مخالفة الْحَدِيْث للقرآن الكريم
من المتفق عَلَيْهِ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ أنّ القرآن الكريم من حَيْثُ الثبوت قطعي لا مراء فِيْهِ، في حين أنّ خبر الآحاد لا يعدو كونه ظني الثبوت، إذ إنّ احتمال وجود الخطأ في رِوَايَة الحفاظ الثقات أمر وارد، وَقَدْ قَالَ الإمام أحمد: «ومن ذا الَّذِي يعرى من التصحيف والخطأ» (٨).
ومع توافر هَذِهِ الشبهة في خبر الآحاد، فإنه لا مجال للقول بقطعية ثبوته؛ لأنّ
_________________
(١) انظر: الاستذكار ٣/ ١٩٥.
(٢) انظر: المدونة الكبرى ١/ ٢١٨، والاستذكار ٣/ ١٩٥.
(٣) انظر: المحلى ٦/ ١٨٩ - ١٩٠، والمجموع ٣/ ٣٤٥.
(٤) أخرجه عبد الرزاق (٧٤٦٣) وللحديث طريق آخر مرسل أيضًا، ذكره ابن حزم في المحلى ٦/ ١٩٠، وَقَالَ النووي: «حَدِيْث الحسن ضعيف جدًا». المجموع ٦/ ٣٤٥.
(٥) انظر: الاستذكار ٣/ ١٩٤، وهذه الرِّوَايَة معارضة لما سبق ذكره عن الشعبي أن لا كفارة في الوطء وغيره.
(٦) انظر: الاستذكار ٣/ ١٩٥.
(٧) كَذَلِكَ. وذكر النووي روايات أخرى عن بَعْض الصَّحَابَة والتابعين والفقهاء في ما عَلَى من أفطر في رَمَضَان عامدًا بغير جماع. المجموع ٦/ ٣٢٩ - ٣٣٠، وانظر: المحلى ٦/ ١٨٩ - ١٩١.
(٨) مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث: ٣٨٣، وطبعة نور الدين: ٢٥٢.
[ ١٥١ ]
«ما فِيْهِ شبهة لا يعارض ما لَيْسَ فِيْهِ شبهة» (١). ومن ثَمَّ فإنه لا وجه للقول باستوائهما من ناحية الاستدلال، فضلًا عن تعارضهما؛ لذا نجد فقهاء الحنفية (٢) وبعض فقهاء المالكية (٣) عند معارضة خبر الآحاد للقرآن الكريم يوجبون ردّه، أو تأويله عَلَى وجه يجمع بَيْنَهُمَا.
ويُعلّلون هَذَا الاشتراط: بأنّ «خبر الواحد يحتمل الصدق والكذب، والسهو والغلط، والكتاب دليل قاطع، فَلاَ يقبل المحتمل بمعارضة القاطع، بَلْ يخرج عَلَى موافقته بنوع تأويل» (٤).
وبالمقابل فإننا نجد الجُمْهُوْر يلغون هَذَا الاشتراط، ويجوزون تخصيص عموم نصوص الكِتَاب بخبر الواحد عِنْدَ التعارض، كَمَا يجوز تقييد ما أطلق من نصوصه بِهَا (٥)؛ وذلك أنّ الحنفية ومن وافقهم يرون الزيادة عَلَى النص نسخًا (٦)، وكيف يصح رفع المقطوع بالمظنون؟
والجمهور يقولون: إنّ الزيادة عَلَى النص ليست من باب النسخ دائمًا (٧)، وإنما قَدْ تَكُوْن بيانًا، أو تخصيصًا، أو تقييدًا. وفي مسألة البيان لا يشترط تكافؤ الأدلة من حَيْثُ عدد ناقليها.
ونستطيع أن نتلمس أثر هَذَا الخلاف في اختلاف الفقهاء من خلال الأمثلة الآتية: