وكما بدأ تعريف المتأخرين لعلم الرواية بما عرفه به ابن الأكفاني؛ فقد بدأ تعريفهم لعلم الدراية أيضًا بتعريفه له حيث قال: «علم دراية الحديث علم، يُتعرفُ منه أنواع الرواية، وأحكامها، وشروط الرواة، وأصناف المرويات، واستخراج معانيها» (^٢).
وقد نقل هذا التعريف عن ابن الأكفاني نصًا أو صاغه في عبارة من عنده، عامة من جاء بعده في عصر العراقي، ومن تلاه، وأقروه عليه، وجروا في مؤلفاتهم على مقتضاه، حتى عصرنا هذا، أما العراقي فلم يتعرض لذلك كما أشرت مع تأليفه المتعدد في هذا العلم كما سيأتي.
ولعلك ترى أن هذا التعريف يوافق تعريف علم الحديث رواية عند المتقدمين كما مر، وبذلك يكون علم الرواية عند المتأخرين عن ابن الأكفاني معاصر العراقي، ومن بعده إلى الآن هو علم الدراية عند المتقدمين عن ابن الأكفاني كالخطيب البغدادي ومن قبله كما أسلفنا (^٣).
وقد شرح العلماء تعريف علم الدراية هذا لتوضيح موضوعه وبيان مشتملاته، فقالوا: «المراد بالعلم القواعد والضوابط الكلية كقولنا كل حديث اتصل سنده
_________________
(١) «مقدمة تحفة الأحوذي» جـ ١/ ١٢٦، ١٢٧، ١٣٤، ١٣٥.
(٢) «شرح السيوطي لألفيته» ورقة ٢ أ والتدريب ص ٤، ٥ و«النكت الوفية» للبقاعي ورقة ٥ أ.
(٣) وانظر أيضًا مقدمة الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف لتحقيقه تدريب الرواي.
[ ١ / ٧٨ ]
برواية عدل ضابط عن مثله إلى منتهى السند من غير شذوذ ولا علة قادحة، فهو صحيح، والراوي من حيث كذا مقبول، ومن حيث كذا مردود، أو متوقف فيه».
أما الجزئيات التي تنطبق عليها هذه القواعد من أنواع السنن وأفراد الرواة، ووصف كل منها بأنه صحيح أو مردود، فهي موضوع علم الحديث رواية وعلم رجال الحديث (^١) فهو بالنسبة لعلم الحديث رواية، مثل أصول الفقه بالنسبة لعلم الفقه (^٢) ولذلك يُسمَّى أيضًا علم أصول الحديث أو الأثر
وأما حقيقة الرواية عمومًا: فهي نقل السنة أو غيرها من العلوم النقلية، كالتواريخ والشعر، والمراد بها في التعريف: نقل السنة وما يتعلق بها. والراوي هو الذي ينقل الحديث بإسناده.
وشروط الرواية تحمل راويها لما يرويه بنوع من أنواع التحمل: من سماع أو عرض أو إجازة بكتابة أو مشافهة، ونحو ذلك.
وأنواعها: الاتصال والإنقطاع ونحوهما.
وأحكامها: القبول أو الرد أو التوقف، وحال الرواة: العدالة والجرح، وشروطهم في التحمل والأداء: كالتمييز والضبط والعدالة ونحو ذلك.
وأصناف المرويات: المصنفات، كالمسانيد والمعاجم والأجزاء وغيرها، أحاديث أو آثارًا أو أشعارًا وغيرها.
_________________
(١) «حاشية العدوي على شرح الشيخ زكريا الأنصاري لألفية العراقي» ورقة ٢٧ أ، ٢٨ أ مخطوط بدار الكتب المصرية.
(٢) شرح «الديباج للمذهب» لمثلا حنفي ص ٥.
[ ١ / ٧٩ ]
وما يتعلق بها هو معرفة اصطلاح أهلها (^١).
ومن عبارات من بعد ابن الأكفاني في تعريف هذا العلم قول الشيخ عز الدين ابن جماعة شيخ الحافظ العراقي: «علم الحديث: علم بقوانين يُعرف بها أحوال السند والمتن». وقد اعتبره السيوطي وغيره أحسن الحدود (^٢)، وشرحه السيوطي بقوله: «القوانين: جمع قانون، مرادف القاعدة، وهي أمر كلي يتعرف منه أحكامه وجزئياته، وموضوعه: السند والمتن، وغايته معرفة الصحيح من غيره، ومعظم العبارات لغير ابن جماعة، ترجع لها» فقد قال البقاعي: «علم الحديث علم يبحث فيه عن سنة النبي ﷺ، إسنادًا، ومتنا، لفظًا ومعنى، من حيث القبول والرد وما يتبع ذلك من كيفية تحمل الحديث وروايته وكيفية ضبطه وكتابته وآداب راويه وطالبه» وأردف هذا بقوله: «أو يقال - وهو أخصر - إنه علم يُعرف منه حال الراوي والمروي من حيث الرواية» (^٣) وقال شيخه ابن حجر العسقلاني: «أولى تعاريفه أن يقال: معرفة القواعد المعرفة بحال الراوي والمروي» (^٤).