أثر التَّفَرُّد في اختلاف الْحَدِيْث، وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء
التَّفَرُّدُ في اللغة:
مأخوذ من الفعل الثلاثي المزيد بحرفين (تَفَرَّدَ).
يقال: فَرَدَ بالأمر والرأي: انْفَرَدَ، وفَرَدَ الرجلُ: كَانَ وحده مُنْفرِدًا لا ثاني مَعَهُ. وفَرَّدَ برأيه: اسْتَبَدَّ.
وَقَدْ أشار ابن فارس (٤) إلى أن جميع تراكيب واشتقاقات هَذَا الأصل تدل عَلَى الوحدة. إِذْ قَالَ: «الفاء والراء والدال أصل صَحِيْح يدل عَلَى وحدة. من ذَلِكَ: الفرد وَهُوَ الوتر، والفارد والفرد: الثور المنفرد » (٥).
التفرد في الاصطلاح:
عرّفه أبو حفص الميانشي (٦) الفرد بأنه: ما انفرد بروايته بعض الثقات عن شيخه،
_________________
(١) التمهيد ١٧/ ١٠٠.
(٢) التمهيد ١٧/ ١٠٠، وإكمال المعلم ٦/ ٦٠٦.
(٣) حاشية العدوي ٢/ ٣٥٨، والموسوعة الفقهية ١١/ ٢٤.
(٤) الإمام العلامة اللغوي المحدّث أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا القزويني، المعروف بالرازي، المالكي، من مؤلفاته: " المجمل " و" الحجر " و" معجم مقاييس اللغة "، توفي سنة (٣٩٥ هـ)، وَقِيْلَ: (٣٩٠ هـ). سير أعلام النبلاء ١٧/ ١٠٣، والبداية والنهاية ١١/ ٢٨٧، والأعلام ١/ ١٩٣.
(٥) مقاييس اللغة ٤/ ٥٠٠. وانظر: لسان العرب ٣/ ٣٣١، وتاج العروس ٨/ ٤٨٢، والمعجم الوسيط ٢/ ٦٧٩، ومتن اللغة ٤/ ٣٧٩.
(٦) هُوَ أبو حفص عمر بن عَبْد المجيد القرشي الميانشي، له كراس في علم الْحَدِيْث أسماه: " ما لا يسع المحدّث جهله "، توفي بمكة سنة (٥٨١ هـ). العبر ٤/ ٢٤٥، والأعلام ٥/ ٥٣. وَقَدْ وقع في بعض مصادر ترجمته (الميانشي)، نسبة إلى (مَيّانِش) قرية من قرى المهدية. انظر: معجم البلدان ٥/ ٢٣٩، والعبر ٤/ ٢٤٥، ونكت الزركشي ١/ ١٩٠، وتاج العروس ١٧/ ٣٩٢. وفي بعضها (الميانجي) وَهِيَ نسبة إلى (ميانج) موضع بالشام، أو إلى (ميانه) بلد بأذربيجان. =
[ ٨٩ ]
دون سائر الرُّوَاة عن ذَلِكَ الشيخ (١).
ويظهر من هَذَا التعريف بعض القصور في دخول بعض أفراد المُعَرَّف في حقيقة التعريف، إِذْ قَصَرَه عَلَى انفراد الثقة فَقَطْ عن شيخه (٢).
وعرّف الدكتور حمزة المليباري التفرد وبيّن كيفية حصوله، فَقَالَ: «يراد بالتفرد: أن يروي شخص من الرُّوَاة حديثًا دون أن يشاركه الآخرون» (٣).
وهذا التعريف الأخير أعم من التعريف الأول، فإنه شامل لتفرد الثقة وغيره، وعليه تدل تصرفات نقاد الْمُحَدِّثِيْنَ وجهابذة الناقلين، ولقد كثر في تعبيراتهم: حَدِيْث غريب، أو تفرّد بِهِ فُلاَن، أو هَذَا حَدِيْث لا يعرف إلا من هَذَا الوجه، أَوْ لا نعلمه يروى عن فُلاَن إلاّ من حَدِيْث فُلاَن، ونحوها من التعبيرات (٤).
ولربما كَانَ الحامل للميانشي عَلَى تخصيص التعريف بالثقات دون غيرهم، أن رِوَايَة الضعيف لا اعتداد بِهَا عِنْدَ عدم المتابع والعاضد. ولكن من الناحية التنظيرية نجد الْمُحَدِّثِيْنَ عِنْدَ تشخيصهم لحالة التفرد لا يفرقون بَيْنَ كون المتفرد ثقة أو ضعيفًا، فيقولون مثلًا: تفرد بِهِ الزهري، كَمَا يقولون: تفرد بِهِ ابن أبي أويس (٥).
وبهذا المعنى يظهر الترابط الواضح بَيْنَ المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي، إِذْ إنهما يدوران في حلقة التفرد عما يماثله.
والتفرد ليس بعلة في كُلّ أحواله، ولكنه كاشف عن العلة مرشد إلى وجودها، وفي هَذَا يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي: «وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الْحَدِيْث إذا تفرد بِهِ واحد - وإن لَمْ يروِ الثقات خلافه -: إنه لا يتابع
_________________
(١) = انظر: الأنساب ٥/ ٣٢٠، واللباب ٣/ ٢٧٨، ومعجم البلدان ٥/ ٢٤٠، ومراصد الاطلاع ٣/ ١٣٤١. وكذا نسبه الحافظ ابن حجر في النُّزهة: ٤٩، وتابعه شرّاح النّزهة عَلَى ذَلِكَ. انظر مثلًا: شرح ملا علي القاري: ١١.
(٢) ما لا يسع المحدّث جهله: ٢٩.
(٣) وأجاب عَنْهُ بعضهم بأن رِوَايَة غَيْر الثقة كلا رِوَايَة. التدريب ١/ ٢٤٩.
(٤) الموازنة بَيْنَ منهج المتقدمين والمتأخرين: ١٥.
(٥) انظر عَلَى سبيل المثال: الجامع الكبير، للترمذي عقب (١٤٧٣) و(١٤٨٠ م) و(١٤٩٣) و(١٤٩٥) و(٢٠٢٢).
(٦) هُوَ إسماعيل بن عَبْد الله بن أويس بن مالك الأصبحي، أَبُو عَبْد الله بن أبي أويس المدني: صدوق، أخطأ في أحاديث من حفظه، توفي سنة (٢٢٦ هـ) وَقِيْلَ: (٢٢٧ هـ). تهذيب الكمال ١/ ٢٣٩ و٢٤٠ (٤٥٢)، وسير أعلام النبلاء ١٠/ ٣٩١ و٣٩٥، والكاشف ١/ ٢٤٧ (٣٨٨).
[ ٩٠ ]
عَلَيْهِ. ويجعلون ذَلِكَ علة فِيْهِ، اللهم إلاّ أن يَكُوْن ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أَيْضًا ولهم في كُلّ حَدِيْث نقد خاص، وليس عندهم لِذَلِكَ ضابط يضبطه» (١).
ومعنى قوله: «ويجعلون ذَلِكَ علة»، أن ذَلِكَ مخصوص بتفرد من لا يحتمل تفرده، بقرينة قوله: «إلا أن يَكُوْن ممن كثر حفظه »، فتفرده هُوَ خطؤه، إِذْ هُوَ مظنة عدم الضبط ودخول الأوهام، فانفراده دال عَلَى وجود خلل ما في حديثه، كَمَا أن الحمّى دالة عَلَى وجود مرض ما، وَقَدْ وجدنا غَيْر واحد من النقاد صرح بأن تفرد فُلاَن لا يضر، فَقَدْ قَالَ الإمام مُسْلِم: «هَذَا الحرف لا يرويه غَيْر الزهري، قَالَ: وللزهري نحو من تسعين حديثًا يرويها عن النَّبِيّ - ﷺ - لا يشاركه فِيْهَا أحد بأسانيد جياد» (٢).
وَقَالَ الحافظ ابن حجر: «وكم من ثقة تفرد بما لَمْ يشاركه فِيْهِ ثقة آخر، وإذا كَانَ الثقة حافظًا لَمْ يضره الانفراد» (٣).
وَقَالَ الزيلعي (٤): «وانفراد الثقة بالحديث لا يضره» (٥).
وتأسيسًا عَلَى ما أصّلناه من قَبْل من أن تفرد الرَّاوِي لا يضر في كُلّ حال، ولكنه ينبه الناقد عَلَى أمر ما، قَالَ المعلمي اليماني: «وكثرة الغرائب إنما تضر الرَّاوِي في أحد حالين:
الأولى: أن تكون مع غرابتها منكرة عن شيوخ ثقات بأسانيد جيدة.
الثانية: أن يَكُوْن مع كثرة غرائبه غَيْر معروف بكثرة الطلب» (٦).
وتمتع هَذَا الجانب من النقد الحديثي باهتمام النقاد، فنراهم يديمون تتبع هَذِهِ الحالة وتقريرها، وأفردوا من أجل ذَلِكَ المصنفات، مِنْهَا: كتاب "التفرد" (٧) للإمام أبي داود، و"الغرائب والأفراد" (٨) للدارقطني، و"المفاريد" (٩) لأبي يعلى، واهتم الإمام
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٤٠٦.
(٢) الجامع الصَّحِيْح ٥/ ٨٢ عقب (١٦٤٧).
(٣) فتح الباري ٥/ ١١.
(٤) الفقيه عالم الْحَدِيْث أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن يوسف بن مُحَمَّد الزيلعي، من مؤلفاته: " نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية " و" تخريج أحاديث الكشاف "، توفي سنة (٧٦٢ هـ). الدرر الكامنة ٢/ ٣١٠، والأعلام ٤/ ١٤٧.
(٥) نصب الراية ٣/ ٧٤.
(٦) التنكيل ١/ ١٠٤.
(٧) هُوَ مفقود وَكَانَ موجودًا في القرن الثامن، والمزي ينقل مِنْهُ كثيرًا في تحفة الأشراف انظر عَلَى سبيل المثال ٤/ ٦٣٠ (٦٢٤٩)، والرسالة المستطرفة: ١١٤.
(٨) وَقَدْ طبع ترتيبه للمقدسي في دار الكتب العلمية ببيروت عام ١٩٩٨ م.
(٩) طبع بتحقيق عَبْد الله بن يوسف جديع في دار الأقصى، الكويت، الطبعة الأولى ١٩٨٥ م.
[ ٩١ ]
الطبراني في معجميه الأوسط والصغير بذكر الأفراد، وكذا فعل البزار في مسنده، والعقيلي (١) في ضعفائه. وَهُوَ ليس بالعلم الهيّن، فهو «يحتاج لاتساع الباع في الحفظ، وكثيرًا ما يدعي الحافظ التفرد بحسب علمه، ويطلّع غيره عَلَى المتابع» (٢).
وفي كُلّ الأحوال فإن التفرد بحد ذاته لا يصلح ضابطًا لرد الروايات، حَتَّى في حالة تفرد الضعيف لا يحكم عَلَى جميع ما تفرد بِهِ بالرد المطلق، بَلْ إن النقاد يستخرجون من أفراده ما يعلمون بالقرائن والمرجحات عدم خطئه فِيْهِ، وَهُوَ ما نسميه بعملية الانتقاء، قَالَ سفيان الثوري: «اتقوا الكلبي (٣)، فقيل لَهُ: إنك تروي عَنْهُ، قَالَ: إني أعلم صدقه من كذبه» (٤).
ومثلما أن تفرد الضعيف لا يرد مطلقًا، فكذلك تفرد الثقة - وكما سبق في كلام ابن رجب - لا يقبل عَلَى الإطلاق، وإنما القبول والرد موقوف عَلَى القرائن والمرجحات. قَالَ الإمام أحمد: «إذا سَمِعْتَ أصحاب الْحَدِيْث يقولون: هَذَا حَدِيْث غريب أَوْ فائدة. فاعلم أنه خطأ أو دخل حَدِيْث في حَدِيْث أَوْ خطأ من المُحدِّث أَوْ حَدِيْث ليس لَهُ إسناد، وإن كَانَ قَدْ رَوَى شعبة وسفيان، فإذا سمعتهم يقولون: هَذَا لا شيء، فاعلم أنه حَدِيْث صَحِيْح» (٥).
وَقَالَ أبو داود: «والأحاديث الَّتِيْ وضعتها في كتاب "السنن" أكثرها مشاهير، وَهُوَ عِنْدَ كُلّ من كتب شَيْئًا من الْحَدِيْث، إلا أن تمييزها لا يقدر عَلَيْهِ كُلّ الناس، والفخر بِهَا: بأنها مشاهير، فإنه لا يحتج بحديث غريب، وَلَوْ كَانَ من رِوَايَة مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أئمة العلم» (٦).
ونحن نجد أمثلة تطبيقية متعددة في ممارسة النقاد، مِنْهَا قَوْل الحافظ ابن حجر في حَدِيْث صلاة التسبيح: «وإن كَانَ سند ابن عَبَّاسٍ يقرب من شرط الحسن إلا أنه شاذ
_________________
(١) هُوَ الحافظ الناقد أبو جعفر مُحَمَّد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي الحجازي صاحب كتاب " الضعفاء الكبير "، توفي سنة (٣٢٢ هـ). سير أعلام النبلاء ١٥/ ٢٣٦ و٢٣٨، والعبر ٢/ ٢٠٠، وتذكرة الحفاظ ٣/ ٨٣٣ - ٨٣٤.
(٢) نكت الزركشي ٢/ ١٩٨.
(٣) هُوَ أبو النضر مُحَمَّد بن السائب بن بشر الكلبي، متهم بالكذب، ورمي بالرفض، توفي سنة (١٤٦ هـ). كتاب المجروحين ٢/ ٢٦٢، وسير أعلام النبلاء ٦/ ٢٤٨ - ٢٤٩، والتقريب (٥٩٠١).
(٤) الكامل ٧/ ٢٧٤، وميزان الاعتدال ٣/ ٥٥٧.
(٥) الكفاية (١٤٢ هـ، ٢٢٥ ت). والمراد من الجملة الأخيرة، أن الْحَدِيْث لا شيء يستحق أن ينظر فِيْهِ، لكونه صحيحًا ثابتًا.
(٦) رسالة أبي داود إلى أهل مكة (مع بذل المجهود) ١/ ٣٦.
[ ٩٢ ]
لشدة الفردية وعدم المتابع والشاهد من وجه معتبر» (١).
ويمكننا أن نقسم التفرد - حسب موقعه في السند - إلى قسمين: