الفصل الرابع
الأدلة من دلائل النبوة
والمقصود بدلائل النبوة: المعجزات والخوارق التي يجريها الله تعالى على يد رسوله الكريم ﷺ، ولا يمكن أن تقع من بشر بصفته البشرية، وليس للاجتهاد فيها مجال، وإنما صَدَرَت من مشكاةِ النبوة، لتدل على صدقه في دعواه للنبوة.
لكن لا أريد المعجزات والخوارق الدالة على صدقه ﷺ في دعوى النبوة، فتلك لها بحث مستقل، وإن كانت تتداخل مع ما نحن فيه، إنما أريد بالدلائل هنا: الأحاديث التي قالها رسولُ الله ﷺ، وهي من علم الغيب، سواء كانت عن الغيوب القديمة الموغلة في القدم، أو الغيوب المستقبلة الموغلة في المستقبل، والتي تدل على أن ما صدر عنه لم يصدر بالاجتهاد ولا من واقع البشرية، لأن ذلك لا يمكن الاطلاع عليه، إنما يصدر عن وحي أوحاه الله ﷿ إلى رسوله الكريم ﷺ.
وأول من تكلم في علامات النبوة الإمامُ البخاري رحمه الله تعالى، حيث عقد بابين في صحيحه، سماهما (علامات النبوة في الإسلام) و(بقية أحاديث علامات النبوة في الإسلام) ثم تلاه عدد من العلماء فأفردوها في كتب مستقلة؛ كأبي داود، وابن قتيبة، وابن أبي الدنيا وأبي الشيخ، في آخرين، ومن أوسع من تكلم في الدلائل: الحافظ أبو نُعيم الأصبهاني رحمه الله تعالى - لكن الذي وصلنا مختصره - ثم الحافظُ البيهقي رحمه الله تعالى، وهو أوسعها، ثم تلاهم آخرون، ومن أواخر من تكلم فيها ابن كثير رحمه الله تعالى، حيث
[ ٤٥ ]
اعتمد على الإمام البيهقي، ولخَّص ما كتبه السابقون، ثم الحافظ السيوطي في كتابه «الخصائص الكبرى» (١)، وغيرهم كثير رحمهم الله تعالى (٢) .
وقبل البحث في الدلائل أحب أن أجيب عن إشكال قد يقع في ذهن القارئ، وهو طالما أن الغيب لله تعالى فهل تتعارض تلك النصوص معه؟
الغيب لله ﷾:
لقد أخبرنا الله تعالى أن الغيب له جل شأنه، وأنه تعالى استأثر به، وأنه لا أحد من الخلق يعلم الغيب.
قال الله ﷿: ﴿فَقُلْ إِنَّمَاالْغَيْبُ لِلّهِ﴾ [يونس:٢٠]
وقال جل شأنه: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]
بل أخبر تعالى أن نبيَّه المصطفى ﷺ - وهو أفضل خلقه وأكرمهم عليه - لا يعلم الغيب. فقال تعالى: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام:٥٠] في آيات متعددة.
_________________
(١) الخصائص غير الدلائل كما أن الدلائل غير الشمائل .
(٢) انظر كشف الظنون (٧٦٠)
[ ٤٦ ]