الدليل، فحثوا عن دليله؛ لعلمهم، أن مثل هؤلاء النقاد لا يتكلمون بالمجازفة أو الحدس.
روى بن أبي حاتم (١)، عن ابن أبي الثلج، قال: كنا نذكر هذا الحديث - يعني: حديث موسى بن أَعْين،
عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر - مرفوعًا ـ: "إن الرجل ليكون من أهل الصوم، والصلاة والزكاة والحج"، حتى ذكر سهام الخير "فما يُجزى يوم القيامة إلا بقدر عقله" ـ، ليحيى بن معين، سنتين أو ثلاثة، فيقول: هو باطل؛ ولا يدفعه بشيء، حتى قدم علينا زكريا بن عدي، فحدثنا بهذا الحديث، عن عبيد الله بن عمرو، عن إسحاق بن أبي فروة؛ فأتيناه (٢)، فأخبرناه، فقال: هذا بابن أبي فروة أشبه منه بعبيد الله بن عمرو"
***
ولم يكونوا يكتفون بالسماع المجرد، وإنما تعدَّوا ذلك، فاعتنوا بجمع الأصول، والوقوف على الكتب الحديثية، فإن الحفظ يخون، بخلاف الكتاب، فإنه أصون وأبعد عن الخطأ والوهم.
ولهذا؛ كانوا يرجعون إلى الأصول والكتب إذا استنكروا ما يحدِّث به الراوي من حفظه، فإن وجدوا له أصلًا في كتبه عرفوا أنه صواب، وإلا فلا.
_________________
(١) "العلل" (١٨٧٩) .
(٢) يعني: ابن معين.
[ ١٧ ]
وكانوا - أيضًا - إذا اختلفوا فيما بينهم في حديثٍ أو أحاديث، رجعوا إلى الكتب، فتحاكموا إلى ما فيها.
قال عبد الله بن المبارك (١):
"إذا اختلف الناس في حديث شعبة، فكتاب غندر حكم بينهم".
ورأى أحمد بن حنبل (٢) يحيى بن معين في زاوية بصنعاء، وهو يكتب صحيفة: "معمر، عن أبان، عن أنس"، فإذا اطلع عليه إنسان كتمه.
فقال أحمد بن حنبل له: تكتب صحيفة: "معمر، عن أبان، عن أنس"، وتعلم أنها موضوعة؟! فلو قال لك قائل: أنت تتكلم في "أبان"، ثم تكتب حديثه على الوجه؟!
قال: رحمك الله؛ يا أبا عبد الله! أكتب هذه الصحيفة "عن عبد الرزاق، عن معمر، عن أبان، عن أنس" وأحفظها كلها، وأعلم أنها موضوعة؛ حتى لا يجيء إنسان، فيجعل بدل: "أبان": "ثابتًا"، ويرويها: "عن معمر، عن ثابت، عن أنس"؛ فأقول له: كذبت؛ إنما هي: "أبان" لا "ثابت".
وقال الحسين بن الحسن المروزي (٣): سمعت عبد الرحمن بن
_________________
(١) "تهذيب الكمال" (٢٥/٨) .
(٢) "المجروحين" (١/٣١-٣٢) .
(٣) "الجامع" للخطيب (٢/٣٩)، و"شرح علل الحديث" (١/٥٣٥) .
[ ١٨ ]
مهدي يقول:
كنت عند أبي عَوَانة، فحدَّث بحديث عن الأعمش، فقلتُ: ليس هذا من حديثك.
قال: بلى!
قلت: بلى!
قال: يا سلامة! هات الدَّرج فأخرجت، فنظر فيه، فإذا ليس الحديث فيه.
فقال: صدقت! يا أبا سعيد؛ فمن أين أُتيت؟
قلت: ذوكرت به وأنت شاب، ظننت أنك سمعته!!
وقال يحيى بن معين (١):
حضرتُ نعيم بن حماد - بمصر ـ، فجعل يقرأ كتابًا صنَّفه.
فقال: حدثنا ابن المبارك، عن ابن عون؛وذكر أحاديث.
فقلت: ليس ذا عن ابن المبارك.
فغضب؛ وقال: ترد عليَّ؟!
قلت: إي! والله؛ أريد زَيْنَك.
فأبى أن يرجع.
_________________
(١) "سير أعلام النبلاء" (١١/٨٩-٩٠) و"الكفاية" (ص ٢٣١) .
[ ١٩ ]
فلما رأيته لا يرجع، قلت: لا! والله؛ ما سمعت هذه من ابن المبارك، ولا سمعها هو من ابن عون قط! فغضب، وغضب من كان عنده، وقام فدخ؛ فأخرج صحائف، فجعل يقول - وهي بيده - أين الذين يزعمون أن يحيى بن معين ليس بأمير المؤمنين في الحديث؟ !
نعم! يا أبا زكريا؛ غَلِطتُ، وإنما روى هذه الأحاديث غير ابن المبارك، عن ابن عون! !
وهذا حديث من تلك التي أنكرها ابن معين على نعيم بن حماد، بهذا الإسناد: قال هاشم بن مرثد الطبراني (١): قيل ليحيى بن معين - وأنا أسمع ـ: حديث؛ رواه نعيم بن حماد عن ابن المبارك، عن ابن عون، عن محمد بن سرين، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا اغْتَلَمَتْ (٢) آنيتُكُم، فاكسروها بالماء"؟
فقال يحيى بن معين: قال لي نعيم: سمعته (٣) من ابن المبارك؛ فقلت كَذِبٌ (٤) فقال لي: اتق الله!
_________________
(١) "تاريخه" (ص ١٨ - ٢٠)
(٢) أي إذا جاوزت حدها الذي لا يسكر، إلى حدها الذي يسكر. نهاية.
(٣) في "المطبوع": "سمعت"! !
(٤) أي: خطأ.
[ ٢٠ ]