع، والسفيه أَنه كريم.
ومثال ما يوهم به أَنه نقيصة، وليس بنقيصة، ما يعرض للكبير الهمة من أَن يتجافى عن الأُمور اليسيرة فيظن به أَنه يغلط وينخدع. والكبير الهمة إِنما يصنع ذلك في الأُمور اليسيرة التي ليس يلحقه منها خوف كبير ولا ضرر شديد. وذلك أَيضا في الموضع الذي يحسن فيه أَن يتغافل عنها. وقد يوهم أَيضا هذا الموضوع عكس هذا، وهو أَن يقال في المنخدع إِنه كبير الهمة. ومما يمدح به أَن يكون المرءُ يُعطي أَصدقاءه وغير أَصدقائه ومن يعرف ومن لا يعرف، لأَنه يظن أَن شرف فضيلة السخاءِ هو بذل المال للكل.
قال: وقد ينبغي أَن يكون المدح بحضرة الذين يحبون الممدوح، كما قال سقراط: إِنه يسهل مدح أَهل أَثينية بأَثينية. وينبغي أَن يمدح كل إِنسان بالذي هو ممدوح عند قومه وأَهل مدينته، إِذ كان ذلك يختلف.
قال: ومن المدح بالأَشياءِ التي من خارج مدحُ الآباءِ وذكرُ مآثرهم المتقدمة، ومدح المرء بما تسمو إِليه همته من المراتب وإِنه ليس يقتصر على ما حصل له منها. والرجل الكبير الهمة الذي لا يقتصرب بهمته على ما نال من المراتب يمدح بهذين الأَمرين من خارج، أَعني بفضائل آباؤه وبما يؤمل أَن يسمو نحوه، كما يقال: من أَي مآثر ابتدأَ من قبل آبائه، وإِلى أَي مآثر ينتهي من قبل همته. وأَما الذي لا يسمو بهمته إِلى نيل أَكثر مما حصل له من المرتبة، فإِنما يمدح من الأَمرين الذين من خارج بأَبآئه فقط. وكأَنه يرى هاهنا أَن المدح بمناقب الآباءِ ليس ينبغي أَن يقتصر عليه دون أَن يمدح بفضيلة ذاته، كما قال الشاعر:
لسنا وإِن كرمت أَوائلنا يوما على الأَحساب نتكل
نبني كما كانت أَوائلنا تبني ونفعل مثل ما فعلوا
وإِنه قد يقتصر بالمدح على الفضيلة دون ذكر الآباءِ كما قال:
نفس عصام سوّدت عصاما
[ ٣١ ]
قال: وإِنما يكون المدح على الحقيقة بالأَفعال التي تكون عن المشيئة والاختيار، فإِن الفعل الذي يكون بالمشيئة والاختيار هو الفعل الفاضل. والذي يمدح بالأَشياءِ التي تكون بالاتفاق أَو بالعرض من أَجل أَن لها إِذا اقترنت بالفضائل تزيينا لها وتفخيما بمنزلة الحسب المقترن إِلى الفضيلة وجودة البخت المقترن بأَفعال الفضائل. وإِنما يدخل في المدح الأَفعال التي تكون باتفاق والأَعراض التي تقترن بالعرض مع الأَفعال التي تكون بالمشيئة متى تكررت مرارا كثيرة على صفة واحدة حتى أَوهمت أَنها بالذات، وذلك أَنه إِذا عرض لها ذلك ظن بها أَنها علامة للفضيلة، مثل أَن يخجل الإِنسان مرارا كثيرة بالاتفاق في مواضع يمدح الخجل فيها.
وإِنما دخلت هذه الأَشياءُ في المديح لأن المديح هو قول يصف عظم الفضيلة، وهذه الأَشياءُ هي مما تعظم بها الفضيلة. وإِذا استعملت هذه الأَشياءُ في المديح، فينبغي أَن تستعمل على أَنها حدثت عن الروية. والأَشياءُ التي بالاتفاق: منها أَشياء ليس الإِنسان سببها لا بالذات ولا بالعرض، مثل الحسب والمنشأ الفاضل، ومنها أَشياء تعرض عن الأَفعال التي تكون عن الروية. فأَما الاتفاقات المتقدمة على الإِنسان فتؤخذ في تقرير الفضيلة وتثبيتها، مثل ما يقال في المدح: إِن الخيار يولد في الخيار، وفي الذم: إِن الحية تلد الحية. والأَفعال بالجملة هي التي عليها يحمد الفاعل. وأَما آثار الأَفعال فهي دلائل على الفعل. وإِنما يمدح بها إِذا أَثبتنا منها الفعل.
قال: وجودة البخت التي قيل فيما تقدم إِنها السعادة على ما يراه الجمهور هي وسائر الأَشياء الاتفاقية التي يمدح بها واحدة في الجنس، وليست هي والفضائل واحدة بالجنس. بل كما أَن صلاح الحال جنس للفضيلة، أَعني محيطا بها، كذلك ما يحدث بالاتفاق جنس يحيط بالسعادة. وهذان الجنسان، أَعني الفضائل وما بالاتفاق، يدخلان جميعا في باب المدح وفي باب المشورة، لكن من جهتين مختلفتين. وإِنما كان الأَمر كذلك، لأَنا إِذا عرفنا الأَشياءَ التي يجب أَن تفعل، فقد عرفنا الأَشياءَ التي إِذا فعلت مدح بها الإِنسان. ولذلك إِذا ذكرت هذه الأَشياء ذكرا مطلقا، أَمكن أَن تدخل في المشورة وفي المدح، وذلك بزيادة الجهة التي بها تدخل في المشورة أَو الجهة التي بها تدخل في المدح. وذلك مثل ما يقول القائل: إِنه ليس ينبغي أَن يوجب العظم والفضل للأَشياءِ التي تكون للإِنسان بالعرض، بل للأَشياءِ التي تكون عن رويته واختياره. فإِذا زيد إِلى هذا: فلذلك ليس ينبغي أَن يمدح الذين سعادتهم بالبخت، وإِنما ينبغي أَن يمدح الذين سعادتهم عن روية واختيار كفلان، كان داخلا في باب المدح. وإِذا زيد إِلى هذا: فلذلك لا ينبغي أَن تطلب الأَشياء التي تكون عن الاتفاق بل الأَشياء التي تكون عن الروية، دخل في المشورة. والأَشياءُ الاتفاقية قد يمكن أَن تستعمل في المديح تارة وفي الذم أُخرى، فإِن ظنون الناس فيها مختلفة. فإِن قوما يرون أَن الخيرات التي تكون بالاتفاق ليس ينبغي أَن يمدح بها، إِذ كانت شيئا غير محصل ولا مكتسب للإِنسان؛ وقوم يرون أَنه يجب أَن يمدح بها وأَنها تدل على عناية إِلاهية بالذي تعرض له. وأَما الأَشياءُ التي عن الاختيار، فالممدوح منها يمدح به أَبدًا، والمذموم منها يذم به أَبدًا.
[ ٣٢ ]
قال: وينبغي أَن يستعمل في المدح الأَشياء التي يكون بها تعظيم الشيء وتنميته، وهو أَن يخيل في الشيءِ أَنه بالقوة أَشياء كثيرة، وذلك إِذا قيل إِنه أَول من فعل هذا، كما قيل في قصة هابيل وقابيل، أَو إِنه وحده فعل هذا، أَو إِنه فعل في زمان يسير ما شأْنه أَن يفعل في زمان كثير، أَو إِنه فعل فعلا كبيرا. فإِن هذه كلها إِنما تفيد عظم الفعل. وكذلك إِذا قيل إِنه فعل في زمان يعسر فعله، وذلك إِذا كان بحسب ما يشاكل إِنسانا إِنسانا. ثم إِنه إِن كان الفاعل ممن يقتدى به في أَفعاله وأَقواله مرارا كثيرة فإِن فعله عظيم، كما قيل: إِنكم أَيها الرهط أَئمة يقتدى بكم. والأَفعال التي يقتدى بها ليست هي الأَفعال التي تكون بالاتفاق، بل الأَفعال التي تكون عن المشيئة والروية. وهذه الأَشياءُ قد يمكن أَن تدخل في المشورة، أَعني الأَشياءَ التي تعظم الشيء، مثل أَن يشار على المرءِ أَن يتشبه بالممدوح الأَول في ذلك الجنس، أَو يتشبه به في المدح؛ أَو يشار عليه أَن يكون من جملة الممدوحين الذين لا ينازع أَحد في حمدهم، مثل الذين يمدحون في الأَسواق، أَو يتشبه بهم في المدح. ومما يعظم الممدوحين أَن يقاسوا بالذين يفعلون أَضداد أَفعالهم، وذلك عند ذكر أَفعالهم الفاضلة.
قال: والذين شأْنهم أَن يتشبهوا بالممدوحين الذين في الغاية، ويقاسوا أَنفسهم معهم دائما، فقد ينبغي أُن يشبهوا بأُولئك، وأَن يجروا مجراهم في المدح، وإِن لم يكونوا وصلوا مراتبهم، فإِن فضائلهم في نمو دائم. ومقايسة الإِنسان نفسه مع غيره لا تصح إِلا من الرجل الفاضل، لموضع حب الإِنسان لنفسه، فهو يرى نقائصه أَقل من نقائص غيره وإِن كانت أَعظم، ويرى فضائله أَكثر وإِن كانت أَصغر. ولذلك ليس كل أَحد يستطيع المقايسة، وإِنما يستطيعها الفضلاءُ من الناس، مثل ما حكى أَرسطو عن سقراط أَنه كان يقايس بينه وبين غيره، ويجرى الأَحكام على أَخلاق نفسه، بمعنى أَنه كان ينظر بينه وبين غيره، فإِن وجد فيه فضيلة أَثاب نفسه عليها، وإِن وجد فيه رذيلة عاقب نفسه عليها. والمقايسة النافعة لمن يريد أَن يتزيد في الفضائل إِنما ينبغي أَن تكون بالممدوحين جدا. وقد يدل على أَن أَمثال هؤلاءِ ممدوحون، أَعني الذين فضائلهم في نمو دائم، أَن الذين أَجهدوا أَنفسهم في أَن يبلغوا مبلغ الفاضلين، فعجزوا عن ذلك، فهم ممدوحون عند الجمهور. وهو بيّن أَن تعظيم الشيء داخل في المدح. فإِن التعظيم للشيءِ تشريف له، والتشريف من الأُمور التي يمدح بها. وينبغي إِذا أُريد التعظيم بالتشبيه أَن يشبه بكثير من المحمودين، فإِن في هذا الفعل تشريفا للممدوح ودلالة للجمهور على فضيلته. وجملة القول في الأَنواع المشتركة لأَجناس الأَقاويل الثلاثة أَن التعظيم، وإِن كان مشتركا لأَجناس الأَقاويل الخطبية الثلاثة، فهو أَخص بالمدح والذم، لأَنه إِنما يمدح الإِنسان أَو يذم بالأَشياءِ الموجودة المعترف بوجودها. وتعظيم الشيء أَخص بالموجود منه بالمعدوم. ولذلك قيل قد ينبغي للمادح أَن يصف جلالة الشيء وبهاءه وزينته. وأَما استعمال العلامات والمثالات فهو أَخص بالمشورة، لأَن من الأُمور المتصرمة التي قد سلفت نحدس على التي ستكون. وإِعطاء السبب والعلة من الأَشياء التي قد سلفت نحن له أَكثر قبولا وتعظيما لانقضائه وتصرمه. وأَما معرفة العدل والجور فهو خاص بالمشاجرية.
وبالجملة: فجميع المدح والذم إِنما يكون بالمقايسة بمن سلف من المحمودين والمذمومين. وقد ينبغي للمادح والذام أَن يعلم بحضرة مَنْ يكون المدح أَو الذم، أَعني أَن يمدح بحضرة الأَصدقاءِ، ويذم بحضرة الأَعْداءِ. كما ينبغي له أَن يعلم المواضع التي يأْخذ منها المدح والذم وهي التي سلف ذكرها، وهي الفضائل وفاعلاتها وعلاماتها وأَعراضها. وهو بيّن أَن مما ذكرناه من حدود هذه الأَشياءِ تعرف حدود أَضدادها، إِذ كان الضد يعرف من ضده. وإِذا كانت هذه معروفة لنا من أَضدادها، وكان الذم إِنما يكون بأَضداد تلك، فهو بيّن أَنا قد عرفنا من هذا القول ليس الأَشياء التي يكون بها المدح فقط، بل والأَشياء التي يكون بها الذم.