إن الهوى إذا تصور بالعقل فقد الموافق المحبوب عرض فيه الغم. ونحتاج في بيان أن الغم عرض عقلي أو هوائي إلى كلام فيه فضل طول ودقة.
[ ٦٣ ]
وقد ضمنا في أول هذا الكتاب أن لا نتعلق فيه من الكلام إلا بما لا بد منه في غرضه الذي أجريناه إليه، ومن قبل ذلك نتجاوز الكلام في هذا المعنى ونصير إلى ما هو المقصود المطلوب بكتابنا هذا. على أنه قد يمكن من كان به أدنى مسكة من علم الفلسفة أن يستنبط ويستخرج هذا المعنى من الرسم الذي رسمنا به الغم في أول هذا الكلام، إلا أنا نحن ندع ذلك ونتجاوزه إلى ما هو المطلوب بهذا الكتاب فأقول: إنه لما كان الغم يكدر الفكر والعقل ويؤذي النفس والجسد حق لنا أن نحتال لصرفه ودفعه أو التقليل منه والتضعيف له ما أمكن. وذلك يكون من وجهين، أحدهما بالاحتراس منه قبل حدوثه لئلا يحدث أو يكون ما يحدث أقل ما يمكن، والآخر دفع ما قد حدث ونفيه إما كله وإما أكثر
[ ٦٤ ]
ما يمكن منه والتقدم بالتحفظ لئلا يحدث أو ليقل أو يضعف ما يحدث منه، وذلك يكون بتأمل هذه المعاني التي أنا ذاكرها أقول: إنه لما كانت المادة التي منها تتولد المغموم إنما هي فقد المحبوبات، ولم يمكن أن لا تفقد هذه المحبوبات لتداول الناس لها وكرور الكون والفساد عليها، وجب أن يكون أكثر الناس وأشدهم غما من كانت محبوباته أكثر عددا وكان لها أشد حبا، وأقل الناس غما من كانت حاله بالضد من ذلك. فقد ينبغي إذا للعاقل أن يقطع مواد الغموم عمه بالاستقلال من الأشياء التي يجلب فقدها غما، ولا يغتر وينخدع بما نعها - ما دامت موجودة - من الحلاوة، بل يتذكر ويتصور المرارة المجرعة عند فقدها
فإن قال قائل إن من توقّى اتخاذ المحبوبات واقتناءها خوفا من الغم عند فقدها فقد استعجل غمًا، قيل له إنه وإن كان هذا المتوقَّى المحترس قد استعجل غما فليس ما استعجله بمساوٍ لما خاف الوقوع فيه منه. وذلك أنه ليس اغتنام مَن ولد له كاغتنام من أُصيب بولده هذا إن كان الرجل ممن يغتنم بأن لا يكون له ولدٌ فضلًا عن غيره ممن لا يبالي ولا يعبأ بذلك ولا يغتمُّ له بتّةً ولا غمُّ من لا معشوق له كغم مَن فقد معشوقه. وقد حُكي عن بعض الفلاسفة أنه قيل له لو اتخذت ولدًا. فقال إني من السعي في إصلاح جسدي هذا ونفسي هذه في مؤنٍ وغمومٍ لا قِوامَ لي بها، فكيف أضُم وأقرن إليها مثلها؟ وسمعت مرأةً عاقلةً تقول إنها عاينت يومًا مرأةً شديدة التحرق على
[ ٦٥ ]
ولدٍ لها أصيبت به وأنها توقت الدنو من زوجها خوفا من أن ترزق ولدا تبلى فيه بمثل بلائها. ومن أجل أن وجود المحبوب موافق ملائم للطبيعة وفقده مخالف منافر لها صارت تحس من ألم فقد المحبوب ما لا تحس من لذة وجوده. ولذلك صار الإنسان يكون صحيحا مدة طويلة فلا يحس لصحته بلذة، فإن اعتل بعض أعضائه أحس على المكان فيه بألم شديد. وكذلك تصير المحبوبات كلها عند الإنسان - إذا وجدها أو طالت صحبتها له - في سقوط لذة وجودها عنه ما دامت موجودة له وحصول شدة ألم فقدها عليه إذا فقدها ومن أجل هذا لو أن رجلا استمتع دهرا طويلا بأهل وولد ثم بلى بفقدهما لأحس من التألم في يوم واحد وساعة واحدة ما يفضل ويأتي على لذة إمتاعه كان بهما. وذلك أن الطبيعة تحسب وتعد ذلك الاستمتاع الطويل كله حقا واجبا لها، بل تعده دون حقها. وذلك أنها لا تخلو في تلك الخالة أيضا من استقلال ما هي فيه الزيادة منه دائما بلا نهاية حبا منها للذة واشتياقا إليها. وإذا كان الأمر على هذا - أعني أن يكون التلذذ والاستمتاع بالمحبوبات في حال وجودها معوزا منطمسا مستقلا مغفلا، والحزن والتحرق والتلظي عند فقدها متبينا مستكثرا مؤلما متلفا - فما الرأي إلا طرحها بتت أو الاستقلال منها لتعدم أو تقل عواقبها الرديئة الجالبة للغموم المؤذية المضنية. فهذه أعلى المراتب في هذا الباب وأحمسها لمواد الغموم. ويتلوه في ذلك أن يتمثل الرجل ويتصور فقد محبوباته ويقيمها في نفسه ووهمه ويعلم أنها ليس مما يمكن
[ ٦٦ ]
أن تبقى وتدوم بحالها، ولا يخلو من تذكر ذلك منها وإخطار ذلك بباله فيها وتصحيح العزم وشدة الجلد متى حدث ذلك بها. فإن ذلك تمرين وتدريج ورياضة وتقوية للنفس على قلة الجزع عند حدوث المصائب لقلة ما كان من اعتياده وثقته وركونه إلى بقاء محبوباته في حال وجودها ولكثرة ما مثل للنفس وعودها وآنسها بتصور المصائب قبل حدوثها. وفي مثل هذا المعنى يقول الشاعر
يصوِّر ذو الحزم في نفسه مصائبَه قبل أن تنزلا
فإن نزلت بغتةً لم تُرِعْهُ لِما كان في نفسه مَثَّلا
رَأَى الأمر يُفضي إلى آخِرٍ فصيرِّ آخِرَه أوّلا
فإن كان هذا الإنسان في غاية الفشالة ومفرط الميل مع الهوى واللذة ولا يثق من نفسه باستعمال شئ من هذين البابين فليس إلا أن يحتال أن ينفرد من محبوباته بواحدة ينزلها منزلة ما لا بد منه وما ليس غيره، بل يقرن إليها ويتخذ منها ما ينوب - أو يقارب أن ينوب - عن مفقود إن فقد منها، فإنه بهذا الوجه يمكن أن لا يفرط حزنه واغتمامه بأي واحد فقد منها. فهذه جملة يحترس به من كون الغم ووقوعه. فأما ما يدفع به أو يقلل منه إذا كان ووقع فإنا قائلون فيه منذ الآن
فنقول: إن العاقل إذا تفقَّد ونظر فيما يعتوره الكونُ والفسادُ من هذا العالم ورأى أن عنصرها عنصرٌ مستحيل منحلّ سيّال لا ثباتَ لشيءٍ منه ولا دَوامَ له
[ ٦٧ ]
بالشخصية، بل كلها زائل داثر مستحيل فاسد مضمحل، فلا ينبغي أن يَستكثر ويَستظعم ويستفظع ما سُلب منه وفُجع به منها، بل يجب عليه أن يَعُدَّ مُدَّةَ بقائها له فضلًا، وما استمتع به من ذلك رِبحًا، إذ كان فناؤها وزوالها كائنًا لا محالة، ولا يَعظم ويَكبر ذلك عليه وقتَ كونه إذ كان شيئًا لا بد أن يَعرض فيها. فإنه متى أحبَّ دوام بقائها فقد رام ما لا يمكن وجودهُ لها، ومن أحب ما لا يمكن وجوده كان جالبًا بذلك الغمَّ إلى نفسه ومائلًا عن عقله إلى هواه وأيضًا فإن فقد الأشياء التي ليست بأضطرازية في بقاء الحياة ليس يدوم له الغمُّ بها والحزنُ عليها، لكن يسرع منها البديل وعنها النائب ويُعقب ذلك السلوةَ عنها والنسيان لها، فترجع العيشةُ وتعود الحالةُ إلى ما كانت عليه قبل المُصيبة فكم رأينا ممن أُصيب بعظيم المصائب وفادحها راجعًا إلى ما لم يزل عليه قبل مُصابه ملتذًا بعيشه مغتبطًا بحاله. فلذلك ينبغي للعاقل أن يذكِّر النفس في حال المُصيبة بما تَؤُول وترجع إليه من هذه الحالة ويعرضه عليها ويشوِّقها إليه ويجتلب ما يَشغل ويُلهي أكثر ما يمكن لُسرع الخروج منها إلى هذه الحالة وأيضًا فإن تذكُّرَه كثرةَ المشاركين له في المصائب وأنه لا يكاد يَعْرَى منها أحدٌ وتذكُّرَ حالاتهم بعدُ وأبواب سلوتهم وحالاته وسلوا ته نفسه عن مصائب إن كانت تقدَّمت له مما يخفِّف ويسكن من عادية الغم. وأيضًا فإنه إن كان أكثرُ الناس وأشدُّهم غمًّا من كانت محبوباته أكثر عددًا وكان لها أشدَّ حُبًا
[ ٦٨ ]
فإنه ليس من واحدٍ يفقد منها إلا وفقد من الغم على مقداره، بل يُريح نفسه من همٍ دائم وخوفٍ عليه منتظر، ويحدث له وجرة وجَلَد على ما يحدث منها بعدُ، فقد جرَّ فقدُها نفعًا وإن كان الهوى لذلك كارهًا، فاكتسب راحةً وإن كان متذوقها مرًا وفي مثل هذه المعاني يقول الشاعر:
لَعمرِي لَئِن كنّا فَقَدناكَ سيِّدًا وكهفًا له طالَ التَحزُّنُ والهَلَع
لقد جَرَّ نفعًا فَقْدُنا لك أنّنا أَمِنّا على كلِّ الرَزايا من الجَزَع
فأما ما يعتصم به المؤثر لاتباع ما يدعوه إليه عقله وتجنُّب ما يدعوه إليه هواه، التامُّ الملكةِ والضابطُ لنفسه من الغم فواحدة، وهي أن العاقل الكامل لا يختار المُقام على حالةٍ تضرُّه، ومن أجل ذلك يبادر إلى النظر في سبب الغم الوارد عليه. فإن كان مما يمكن دفعه وإزالتهُ جعل بدل الاغتنام فكرًا في الحيلة لدفع ذلك السبب وإزالته، وإن كان ذلك فيه أخذ على المكان في التلهي عنه والتناسي له وعَمِلَ في محوه عن فكره وإخراجه عن نفسه. وذلك أن الذي يدعوه إلى المُقام على الاغتنام في هذه الحالة الهوى لا العقل، إذ العقل لا يدعو إلا إلى ما جلب نفعًا عاجلًا وآجلًا، وكان الاغتنام مما لا دَرَكَ فيه بتةً ولا عائدةَ منه بل فيه ضررٌ عاجل يؤدِّي إلى ضرر آجل فضلًا عن أن يكون نافعًا. وهو أعني الرجل العاقل الكامل لا يتبع إلا ما دعاه إليه العقل ولا يُقيم إلا على ما أُطلق له المقامُ عليه لسببٍ وعذرٍ واضح، ولا يتبع الهوى ولا ينقاد له ولا يقاربه على خلاف ذلك
[ ٦٩ ]