الكشف عن الاختلاف
الكشف عن الاختلافات الحديثية الواقعة في الأسانيد والمتون ليس بالأمر الهيّن اليسير، بَلْ هُوَ أمر شاق للغاية، ولا يتمكن لَهُ إلا من رزقه الله فهمًا واسعًا واطلاعًا كبيرًا. ومعرفة الاختلافات الواقعة في المتون والأسانيد لا يمكن الوصول إليها إلا بجمع الطرق والنظر فِيْهَا مع الْمَعْرِفَة التامة بالرواة والشيوخ والتلاميذ، وكيفية تلقي التلاميذ من الشيوخ والأحوال والوقائع وطرق التحمل وكيفية الأداء من أجل مَعْرِفَة الخطأ من الصواب وكيفية وقوع الخلل والخطأ في الرِّوَايَة. وهذا يستدعي جهدًا
_________________
(١) مطبوع في آخر كتاب الأم، وطبع مفردًا عام ١٤٠٦ هـ- ١٩٨٦ م عَنْ دار الكتب العلمية.
(٢) هُوَ عَبْد الله بن مُسْلِم بن قتيبة الدِّينوري، أبو مُحَمَّد، الكاتب الثقة، سكن بغداد، صاحب التصانيف مِنْهَا: " عيون الأخبار " و" غريب الْحَدِيْث " و" تأويل مختلف الْحَدِيْث " وغيرها، توفي سنة (٢٧٦ هـ). تاريخ بغداد ١٠/ ١٧٠ - ١٧١، وسير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٩٦، وميزان الاعتدال ٢/ ٥٠٣. وكتابه مطبوع أكثر من مرة.
(٣) هُوَ زكريا بن يحيى بن عَبْد الرحمان البصري أبو يحيى الساجي، محدِّث البصرة وشيخها، من كتبه: " اختلاف العلماء " و" علل الْحَدِيْث " وغيرهما، توفي سنة (٣٠٧ هـ). سير أعلام النبلاء ١٤/ ١٩٧ - ٢٠٠، والبداية والنهاية ١١/ ١١١، وشذرات الذهب ٢/ ٢٥٠ - ٢٥١.
(٤) هُوَ أحمد بن مُحَمَّد بن سلامة الأزدي المصري أبو جعفر الحنفي، ولد سنة (٢٣٩ هـ)، قَالَ ابن يونس: كَانَ ثقة ثبتًا فقيهًا عاقلًا، لَمْ يخلف مثله، من تصانيفه: " أحكام القرآن " و" اختلاف العلماء " وغيرهما، توفي سنة (٣٢١ هـ). تاريخ دمشق ٥/ ٣٦٧، ووفيات الأعيان ١/ ٧١، وتذكرة الحفاظ ٣/ ٨٠٨ - ٨١١.
(٥) هُوَ عَبْد الرحمان بن علي بن مُحَمَّد القرشي البكري أبو الفرج البغدادي، الحافظ المفسر الواعظ الإمام، من تصانيفه: " زاد المسير " و" صفة الصفوة " و" جامع المسانيد " وغيرها، توفي سنة ٥٩٧ هـ. وفيات الأعيان ٣/ ١٤٠، وتاريخ الإِسْلاَم وفيات سنة (٥٩٧ هـ): ٢٨٧، وغاية النهاية ١/ ٣٧٥.
[ ٤٧ ]
جهيدًا، قَالَ الحافظ ابن حجر: «هَذَا الفن أغمض أنواع الْحَدِيْث وأدقها مسلكًا، ولا يقوم بِهِ إلا مَنْ منحه الله تَعَالَى فهمًا غائصًا، واطلاعًا حاويًا وإدراكًا لمراتب الرواة ومعرفة
ثاقبة» (١).
وَقَالَ ابن رجب الحنبلي: «حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث، ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كُلّ واحد مِنْهُمْ، لَهُمْ فهم خاص يفهمون بِهِ أن هَذَا الْحَدِيْث يشبه حَدِيْث فُلاَن، ولا يشبه حَدِيْث فُلاَن فيعللون الأحاديث بِذَلِكَ» (٢).
ويشترط فيمن يتكلم في العلل ويكشف عن اختلافات المتون والأسانيد أن يَكُوْن ملمًا بالروايات مطلاعًا للكتب واسع البحث كثير التفتيش، لذا قَالَ ابن رجب الحنبلي: «ولابدَّ في هَذَا العلم من طول الممارسة، وكثرة المذاكرة، فإذا عدم المذاكرة بِهِ فليكثر طالبه المطالعة في كلام الأئمة العارفين كيحيى القطان، ومن تلقى عَنْهُ كأحمد وابن المديني (٣) وغيرهما، فمن رزق مطالعة ذَلِكَ، وفهمه وفقهت نفسه فِيْهِ وصارت لَهُ فِيْهِ قوة نفس وملكة، صلح لَهُ أن يتكلم فِيْهِ» (٤).ويشترط فيمن يريد الكشف عن الاختلافات الحديثية أن يعرف الأسانيد الصحيحة والواهية. والثقات الذِيْن ضعفوا في بعض شيوخهم، والثقات الَّذِيْنَ تقوّى أحاديثهم بروايتهم عن بعض الشيوخ؛ لأنه مدار الترجيح وبه يعرف تعيين الخطأ من الصَّحِيْح.
وبالإمكان تنظير نقاط ندرك من خلالها الاختلافات سواء أكانت في المتون أم في الأسانيد، يستطاع من خلالها كشف الوهم والاختلافات، وكيفية التعامل مع ذَلِكَ تصحيحًا أَوْ تضعيفًا وكما يأتي: