خص الله نبيه -ﷺ- أنه أوتي جوامع الكلم وخواتمه وفواتحه، واختصر له الكلام اختصارًا، فجمع الله له المعاني الكثيرة في ألفاظ يسيرة، وجعل ذلك من أدلة نبوته، وأعلام رسالته، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم أُتيتُ
[ ١٠٢ ]
بمفاتيح خزائن الأرض، فوضعت في يدي». وفي رواية للترمذي: «فُضِّلْتُ على الأنبياء بستٍّ، أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب … الحديث». قال الزهري: "وبلغني أن جوامع الكلم أن الله يجمع الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين أو نحو ذلك".
وقد وردت عن الأئمة المتقدمين عدة أقوال في تحديد هذه الأنواع من الحديث، وهي في الحقيقة تعد أصول الدين، وأطلقوا عليها مصطلحات تدل عليها وردت عنهم، فمن ذلك ما جاء عن الإمام أحمد -﵀- أنه قال: "أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث؛ حديث: «إنما الأعمال بالنيات»، وحديث عائشة: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وحديث النعمان بن بشير: «الحلال بيِّنٌ والحرام بيِّن» ".
وقد اجتهد أهل العلم في جمع تلك الأحاديث الجوامع، وصنفوا في ذلك المصنفات، منهم الإمام النووي -﵀-، فجمع اثنين وأربعين حديثًا جامعًا عليها مدار الدين، وهي التي عرفت فيما بعد "بالأربعين النووية".
فينبغي على المسلمين أن يعتنوا بهذه الأحاديث حفظًا وفهمًا ودراسة، ومن الدراسات الدراسة الموضوعية.
ومن الملاحظ على هذه الدراسات أمور:
(١) اختيار حديث شريف يكون أصلًا في دراسة موضوع معين حيث يكون محور هذه الدراسة، ثم استقصاء روايات الحديث وطرقه من كافة مصادر السّنة النبوية من جهة، ومن جهة أخرى دراسة الموضوع الذي يتضمنه الحديث.
(٢) أهم ما يميز هذه الدراسات أنها في الغالب قصيرة يستخدمها الباحثون في مجال الحديث الشريف لبحوث الترقيات والنشر في المجلات المحكمة،
[ ١٠٣ ]
وهي مثالية لأوراق العمل في المؤتمرات والندوات والمحاضرات العلمية. مع أن من هذه الدراسات ما قد يطول حتى عدة مئات من الصفحات بحيث تُنشر في مؤلفات وكتب خاصة بأصحابها.
(٣) كما تتميز هذه البحوث في الغالب بالرسم الدقيق لشجرة الإسناد الذي يجمع كافة متابعات الحديث محور الدراسة بالإضافة إلى شواهده.
(٤) وكذلك تركز هذه البحوث على اختيار الأحاديث التي قد تتعرض للنقد أو الطعن أو الشُّبَه، وكذلك الأحاديث المختلف في ثبوتها بين أهل التخصص مما يثير الرغبة عند أهل الحديث لبسط الكلام حولها في بحوث خاصة.
(٥) ومن الملاحظ أن هذا النوع من الدراسات أقرب ما يكون من الحديث التحليلي إن اقتصرت فيه الدراسة على تحليل النصوص ونقدها دون دراسة موضوعها وربطه بواقع المسلمين المعاصر، لذا على الباحثين في هذا المجال إعطاء الدراسة الموضوعية حقها لموضوع الحديث بجانب الدراسة التحليلية لسند الحديث ومتنه.
وأما عن أهم المراحل المتبعة في منهج البحث في هذه الدراسات فيتمثل في:
١. تحديد الحديث محور الدراسة.
٢. جمع طرق الحديث من شتى مصادر السّنة النبوية.
٣. دراسة أسانيد الروايات.
٤. رسم شجرة الإسناد.
٥. الحكم على الحديث بمجموع طرقه.
٦. دراسة ألفاظ الحديث مع مقارنتها بين الروايات.
[ ١٠٤ ]
٧. دراسة موضوع الحديث من جميع جوانبه عن طريق جمع المادة العلمية غير الحديثية.
٨. ربط موضوع الحديث بالواقع المعاصر للمسلمين.
٩. ترتيب المادة العلمية وتنظيمها في تقسيم معين.
١٠. صياغة البحث مع إبراز موضوع الحديث إلى جانب تحليل النص ونقده.
ومن أمثلة هذا المنهج دراسة بعنوان: "روايات صلاة التسابيح دراسة موضوعية"، حيث جمع فيها الباحث روايات حديث العباس ﵁ في صلاة التسابيح من كافة مصادر السّنة النبوية، وحكم على الحديث بالحسن لغيره بمجموع طرقه، ودرس كيفية هذه الصلاة، ثم أشار إلى إمكانية تطبيق هذه الصلاة في وقتنا الحاضر، وخاصة في أيام الاعتكاف في المساجد دون الإكثار منها لعدم شهرة تطبيقها بين الصحابة، وإن عمل بها بعض التابعين.
ومن أمثلة الأبحاث في هذا المنهج دراسة بعنوان: "أحاديث قراءة سورة الكهف يوم الجمعة جمعًا ودراسة"، قام فيها الباحث باستقصاء كل ما ورد من أحاديث في كتب السّنة النبوية تتعلق بفضل قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، ثم دراستها دراسة موضوعية وصلت إلى أن قراءة سورة الكهف يوم الجمعة أو ليلتها من السنن الواردة عن المصطفى -ﷺ-، وهي تعطي النور لقارئها طوال جمعته فيسير على بصيرة من الله تعالى، كما وصلت الدراسة إلى أن جميع الروايات التي وردت فيها فضائل لقراءة سورة أخرى مثل: آل عمران والرعد، لا ترتقي إلى مستوى الاحتجاج بها.
ودراسة لحديث الصحابي الجليل أبي هريرة -﵁- في وقوع الذباب في الشراب، جاءت بعنوان: "الإعجاز العلمي في خلق الذباب في ضوء الكتاب والسّنة"، قام فيها
[ ١٠٥ ]
الباحث بجمع طرق الحديث ورواياته التي زادت عن خمس وثلاثين طريقًا، جاءت عن ثلاثة من الصحابة، وأثبت البحث أن هذا الحديث من قبيل الإعجاز العلمي لاشتماله على حقائق علمية لم تثبت إلا في العصر الحديث مع سبق السّنة النبوية لبيانها.
وبحث حول حديث: «لتتبعن سنن من كان قبلكم»، حيث تناول فيه الباحث شرح الحديث سندًا ومتنًا، ودرس آراء العلماء في مشابهة الكفار، وبين أن موضوع التشبه منه ما هو سائغ شرعًا ومنه ما هو حرام.
[ ١٠٦ ]