والقوة تقال بضرب من التشكيك على الملكات والصور حين ليس تفعل كما يقال في النار أنها محرقة بالقوة إذا لم تحضرها المادة الملائمة للإحراق، وعلى القوى المنفعلة كما يقال في الخبر انه دم بالقوة، وفي الدم أنه لحم بالقوة، وذلك إذا لم يحضر المحرك، وطاهر أن هذه القوة الغاذية من جنس القوى الفاعلة، وذلك أن الغذاء لما كان صنفين: أحدهما الذي بالفعل وذلك إذا استحال إلى جوهر المغتذي. والثاني الذي بالقوة، وذلك قبل أن يستحيل إلى جوهر المغتذي، والذي بالقوة كما قيل في غير ما موضع إنما يصير إلى الاستكمال من قبل المحرك الذي بالفعل. إلا أن القوة أيضًا لما كانت صنفين قريبة وبعيدة والقوة البعيدة في الغذاء المحرك لها ضرورة غير النفس الغاذية، كالقوة التي في الأسطقسات أن يكون لحمًا. وأما القوة القريبة مثل ما نقول في الخبز انه غذاء بالقوة فالمحرك لها هي النفس العأذية ولذلك هي ضرورة قوة فاعلة.
وقد قيل كيف يكون الفعل والانفعال على العموم في هذه الحركة، وفي غيرها من الحركات في الأولى من الكون والفساد، وقيل هناك أن المنفعل يلزم أن يكون من جهة شبيهًا ومن جهة ضدًا فأما أن الانفعال الموجود في الغذاء هو في الجوهر فذلك بين بنفسه. وأما أن هذه القوة الغاذية نفس فذلك بين من أنها صورة لجسم آلي، وهي بالجملة إثما تفعل مما هو جزء عضو آلي. بالقوة جزِء عضو آلي بالفعل، وبين أن مثل هذا التحريك والفعل ليس منسوبًا إلى النار. فأما الآلة التي بها تفعل هذه القوة الاغتذاء فهي الحرارة ضرورة، وليس أي حرارة اتفقت بل حرارة ملائمة لهذا الفعل، وهي المسماة الحرارة الغريزية، وذلك أن هذه النفس إنما تفعل كما يظهر من أمرها جزء عضو عضو من أعضاء المتغذي والأعضاء مركبة من الأسطقسات، والمركب من الأسطقسات إنما يصير واحدًا على ما تبين بالمزاج، والمزاج إنما يكون بالحرارة كما قيل في الآثار العلوية، فإذن الحرارة هي الآلة الملائمة لهذا الفعل، وليس هذه الحرارة هي النفس كما ظن جالينوس وغيره. فإن فعل الحرارة ليس بمرتب ولا محدود ولا تفعل نحو غاية مقصودة كما يظهر ذلك من أفعال النفس، ولا يصح أن ينسب الترتيب إلى الحرارة إلا بالعرض على ما كان يرى كثير من القدماء.
وهذه الحرارة هي الموضوع القريب الأول لهذه النفس التي تتنزل منها منزلة الهيولى، وذلك شيء بالواجب عرض لكل محرك ليس بجسم وهو في جسم إذا حرك جسمًا آخر، أعني انه إنما يكون تحريكه له من جهة ما هو موجود في جسم هو صورة فيه، وإلا لم يمكن فيه أن يحرك الجسم الآخر كالحال في النفس الغاذية، والغذاء في النفس المحركة لجسم الحيوان في المكان على ما سيظهر بعد.
فأما السبب الغائي الذي من اجله وجدت هذه القوة في الحيوان وفي النبات فهو الحفظ. وذلك أن أجساد المتنفسات لطيفة متخلخلة سريعة التحلل، فلو لم تكن فيها قوة شأنها أن يخلف بدل ما تحلل منها أمكن في المتنفس أن يبقى زمانًا له طول ما، وإذا كان هذا كله من أمر هذه القوة كما وصفنا فإذن هذه القوة هي التي من شأنها أن تصير بالحار الغريزي، مما هو جزء عضو بالقوة جزء عضو بالفعل، لتحفظ بذلك على المتنفس بقاءه ولذلك كان إخلال فعل هذه القوة موتًا.
[ ٤ ]
وهاهنا قوة أخرى منسوبة إلى النبات هي كالكمال والصورة للقوة الغاذية، إذ كانت لا يمكن أن توجد خلوا من الغاذية، ويمكن أن توجد الغاذية خلوا منها وهي القوة النامية، وهذه القوة هي القوة التي من شأنها عندما تولد الغاذية من الغذاء أكثر مما تحلل من الجسم أن تنمي الأعضاء في جميع أجزائها وأقطارها على نسبة واحدة، وهو بين أن هذه القوة مغايرة بالماهية للغاذية. فإن فعل التنمية غير فعلِ الحفظ، فإن هذه القوة قوة فاعلة، فبين مما رسمناها به كذلك أيضًا كونها نفسًا.
وأما السبب الغائي الذي من اجله وجدت هذه القوة فإنه لما كانت الأجسام الطبيعية لها أعظام محدودة وكان لا يمكن في الأجسام المتنفسة أن توجد لها من أول الأمر العظم الذي يخصها احتيج إلى هذه القوة، ولذلك إذا ما بلغ الموجود العظم الذي له بالطبع كفت هذه القوة.
وبين مما قبل أيضًا في النفس الغاذية أن آلة هذه القوة هي الحرارة الغريزية، فأما كيف تكون هذه الحركة وبماذا تكون فقد لخص القول في ذلك في كتاب الكون والفساد، وليس هذا الفعل فقط ينسب لهذه النفس، أعني النمو بل وضده وهو الاضمحلال. فإن هذه الحركة أيضًا محدودة مرتبة وذلك أنها إذا عرضت تعرض في كل نقطة وجزء محسوس من أجزاء المضمحل على السواء وليس مثل هذا الاضمحلال ما يمكن أن ينسب إلى ما من خارج فقط.
ولما كانت أيضًا هذه الأجسام المتنفسة منها متناسلة، ومنها غير متناسلة، وكانت المتناسلة هي التي يمكن فيها أن توجد مثلها بالنوع أو شبيهًا بها وذلك بما يوجد عنها من البزور والمني، فإذن هاهنا قوة أخرى تفعل من الغذاء ما شأنه أن يتكون عنه مثل الشخص الذي توجد له هذه القوة.
وبين من هذا أن هذه القوة فاعلة وأنها نفس، وأن آلتها هي الحرارة الغريزية، إذ كان لا فرق بين هذه القوة والقوة الغاذية، إلا أن هذه القوة شأنها أن تفعل مما هو بالقوة شخص من نوعه شخصًا بالفعل، والغاذية إنما تفعل جزء شخص، وإنما جعلت هذه القوة في الأشياء التي هي موجودة فيها لا على جهة الضرورة، كالحال في القوة الغاذية والنامية بل على جهة الأفضل لتكون لهذه الموجودات حظ من البقاء الأزلي بحسب ما يمكن في طباعها. فإن اقرب شيء إلى الوجود الضروري بالشخص هو هذا الوجود، وكانت هذه الموجودات أعطيت من أول الأمر وجودها وقوة تحفظ بها وجودها.
وأما غير المتناسلة فلم تعط إلا وجودها فقط لأنه لم يمكن فيها أكثر من ذلك.
فهاهنا إذن ثلاث قوى: أولها الغاذية هي كالهيولى لهاتين القوتين، أعني النامية، والمولدة. إذ كان قد توجد الغاذية دونهما وليس توجد أن دون الغاذية. أما المولدة فكأنها تمام القوة النامية، ولذلك ما تصرف الطباع الفضلة من الغذاء الذي كان بها النمو عند كمال النمو إلى التوليد فتكون منها البزور والمني، وهذه القوة أعني قوة التوليد قد يمكن أيضًا أن تفارق الغاذية، وذلك في آخر العمر. وأما مفارقة الغاذية فهو موت، فقد تبين من هذا القول ما النفس الغاذية والمنمية والمولدة، وأي آلة آلتها، ولم كان كل واحد منها في الجسم المتنفس فلنقل في القوة التي تتلو هذه في الحيوان وهي قوة الحس.