فنقول إنه يظهر من قرب عما وضع في القول المتقدم أن النفس صورة لجسم طبيعي آلي، وذلك أنه إذا كان كل جسم مركب من مادة وصورة، وكان الذي بهذه الصفة في الحيوان هو النفس والبدن، وكان ظاهرًا من أمر النفس أنها ليست بمادة للجسم الطبيعي، فبين أنها صورة ولا الصورة الطبيعية هي كمالات أول للأجسام التي هي صور لها، فبالواجب ما قيل في حد النفس أنها استكمال أول الجسم طبيعي آلي، وإنما قيل أول تحفظًا من الاستكمالات الأخيرة التي هي في الأفعال والانفعالات، فإن مثل هذه استكمالات تابعة للاستكمالات الأول، إذ كانت صادرة عنها إلا أن هذا الحد لما كان مما يظهر انه يقال بتشكيك على جميع قوى النفس، وذلك أن قولنا في الغاذية أنها استكمال غير معنى قولنا ذلك في الحساسة والمتخيلة، وأحرى ما قيل ذلك باشتراك على القوة الناطقة، وكذلك سائر أجزاء الحد لم تكن كفاية في تعرف جو هر كل جزء من أجزائها من هذا الحد على التمام، حتى نعرف ما هذا الاستكمال الموجود في النفس الغاذية وفي واحدة واحدة منها وهذه النفس يظهر بالحس من أفعالها أن أجناسها خمسة: أولها في التقديم بالزمان وهو التقدم الهيولاني والنفس النباتية ثم الحساسة، ثم المتخيلة، ثم الناطقة، ثم النزوعية، وهي كاللاحق لهاتين القوتين، أعني المتخيلة والحساسة، وأن الحساسة خمس قوى: قوة البصر، وقوة السمع، وقوة الشم، وقوة الذوق، وقوة اللمس، وسنبين بآخره أن عددها هذا العدد ضرورة، وأنه لا يمكن أن توجد قوة أخرى من قوى الحس غير هذه وليس هذه القوى يوجد لها التباين من جهة أفعالها فقط، بل ولأن بعضها قد يفارق بعضًا بالموضوع، وذلك أن النباتية قد توجد في النبات دون الحساسة، والحساسة من دون المتخيلة في كثير من الحيوان كالذباب وغيره، وأن كان ليس يوجد الأمر فيها بالعكس، أعني أن توجد الحساسة من دون الغاذية أو المتخيلة من دون الحساسة.
[ ٣ ]
والعلة في ذلك أن ما كان منها يجري مجرى الهيولى لبعض لم يكن في ذلك البعض أن يفارق هيولاه وأمكن في تلك القوة التي تتنزل من تلك الأخيرة منزلة الهيولى أن تفارق، لكن لا من جهة ما هي هيولى لشيء بل من جهة ما هي كمال وتمام للشيء الذي هي له تمام. ولذلك لم يمكن في الهيولى الأولى أن تفارق إذ كان ليس فيها صورة بالفعل تكون لها مستعدة لقبول صورة أخرى، وأمكن ذلك في المركب الذي هو من جهة هيولى ومن جهة صورة.
ونحن إنما نبتدئ من هذه القوى بأشدها تقدمًا في الزمان كما فعل أرسطر، وهو التقدم الهيولاني والقوة التي هذه صفتها هي النفس الغاذية فلنبدأ من القول فيها.