إن هذا أيضًا أحد العوارض الرديئة التي يدعو إليها ويحمل عليها الهوى
[ ٧٤ ]
وإيثار اللذة الجالبةِ على صاحبها ضروب البلايا والأسقام الرديئة. وذلك أنه يضعف البصر ويهد البدن ويُخلِقه ويَسرع بالشيخوخة والهرم والذبول ويُضر بالدماغ والعصب ويسقط القوة ويوهنها، إلى أمراض أُخر كثيرة يطول ذكرها وله ضراوةٌ شديدة كضراوة سائر الملاذ بل أقوى وأشد منها بحسب ما تذكر النفس من فضل لذته عليها. ومع ذلك فإن الإكثار من الباه يوسِّع أوعية المنِّي ويجلب إليها دمًا كثيرًا يكثر من أجل ذلك تولَّد المني فيها، فتزداد الشهوة له والشوق إليه وتتضاعف. وبالضد من ذلك فإن الإقلال منه والإمساك عنه يحفظ على الجسد الرطوبة الأصلية الخاصيّة بجوهر الأعضاء، فتطول مدة النشوء والنماء وتُبطئ الشيخوخة والجفاف والقحل والهرم وتضيق أوعيةُ المني ولا تستجلب المواد، فيقل تولد المني فيها ويضعف الانتشار ويتقلص الذَكَر وتسقط الشهوة وتعدم شدةُ حثها ومطالبتها به ولذلك ينبغي للعاقل أن يزم نفسه عنه ويمنعها منه ويجاهدها على ذلك لئلا تغرى به وتضرى عليه، فتصير إلى حالةٍ تعسر ولا يمكن صدها عنه ومنعها منه. ويتذكر ويُخطر بباله جميع ما ذكرناه من زمَّ الهوى ومنعه، ولا سيما ما ذكرناه في باب الشره من ثبوت مضض الشهوة ورمضها وحثها ومطالبتها مع النيل من المشتهي والبلوغ منه غاية ما في الوسع. وذلك أن هذا المعنى في اللذة المصابة بالجماع أوكد وأظهر منه في سائر اللذات لِما يتصور من فضل لذته على سائرها
[ ٧٥ ]
فالنفس - لاسيما المهملة الممرجة الغير مؤدبة التي يسميها الفلسفة الغير مقموعة - لا يُسقط عنها الإدمان للباه شهوتها ولا الاستكثار من السر أري الشوق والنزوع إلى غيرهن. ولأن ذلك ليس يمكن أن يتم بلا نهاية فلا بد أن يصلى بحر فقد الالتذاذ بالمشتهى ورمضائه، ويقاسي ويكابد ألم عَدَمه مع ثبوت الداعي إليه والباعث عليه، إما لِعَوَزٍ من المال والممكنة وإما لضعفٍ وعجزٍ في الطبع والبنية، إذ كان ليس يمكن فيها أن ينال من المشتهي المقدار الذي تُطالب به الشهوة وتدعو إليه، كحالة الرجلين المذكورين في باب الشَرَه. وإذا كان الأمر على هذا فليس الصواب إلا تقديم هذا الأمر الذي لا بد منه ومن وقوعه ومقاساته - أعني فقد الالتذاذ بالمشتهي مع قيام الباعث عليه الداعي إليه - قبل الإفراط فيه والاستكثار منه، ليأمن عواقبه الرديئة ويزيح ضراوته واستكلابه وشدة حثه ومطالبته. وأيضًا فإن هذه اللذة من أولى اللذات وأحقها بالاطراح. وذلك أنها ليست اضطرارية في بقاء العيش كالطعام والشراب، وليس في تركها ألم ظاهر محسوس كألم الجوع والعطش، وفي الإفراط فيها والإكثار منها هدم البدن وهده. فليس الانقياد للداعي إليها والمرور معه سوى غلبة الهوى وطموسه العقل الذي يحق على العاقل أن يأنف منه ويرفع نفسه عنه ول يُشبه فيه الفحولة من التيوس ومن الثيران وسائر البهائم التي ليس معها رَوية ولا نظر في عاقبة. وأيضًا فإن استقباح جلِّ الناس
[ ٧٦ ]
وجمهورهم لهذا الشيء واستسماجهم له وإخفاءهم إياه وسترهم لما يؤتى منه يوجب أن يكون أمرًا مكروهًا عند النفس الناطقة. وذلك أن اجتماع الناس على استسماجه لا يخلو أن يكون إما بنفس الغريزة والبديهة وإما بالتعليم والتأديب، وعلى أي الوجهين كان فقد وجب أن يكون سَمِجًا رديئًا في نفسه. وذلك قد قيل في القوانين البرهانية إن الآراء التي ينبغي أن يُشَكّ في صحتها هي ما اجتمع عليه كل الناس أو أكثرهم أو أحكمهم. وليس ينبغي لنا أن ننهمك في إتيان الشيء السمج القبيح بل الواجب علينا أن ندعه البتة، فإن كان لا بد منه فيكون الذي نأتي منه أقلَّ ما يمكن مع الاستيحاء واللوم لأنفسنا عليه، وإلا كنا مائلين عن العقل إلى الهوى وتاركيه له. وصاحب هذه الحال أخسَّ عند العقلاء وأطوع للهوى من البهائم لإيثاره ما دعا إليه الهوى وانقياده له في ذلك مع إشراف العقل به على ما في ذلك عليه وزجره له، والبهيمة إنما تنقاد لِما في الطباع من غير زاجرٍ ولا مُشرفٍ بها على ما عليها فيه