من الخطابة
قال: أَما من أَي أَصناف الأَقاويل يكون الإِذن والمنع والمدح والذم والشكاية والإِعتذار وأَي المقدمات والقضايا هي التي تؤخذ أَجزاءِ هذه الأَقاويل التي تفعل التصديق في هذه الثلاثة فقد قيل فيها في المقالة الأُولى. فإِن المخاطبات في الأُمور الجزئية إِنما تكون من أَجل هذه الأَغراض الستة التي ذكرناها وبالأَقيسة والمقدمات التي عددناها فيما سلف.
ومن أَجل أَن الخطابة لا بد فيها من حاكم يرجح أَحد قولي المتخاطبين، إِذ كانت الأَقاويل المستعملة فيها غير يقينية، ولذلك احتيج إِلى الحكام في المشوريات أَكثر ذلك، إِذ كانت أُمورًا ممكنة، وكذلك يحتاج إِليهم في التشاجر والمدح والذم، فقد ينبغي أَن ننظر هاهنا ليس في الأَقاويل المثبتة والمبطلة، بل وفي بيان الأَقاويل التي تفيد الحاكم الانفعالات التي تصيره إِلى الميل في الأَحكام. فإِنه قد يختلف تصديق الحاكم بكلام المتكلم، وتصديق المتكلم بحكم الحاكم إِذا عرف المتكلم أَي امرئ هو الحاكم في صداقته له أَو عداوته، وعرف الحاكم أَي امرئ هو المتكلم في فضيلته ومعرفته. أَما معرفة الحاكم بالمتكلم فغناءُ ذلك في الأَكثر إِنما هو في الأُمور المشورية. وأَما معرفة المتكلم بحال الحاكم فالانتفاع بذلك إِنما يكون أَكثر ذلك في الخصومات. وذلك أَنه ليست أَحكام الحكام على من أَحبوه أَو قَلَوْه حكما واحدًا، ولا من كانوا عليه غضابًا أَو غير غضاب أَو خائفين منه أَو غير خائفين منه، بل توجد أَحكام الحكام تختلف بحسب هذا اختلافا كثيرا في القدر والمبلغ. فإِذا حكموا على من يحبون، فإِما أَلا يخسروه شيئا وإِما أَن يخسروه اليسير. وأَما حكمهم لمن يبغضون فخلاف ذلك. وكذلك فرق بين أَن يحكم الحاكم وهو منشرح الصدر للمتكلم حسن الظن به وبين أَن يحكم وهو ضيق الصدر مكترث به.
[ ٥٤ ]
قال: والمتكلمون يكونون مصدقين في أَقاويلهم أَكثر ذلك لعلل ثلاث؛ لأَنه قد يُصدق المرءُ بهذه الثلاث دون قول مثبت. وهذه الثلاث هي: المعرفة والفضيلة والإِلف، أَعني أَن لا يكون مستوحشا من الذي يشير عليه إِما لمكان جهله به أَو مباينته له في الجنس أَو المكان أَو اللسان. والمشيرون يصيرون غير مصدقين ومكذبين إِما من أَجل عدم هذه الأَحوال الثلاثة فيهم أَو عدم بعضها، لأَنهم إِما أَن يكونوا لا يشيرون برأْي صواب لمكان جهلهم وخطائهم، أَعني أَنهم يشيرون بما لا ينتفع به لضعف رأْيهم. وإِما أَن يكونوا عارفين، لكنهم يمنعهم من الإِشارة بالصواب الخبث والشرارة. وإِما أَن يكونوا عارفين ذوي فضائل، لكن يكونون مستوحشين من الذين يشيرون عليهم. وذلك أَنهم إِذا كانوا بهذه الصفة، أَمكنهم أَن يعرفوا الأَمر الأَفضل فلا يشيرون به. وهو بين أَنه ليس سوى هذه الخلال الثلاث خلة إِذا وجدت للمتكلم أَمكن أَن يكون بها مصدقا عند السامعين. فأَما من أَين يعرف المرءُ أَن المتكلم بهذه الحال أَو يثبت أَنه على هذه الحال عند من لا يعرف ذلك فمن الأَشياءِ التي ذكرت في باب المديح، أَعني أَنه ذو معرفة وفضيلة.
وأَما أَنه متأَنس وصديق فإِن القول فيها هو جزءٌ من القول في المقدمات التي يثبت بها الانفعالات التي تختلف أَحكام الحكام بسببها وهي التي تلزمها إِما اللذة وإِما الأَذى، مثل الغضب والرحمة والخوف وأَضداد هذه وما أَشبه ذلك.
قال: وقد ينبغي أَن نقول فيها هاهنا وذلك يكون بان ننظر من كل واحد من هذه الانفعالات في ثلاثة أَشياء، أَعني في الأَشياءِ الفاعلة لذلك الانفعال، وفي الناس المستعدين لذلك الانفعال، وعلى من يقع ذلك الانفعال غالبا. ومثال ذلك: إِذا نظرنا في الغضب، أَن نقول: بأَية حالة يكون المرءُ غضوبا، وما الأَشياءُ الفاعلة للغضب، ومَنْ القوم الذي يغضب عليهم بالطبع. فإِن الغضب إِنما يوجد ولا باجتماع هذه الثلاث. وإِذا وجد بعضها ولم يوجد بعض، فليس يوجد الغضب ولا بد. وبالجملة فيفعل في هذا الجنس مثل ما فعل في الأَبواب المتقدمة، أَعني في باب الخصومات، وفي باب المشورة، حيث حددنا الأَشياءَ التي يقصد تثبيتها، ثم الأَشياء التي بها يلتئم وجودها، أَعني النافع أَو الضار أَو العدل أَو الجور. والاثنان من هذه الثلاثة هي التي تأْتلف منها المقدمات التي إِذا خوطب بها الإِنسان حركته إِلى ذلك الانفعال، أَعني الفاعلة له وبمن يقع ذلك الانفعال. وأَما الذين هم معدون لذلك الانفعال، فإِنما يوجد من أَحوالهم التي هم بها معدون أَنهم قد انفعلوا لا أَن تحركوا بذلك إِلى ذلك الانفعال. ومثال ذلك أَن المرءَ إِنما يحركه إِلى الغضب إِذا وصفت له حضور الأَشياء الفاعلة للغضب والمرء الذي يجب أَن يغضب عليه. فأَما الأَحوال التي بها يكون المرء معدا لأَن يغضب، فإِنما يثبت بها أَنه قد غضب. لكن معرفة هذه الأَحوال نافعة لمن يريد أَن يُغضِب، لأَنه يعرف الوقت الذي يكون فيه المرءُ مستعدا لقبول القول الذي يحركه لذلك الانفعال.
قال: والغضب هو حزن أَو أَثر نفساني يكون عنه شوق من النفس إِلى عقوبة ترى واجبة بالمغضوب عليه من أَجل احتقار منه بالمرءِ الغاضب أَو بمن هو بسببه ومتصل به.
والاحتقار هو الذي يسميه أَرسطو صغر النفس لأَن نفس المحتقر به كأَنها تصغر بالأَشياءِ الصغيرة التي يتوهم فيها.
وإِذا كان هذا هو حد الغضب، فالغضب إِنما يكون من إِنسان مشار إِليه أَو ناس مشارين إِليهم على إِنسان مشار إِليه أَو ناس مشارين إِليهم لا على الإِنسان الكلي وذلك لشيء فعله المغضوب عليه بالغاضب أَو بأَحد ممن هو بسببه.
وكل غضب فيلزمه أَبدا شيء من اللذة من قبل أَن الغاضب يؤمل أَن ينتقم من المغضوب عليه. وإِذا أَمل التذ، لأَن هذا الأَمل هو الظن بأَنه سيظفر من المغضوب عليه بما هو كالممتنع على غير، وهو العقوبة التي تتوق نفسه إِليها. ولذلك قد يشرف الغاضب في نفسه بما يتخيل فيها من القدرة على العقوبة، ولذلك ليس يغضب على من هو فوق رتبته جدا ولا على من هو دونه جدا.
[ ٥٥ ]
قال: وما أَحسن ما قال الشعراء في الغضب: إِن الذي يعتلج منه في النفس شيء أَحلى من العسل والشهد، وإِن الذي يغشى الفكر منه هو شيء شبيه بالدخان. ولذلك لا يعقل الغضبان ولا يفهم. وإِنما قيل فيه: إِنه أَحلى من العسل، لمكان اللذة التي تكون فيه عن تخيل الانتقام لأَن تخيل الشيء المتشوق وتردده في النفس لذيذ، إِذا لم يكن هنالك فكر يفهم معه شيء مكروه مقترن بالمتشوق، ولا شيء يعوق، ولكن يقوى حصول إِمكانه، كالحال في الخيالات التي يلتذ بها في النوم.
قال: والاحتقار بالشيءِ والتهاون به يكون من قبل أَن الشيءَ لا قدر له ولا يستحق أَنيعتنى به، أَعني أَن يقتنى إِن كان خيرا أَو يحتال في دفعه إِن كان شرا. ولذلك كانت الخيارات والشرور جميعا يظن بها أَنها مستوجبات للعناية بها. وكذلك الأُمور اللازمة للخير والشر مثل الخوف للشر والتأْميل للخير هي أَيضا معتنى بها. وإِنما يرى الناس أَنه لا يستحق شيئا من العناية ما ظن به أَنه ليس فيه خير يرتجى ولا شر يتقى؛ وإِن كان، فنزر قليل جدا.
وأَنواع الاحتقار، وهو الذي يسميه أَرسطو صغر النفس، ثلاثة: الإِهانة، والسخرية والطَّنْز، والشتيمة.
فإِن الذي يهان، وهو الذي يفعل به ضد أَفعال الكرامة، محتقر. وإِنما يتهاون المرءُ بالذي يرى أَنه ليس أَهلا لشيء. وكذلك الذي يطنز به هو محتقر أَيضا، إِذا كان الطنز بالشيءِ يعوق عن تشوقه وإِرادته.
والطنز الذي بهذه الصفة هو الطنز الذي ليس يقصد به فاعله شيئا يستفيده سوى مضرة المطنوز به. وذلك أَنه لما كان المطنوز به محتقرا، فهو بيّن أَنه لا يَخاف منه ضررًا. ولو ظن ذلك، لخاف فلم يحتقره. وأَما الذين يطنزون لينالوا بالطنز منفعة مَا، فأُولئك إِنما ينبغي أَن يُسَموا مستعطفين ومحتالين، مثل أَهل الدعابة الذين يتخذهم الملوك، وليس يدخلون في ذلك الجنس، وإِنما يدخلون في جنس المحتالين.
وكذلك الشتيمة هي احتقار للمشتوم والشتيمة التي بهذه الصفة هي التزييف والبهرجة التي يقصد بها أَذى المشتوم بالشيءِ الذي إِذا صرح به خزي به المشتوم. وليس تكون الشتيمة التي بهذه الصفة إِلا إِذا كان الذي شتم به قد وجد للمشتوم فيما سلف لا فيما يستقبل، وأَن يكون شتما قبيحا يخزى منه المشتوم، وأَن يكون ليس يقصد به أَن يحصل منه للمشتوم منفعة ما، مثل الشتم الذي يقصد به الأَدب، فإِن هذا ليس هو احتقارًا، وإِنما هو معاقبة. وإِنما كان الشتم ملذًا، لأَن الشاتمين يظنون بأَنفسهم أَنهم أَفضل من المشتومين. ولذلك ما يوجد الأَغنياءُ والأَحداث شتامين وفحاشين، لأَنهم يظنون بأَنفسهم الفضيلة على غيرهم. وهذا من فعل الشاتمين بيّن. فإِن الشتيمة احتقار. وإِنما يحتقر من ليس أَهلا لشيء، وهو الذي ليس له شيء من الكرامة، لا من أَجل خير يرجى منه، ولا من أَجل شر يتوقى منه.
قال: والذين يظنون أَن لهم حقا واجبا على كثير من الناس في الحسب والقوة والفضيلة، وبالجملة: في كل ما يفضل به إِنسان إِنسانا، مثل فضل الغنى على الفقير، والبليغ على العي، وذي الرياسة على المرؤوس، أَو الذي يرى نفسه مستعدا للرياسة وإِن لم يكن رئيسا، جميع هؤلاءِ معدون لأَن يغضبوا على الناس من أَدنى شيء يتخيلونه فيهم من الاحتقار. ولذلك قيل إِن شدة الاستشاطة والغضب توجد في أَبناءِ الملوك ومَن يتصل بهم الذين نشأُوا في الترفه ولم يلقوا قط إِلا بما يسرهم من إِكرام الناس لهم والمعاملة الجميلة. ويوجد في هذا الصنف مع شدة الاستشاطة أَشياءَ تلزم شدة الاستشاطة مثل فرط الانتقام وأَلا يقنعوا من الجاني عليهم بالشيءِ اليسير إِلا بالعقوبة العظيمة. وذلك أَنهم يمتعضون لعِظَم شأْنهم في أَنفسهم.
ومن الأَحوال التي إِذا كانت في الإِنسان صار بها معدا لأَن يغضب عليه أَن يكون ذلك الإِنسان ممن يتوقع منه الإِحسان بعادة فلا يفعل ذلك إِما بالإِنسان الذي عوده ذلك أَو بمن يتصل به. وذلك إِذا علم ذلك الإِنسان إِن تركه ذلك كان بهوى منه، أَو علم أَنه يهوى أَن يترك ذلك وإِن لم يترك. وقد يعد ترك الإِحسان المعتاد في فاعلات الغضب. وإِذا كان هذا هكذا، ففاعل الغضب بالجملة إِنما هو الاحتقار أَو ما يظن أَنه احتقار.
[ ٥٦ ]
والناس المستعدون للغضب هم الذين توجد فيهم أَحوال تخيل فيهم في أَكثر ما يرد عليهم أَنه احتقار. والمستعدون لأَن يُغضب عليهم هم الذين يخيل فيهم إِلى الغير أَن أَكثر الأَفعال التي تَصدر منهم هي احتقار.
وإِذ قد تبين بالجملة من أَجل أَي شيءٍ يكون الغضب ومَن الذين هم غضوبون ومَن الذين يغضب عليهم، فقد يجب أَن نعدد هاهنا هذه الأَحوال. فمن الأَحوال التي بها يكون المرءُ غضوبا أَن يكون الإِنسان يتشوق إِلى شيء ويكون تشوقه إِليه مع غم وأَذى فإِن هؤلاءِ يسرع إِليهم الغضب، فُعِل بأَحدهم شيء مُوجب للغضب أَو لم يفعل، لأَنه لضيق صدره يظن أَنه فعل به ذلك. ومن هؤلاءِ الذين لهم أَشياء تؤذيهم، فهم يشتاقون إِلى زوال ذلك المؤذي. فإِن هؤلاءِ يغضبون على كل شيء ومن كل شيء، مثال الذين يمسهم فقر أَو مرض. فإِن هؤلاءِ يشتهون الصحة والأَشياء المستعملة في الصحة والثروة والأَشياء المدركة بالثروة. ولذلك ليس يقال لما يتردد في نفوس هؤلاءِ من هذه الشهوة أضنه سبب لأَن يقال فيهم إِنهم شهوانيون، بل ذلك سبب لأَن يقال فيهم إِنهم ضجرون. وأَكثر ما يغضب هؤلاءِ على الذين يحتقرون الأَمر الواقع بهم، مثل الذين يتهاونون بالوجع الذي يصيب العليل في حال إِصابته إِياه. وكذلك الذين يتهاونون بالحاجة الماسة التي أَصابت إِنسانا ما في حال فقره. ومثل من يتهاون بالجور الواقع على إِنسان ما. ومن هذا الجنس من يتهاون بصديق المرءِ. وبالجملة فكل من يتهاون بما يؤذي الإِنسان ويحزنه أَو بما يلذه ويسره. والإِنسان الذي أَخفق أَمله يسرع إِليه الغضب، لأَنه قد ظن ظنا ما فأَخفق ظنه.
قال: وقد تبين من هذه الأَشياءِ في أَي أَحوال من أَحوال الإِنسان وعوارض من عوارض نفسه، وفي أَي سن، وخلق يكون أَشد استعدادًا للغضب، وعلى من يغضبون، وبمن يهزأون ومن يعيرون إِذا كانوا في شيء شيء من هذه الأُمور.
أَما في الأَحوال فمثل غضب أُولي الرياسة على من لا رياسة له.
وأَما في العوارض فمثل غضب المغتمين على المسرورين.
وأَما في الخلق فمثل غضب الشجعان على الجبناءِ.
وأَما في السن فمثل غضب المشايخ على الشباب.
قال: وإِنما يشتم ويستهان بالذين تكون حالهم في أَفعالهم وأَقوالهم وحالاتهم حال من لا ينتفع بشيء من تلك الأَفعال والأَقوال والأَحوال، أَو يظن بهم ذلك. فإِنه إِذا اعتبر أَمر الشتيمة والاحتقار وجدت لا تتعدى هذا الصنف. ولذلك قد يظن أَن ما يقع من الاستهانة والاستخفاف بالفضلاءِ والحكماءِ أَنه أَمر واجب. لأَن الجمهور يرون أَنهم لا ينتفعون من أَحوالهم بشيء، وكذلك سائر الفضائل التي هي غير نافعة، وخاصة ما كان منها إِنما يحصل بعد تعب عظيم ويحفظ بعد حصوله بتعب عظيم أَيضا. وذلك أَن الجمهور لما كانوا يعتقدون في أَمثال هؤلاءِ أَنه ليس لهم منفعة في ما يقتنون من ذلك ولا شيء فيه قوة منفعة كان أَحرى أَن يظنوا أَنه ليس ينتفعون منهم بتلك الأَشياء. لأَنهم إِذا لم ينفعوا أَنفسهم، فأَحرى أَلا ينفعوا غيرهم. وإِذا رأَى الجمهور في كثير من هذه الأَشياءِ أَن لهم فيها منفعة، وإِن كان لا ينتفع بها أَهلها، أَعني الذي يقتنونها، ربما استعطفوهم واسترحموهم بعد التغيير، وذلك في وقت حاجتهم إِليه، واعتذروا إِليهم مما سلف. وهذا من فعلهم إِنما ينتفعون به معهم إِذا كان التغيير المتقدم لهم غير مفرط ولا خارج عن العادة. لأَنه إِذا كان مفرطا ظن بهم أَنهم يستهزئون بهم في حال الاستعطاف والتودد.
قال: والذين يحسنون، ثم يقطعون إِحسانهم؛ والذين لا يكافئون المرءَ على فعله بما يجب لذلك الفعل، أَو يفعلون معه ضد فعله؛ والذين يرون المحسنين إِليهم بحال خسيسة، وذلك بأَن يرى الذي أَحسن إِليه أَن ذلك الإِحسان خسيس أَو أَن قدره فوق ذلك؛ فإِن هؤلاءِ يغضب عليهم. وهذه الأَفعال كلها هي من فاعلات الغضب، لأَنه يظن بهم أَنهم متهاونون.
قال: وهاهنا قوم يغضبون من التهاون الواقع بأُمور خسيسة لهم أَو بالتي هي أَخس من الخسيسة وهي التي ليس يرى لها أَحد قدرًا في شيء ولا يمكن فيها كلام تعظم به أَصلا ولا يطالب أَحد بتعظيمها. وليس يجب أَن يكون الأَمر كذلك، أَعني أَن يغضب المرءُ على من يحتقر منه الأُمور اليسيرة، بل إِنما يجب أَن يقع الغضب على من احتقر من المرءِ أُمورًا لها قدرٌ.
[ ٥٧ ]
قال: والأَصدقاءُ قد يُغضب عليهم إِذا لم يقولوا في أَصدقائهم قولا جميلا عندما ينالهم مكروه، أَو يمتعضون إِذا ذكروا بسوء. وأَكثر من ذلك إِذا لم يحسنوا إِليهم إِذا مستهم حاجة أَو لم يألموا بما نزل بهم من المكروه، ولذلك قيل:
يواسيك أَو يسليك أَو يتفجع.
وإِنما يغضب على هؤلاءِ عدم الارتماض بالمكروه الذي وقع بهم يدل على الاستهانة بهم. وذلك أَن من المعلوم أَن الإِنسان يغضب إِذا أُوذي من يعتني به، وكذلك يغضب على الصديق الذي يتهم صديقه ويسيء الظن به، وعلى الذي يتهاون بما بلغه عنه من قول، لأَنهم في هذه الأَحوال يشبهون الأَعداءَ. وذلك أَن الأَعداءَ هم الذين لا يمتعضون للمكروه الذي ينزل بعدوهم ولا يسوءهم الشر النازل بهم. وأَما الأَصدقاءُ فيمضهم السوء النازل بإِخوانهم ويتفجعون لذلك ويجزعون.
قال: وقد يغضب على الذين يتهاونون بأُمور خارجة عن الإِنسان، وتلك هي خمسة أَصناف: أَحدها الذين يتهاونون بالذي تكرمه أَنت، فإِنك تغضب عليهم. والثاني أَن يتهاون بالذي هو عندك متعجب منه ولا يتعجب منه. والثالث أَلا يتعجب مما تحب أَنت أَن يكون متعجبا منه، وإِن لم يكن كذلك. والرابع أَن يتهاون بالناس الذين تتعجب منهم أَو الذين يتعجبون منك. والخامس أَلا يستحي المرءُ من الأَشياءِ التي تستحي منها وتحتقرها.
قال: وإِنما يشتد الغضب على الذين يتهاونون بهذه الأَصناف الخمسة، لأَن الناس يرون فيهم أَنهم لا يعاونونهم على فعل الجميل ولا يؤازرونهم، فيغضبون عليهم. وهذا الغضب مثل غضب الآباءِ على الأَبناءِ، أَعني أَنه إِنما يغضبون من جهة أَنهم غير معاونين لهم على فعل الجميل. وقد يكون الغضب على الذين يظن بهم أَنهم يتهاونون بواحد من هذه الأَصناف الخمسة، وإِن لم يكن الأَمر كذلك في الحقيقة، وذلك يعرض كثيرا للنساءِ ذوات الرياسات مع الذين يرأَسن عليهم لضعف تدبيرهن.
قال: ومما يفعل الغضب أَيضا النسيان للأَشياءِ المهمة عندك حفظها، كما يعرض كثيرا للمرءِ أَن يغضب على من ينسى اسمه، ومثل ما يعرض من نسيان الأُمور الهينة الحفظ التي تهم. وإِنما كان النسيان مغضبا لأَنه يرى أَن سببه هو التهاون بالشيءِ المنسي. والذين يبتدئون بالإِحسان فلا يكافأون، قد يغضبون أَيضا على الذين لا يكافئونهم بالواجب. فإِن النقصان من الواجب إِنما يحمل عليه التهاون. والذين يهزلون في الشيءِ الذي تجِدُّ فيه أَنت تغضب عليهم. وإِذا كان بعض من تعرفه من الناس يحسن إِلى غيرك ولا يحسن إِليك، فإِنك تغضب عليه.
فقد تبين من هذا القول من الناس المعدون لأَن يغضبوا ولأَن يغضب عليهم، وما الأَشياءُ الفاعلة للغضب، وهي الأَشياءُ التي إِذا وجدت للمرءِ أَثبت بها أَن المرءَ قد غضب. ومن هذه الأَشياء الثلاثة بعينها تؤخذ مسكنات الغضب أَو فاعلات الغضب. فإِن أَضداد الأَشياء الفاعلة للغضب إِذا أُثبتت لشخص ما إِما أَن يسكن عنه الغضب وإِما أَن توجب الرضى عنه. وكذلك إِذا وجدت للمرءِ أَضداد الأَحوال التي يكون بها معدًا لأَن يغضب عليه بها، سهل سكون الغضب عنه أَو وجود الرضى عنه. وكذلك إِذا وجدت للمرءِ أَضداد الأَحوال التي بها يكون غضوبا سهل قبوله للرضى أَو لسكون الغضب عنه. فإَِن الغضب له ضدان: أَحدهما عدمه، والآخر ضده وهو الرضى. ولكن أَرسطو في هذا الموضع مع تعريفه بهذا يأْتي بالأَشياءِ المسكنة للغضب على جهة الارتياض.