أيضًا، لأنهم يبحثون عن الشبهات بأي طريقة من الطرق، يأتون بآيات لا يَسلم لهم الاستدلال بها؛ فمثلًا حين يقولون: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (الأنعام: ١٩) أي دليلٍ في هذه الآية على التمسك بالقرآن الكريم وحده؟ ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام: ١٩) هل الآية قالت: لا إنذار إلا بالقرآن؟
إذا قلتَ ذلك، فماذا تفعل في قول الله -﵎-: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (الأحزاب: ٤٥) النبي -ﷺ- نذير، ليس بالقرآن فقط وإنما بالسنة أيضًا: «أنا النذير العريان» الأحاديث الذي وردت فيها حين أمر بأن يصدع ويجهر بدعوته بعد الفترة الفردية أو السرية، ونزل قول الله -﵎-: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِين﴾ (الحجر: ٩٤) ونزل قول الله
[ ١٦٨ ]
-﵎-: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (الشعراء: ٢١٤)، والحديث في الصحيحين: «صعد على جبل الصفا، ونادى قبائل قريش كلها، ولما اجتمعوا: أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا خلف هذا الوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبًا قط، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»، آيات كثيرة والنبي -ﷺ- خطبهم وحذرهم وأنذرهم وبشّرهم، يعني: «أفلا أبشر الناس؟» «من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة»، «لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان أأبشر الناسَ يا رسول الله؟ يقول: إذن يتكلوا».
أحاديث كثيرة جدًّا الذي بشر هو الرسول -ﷺ- والذي أنذر هو رسول الله -ﷺ- فأي دلالة في الآية على الاكتفاء بالقرآن الكريم وحده؟ إنهم يجمعون آيات يتصورون أنها تسعفهم فيما ذهبوا إليه من إنكار حجية السنة، وكأنهم وقعوا على ما لم تقع عليه الأمة من قبلهم.