قال: ونحن الآن قائلون أَولا في النفاسة وذلك بأَن نخبر على مَن ينفس من الناس وفيما ينفس ومَن الذين ينفسون، ثم نقول بعد ذلك في تلك الأٌخر التي عددنا، أَعني الحسد والأَسف، فنقول: إِنه إِن كان النافس هو الذي يحزن لحسن حال تكون للمرءِ بلا استحقاق، فهو معلوم من هذا الحد نفسه أَنه ليس تكون النفاسة في جميع الخيرات، لأَنه ليس ينفس على أَحد في الشجاعة ولا في البر، وبالجملة في جميع الفضائل التي تكون للإِنسان عن الإِرادة. كما أَنه ليس يهتم المرءُ بوجود أضداد الفضاءل له، وإِنما تكون النفاسة في المال والقوة، وبالجملة في الخيرات التي تصيب الإِنسان من خارج، مما قد يرى أَن الخيار يستحقونها، وأَن الشرار لا يستحقونها. وإِنما ينفس في هذه إِذا كانت حديثة. فإِن المتقادمة من ذلك يظن بها أَنها قريبة من الأَمر الواجب الذي في الطبع، ولذلك لا ينفس في الأَموال الموروثة، ولا في الرياسات المتقادمة في الأَكثر؛ وإِنما ينفسون لا محالة في الخيرات المستحدثة، مثل: السلطان المستحدث، وكثرة الإِخوان، والمال، وغير ذلك من الخيرات. والسبب في هذا أَن الناس هم أّشد غيظا من الذين يستغنون حديثا منهم على الذين يكون الغنى فيهم متوارثا، وكذلك الأَمر في سائر الخيرات التي من خارج. والسبب في ذلك شيئان: أَحدهما أَنهم يرون أَن ذلك الخير الحادث هم كانوا أَحق به منهم.
[ ٧٥ ]
والثاني أَنهم رون أَن الواجب فيه كان استصحاب الأَمر القديم له وهو الفقر مثلا أَو الضعة. ولذلك لا ينفسون في الخيرات المتقادمة لأَنها مما قد اعتيدت، وكأَنها واجبة لهم. والخير الذي لا يستأهله المرءُ عند النافس عليه يختلف. وذلك أَن الخير الذي يستأهله واحد واحد من الناس يختلف في المشاكلة والمقدار، وذلك أَنه ليس كل خير يشاكل كل إِنسان، ولا المقدار من ذلك واحد، بل لكل إِنسان خير مشاكل ومقار ملائم. فإِن حمل السلاح والهيئات الحربية هي خيرات، ولكنها غير لائقة بالنساك، وإِنما هي لائقة بأَهل الشجاعة. وكذلك الإِسراف في النكاح لا يليق بالذين غناهم حديث وإِنما يليق بالذين لهم قديم غنى، لأَن الحديث الغنى يحتاج إِلى حفظ اليسار. وأَما القديم الغنى فكأَن غناه شيءَ ثابت لا يخاف عليه. فإِذا كان المرءُ يليق به خيرٌ ما فلم ينله أَغتم وحزن.
قال: وإِذا نال الإِنسان من الخيرات ما هو أَعظم منه في الكيفية أَو المقدار، فإِنه من العطية والرزق والمقدور الذي يقال فيه إِنه من عند الله تعالى، وذلك مثل أَن يظفر الصغير بالكبير إِذا نازعه، والخسيس بالشريف، والمسيءُ بالناسك. وإِلا فما كان بالناسك. وإِلا فما كان للمسيء أَن يظفر بالناسك، فإِن الناسك أَفضل من المسيء. ومن هاهنا تتبين الخيرات التي يقال فيها إِن الناس ينالونها بقدر من الله، والناس الذين يقال فيهم ذلك. وذلك أَن هذه الخيرات وأَمثال هؤلاءِ الناس هم الذين تنسب الخيرات النازلة بهم إِلى القدر. ومن الناس الذين ينفس عليهم الذين تصير إِليهم الخيرات العظيمة. لأَنه ليس يرى أَحد أَن من العدل أَن تصير الخيرات العظام التي يستأهلها الخيار من الناس إِلى الشرار منهم. ولذلك يأسف الإِنسان وينافس إِذا كان الخيار الأَفاضل لا يقدرون أَن يظفروا بما يستحقون ويظفر به من دونهم. وأَما الذين ينافسون فهم الناس المحبون للكرامة وسائر الأُمور التي يظفر بها من لا يستأهلها. فإِن هذا الصنف من الناس بالجملة يأسف وينافس في جميع الأُمور التي يرون أَنفسهم أَهلا لها ولا يرون غيرهم أَهلا لها إِذا فاتتهم ونالها الغير، فعلى هذه الأَصناف من الناس الذين كرنا وفي الأَشياءِ التي ذكرنا يأَسف وينافس المنافسون. وهذا الصنف الذي ذكرنا هم المنافسون من الناس. ولذلك مالا يكون المقتنعون من الناس والذين يرون أَن عندهم حيلة في استجلاب الخيرات منافسين، لأَن المقتنعين ليس يرون أَن هاهنا أَشياءُ هم أَولى بها من غيرها. وإِن رأَى ذلك أَصحاب الحيلة، فليس يرون أَنها تفوتهم.
قال: وهو معلوم مما قيل في هذا الباب وفي الذي قبله من أَي الأَشياء إِذا وقعت يستحي الإِنسان الإِنسان ويخزى جدا إِذا هو لم يفرح بما يوجب الفرح منها ولم يغتم بما يوجب الغم منها. ومن هذه الأَشياء التي ذكرت يمكن أَن يستمال الحاكم إِلى النفاسة على الخصم أَو الرحمة له أَو الاهتمام به. وذلك أَنه إِذا كان هاهنا ناس يستأهلون الخير وأَنهم قد ظفروا وأَنجحوا، أَو كان هاهنا ناس غير مستأهلين فلم يظفروا ولم ينجحوا، فليس ينبغي أَن يجزع عليهم بل يفرح بذلك. وبالعكس. أَعني إِن هاهنا ناس يستأهلون الخير فلم يظفروا، فقد ينبغي أَن يشفق عليهم وأَن يهتم بهم.