أما علم الدراية فعرفوه بأنه: العلم الباحث عن المفهوم من ألفاظ الحديث وعن المراد منها مبنيا على قواعد العربية وضوابط الشريعة ومطابقا لأحوال النبي ﷺ (^١). وبذلك يكون موضوع هذا العلم ألفاظ الحديث فقط، دون السند، والمراد بالدراية: المعاني المفهومة والأحكام المستنبطة من السنن، أي أن علم الدراية عند المتقدمين هو «علم فقه السنة».
وقد سماه الحاكم «معرفة فقه الحديث» وعده عِلْمًا مُستقلا من علوم السنة وذلك في كتابه «معرفة علوم الحديث».
وقال: «إن به قوام الشريعة، وفرق بينه وبين علم الفقه التقليدي للمذاهب، المعتمد على القياس والجدل»، كما جعله ثمرة لمعرفة باقي علوم الحديث، بحيث يسبقه معرفة صحة الحديث من عدمه؛ فقال: «النوع العشرون من هذا العلم - بعد معرفة ما قدمنا ذكره من صحة الحديث إتقانا ومعرفة، لا تقليدا أو ظنا - معرفة فقه الحديث؛ إذ هو ثمرة هذه العلوم، وبه قوام الشريعة، وأما فقهاء الإسلام أصحاب القياس والرأي والاستنباط والجدل والنظر، فمعروفون في كل
_________________
(١) «المختصر في علم رجال الأثر» للشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف ﵀ ص ١٤ و«مفتاح السعادة» لطاش كبرى زادة جـ ٢/ ١٢٨.
[ ١ / ٦٩ ]
عصر وأهل كل بلدة، ونحن ذاكرون بمشيئة الله في هذا الموضع، فقه الحديث عند أهله، ليستدل بذلك على أن أهل هذه الصنعة، مَنْ تبحر فيها، لا يَجْهَل فقه الحديث؛ إذ هو نوع من أنواع ذلك العلم» (^١).
وقد توسع الحاكم في الكلام على علم فقه الحديث أكثر من أي علم من علوم الحديث التي تناولها في كتابه (^٢) فتتبع نماذجه من عصر التابعين حتى شيوخه في أواخر القرن الرابع الهجري، وشمل هذا ٢٣ من أبرز الأئمة الذين جمعوا بين حفظ الحديث والصناعة الحديثية، وفقه الحديث، وذكر أمثلة نثرية ومؤلفات، وبدأ بذكر التابعي الجليل محمد بن شهاب الزهري (^٣) حتى انتهى إلى الإمام ابن خزيمة المتوفى سنة ٣١١ هـ (^٤) ثم سرد سبعة آخرين بأسمائهم، تجنبًا للإطالة ومنهم: أبو داود والترمذي صاحبي السنن وبعض شيوخه (^٥).
* ويفهم من الأمثلة والمؤلفات التي ذكرها، أن فقه الحديث عند أهله حتى عصره يشمل الآتي:
١ - معنى الألفاظ والعبارات التي تخفى على غير المتبحر في اللغة، أو علوم الدين بما فيها السنة نفسها (^٦).
٢ - بيان ما يؤخذ من الحديث من الأحكام والآداب (^٧).
_________________
(١) «معرفة علوم الحديث» للحاكم ص ٦٣.
(٢) انظر الكتاب من ص ٦٣: ٨٥.
(٣) «معرفة علوم الحديث» ص ٦٣.
(٤) «معرفة علوم الحديث» ص ٨٣ و«مقدمة تحفة الأحوذي» جـ ١ ص ٣٢٩.
(٥) «معرفة علوم الحديث» ص ٨٥.
(٦) المرجع السابق ص ٧٠، ٧١، ٧٢، ٧٤.
(٧) المرجع السابق ص ٧٦، ٧٧.
[ ١ / ٧٠ ]
٣ - وبيان الناسخ والمنسوخ (^١).
٤ - والتوفيق بين ما ظاهره التعارض، أو ترجيح بعضه على الآخر (^٢).
وهذه النقاط جماع ما يتناوله شراح السنة، حتى عصر العراقي وإلى الآن، إلا أنها لم تكن في عصر الحاكم وما قبله قد كثر التأليف فيها، كما عند المتأخرين، ولهذا نجد أكثر أمثلته عبارة عن فتاوى وإجابات منثورة عما سئل عنه الأئمة، ومنها ما جمع فيما بعد، كسؤالات الإمام أحمد وإجاباتها.
٥ - كما عد من فقه السنة تصنيفها حسب الموضوعات وعلى الأبواب فقال عن الإمام النسائي: «فأما كلام أبي عبد الرحمن على فقه الحديث فأكثر من أن يذكر في هذا الموضع، ومن نظر في كتاب «السنن» له تَحيَّر في حسن كلامه» (^٣)، وذلك لأن عناوين الأبواب عبارة عن بيان واضعها للمعنى العام، والحكم المستفاد من السنن التي يذكرها في الباب.
٦ - ونقل عن إبراهيم بن الحربي جمعه بين بيان فقه الحديث وعلته، حيث سئل عن حديث «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» فقال: فيه نهي عن الرياء، وله علة .. وبينها (^٤).
ومن هذا يتضح لك ما ذكره العلماء: أن علم الدراية على هذا الاصطلاح، مادته: «القصص الصحيح لبيان ملابسات الحديث ومناسبته والأخبار النبوية
_________________
(١) المرجع السابق ص ٧٨، ٧٩.
(٢) المرجع السابق ص ٨٠، ٨١.
(٣) «معرفة علوم الحديث» ص ٨٢.
(٤) المرجع السابق ص ٧٧.
[ ١ / ٧١ ]
لأن خير بيان للحديث ما بينه حديث آخر، كما أن من وسائله معرفة اللغة العربية ومسائل العقيدة، وفقه المذاهب وأصوله» (^١) كما أرجع العلماء نشأته إلى الصحابة الذين ضبطوا أقواله ﷺ وأفعاله وصفاته (^٢) وتلقى عنهم التابعون.
وقد مثل الحاكم بالزهري كما قدمنا.