قال الإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني- رحمه الله تعالى-: (بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي لم يزل عليمًا قديرًا وصلى الله على سيدنا محمد الذي أرسله إلى الناس كافةً بشيرًا ونذيرًا، وعلى آل محمد وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا).
فيه مسائل ومنها:
الأولى - بدأ الماتن كغيره من المصنفين بالبسملة لأمور منها:- التأسي بفعل الصحابة
﵃ في افتتاحهم المصحف الإمام بالتسمية وتبعهم جميع من كتب المصحف
بعدهم في جميع الأمصار، سواء من يقول بأن البسملة آية من الفاتحة، ومن لا يقول ذلك.
ومنها - الإقتداء بالرسول - ﷺ - في مكاتباته إلى الملوك وغيرهم، كما في رسالته - ﷺ - إلى هرقل، في الحديث المتفق عليه.
ومنها - العمل بحديث: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر)، أي ذاهب البركة، والحديث لا يثبت، وقد نقل السخاوي، والسيوطي، وغيرهما عن الحافظ ابن حجر صراحة أنه يجوز العمل بالضعيف في فضائل الأعمال بشروط.
الثانية - بدأ بالحمدلة وفيها نحو الوجوه الثلاث السابقة فقد ابتدأ الصحابة كتابة المصحف الإمام بالفاتحة، وهي تبدأ بالحمد بعد البسملة، وكان النبي - ﷺ - يبدأ خطبته بالحمد، وأيضًا قد ورد في ذلك حديث مرسل لا يثبت، رواه أبو داود (٤٨٤٠) (٤/ ٢٦٢) وقال: (رواه يونس، وعقيل، وشعيب وسعيد بن عبدالعزيز عن الزهري عن النبي - ﷺ - مرسلًا)، وكذا صوب الدارقطني الإرسال في الحديث في سننه (١/ ٢٢٩) ولفظه: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع)، وقد اشتهر الكلام على هذا الحديث وانظر الإرواء (٢) (١/ ٣٢) وعلى فرض ثبوت الحديثين فالأولية في البدء بالبسملة أولية حقيقية مطلقة، وأما الأولية في البدء بالحمدلة
_________________
(١) وهذه العناوين من وضعي.
[ ٤ ]
فهي أولية نسبية، أي بالنسبة لما يأتي بعدها.
الثالثة- وزاد في الشرح بعد قوله: (عليما قديرا) قوله: (حيا قيوما مريدا سميعا بصيرا).
والصفات السبع الثبوتية عند الأشاعرة هي قسمان:
الصفات العقلية، وضابطها: ما تتوقف عليه المعجزة من الصفات وهي (القدرة والإرادة والعلم والحياة).
والصفات السمعية، وضابطها: ما لا تتوقف عليه المعجزة من الصفات وهي: (السمع والبصر والكلام). وطريقة إثباتهم لهذه الصفات تختلف عن طريقة السلف الصالح في إثباتها، بيان الفرق بين الطريقتين مما لا يتسع المجال لذكره الآن.
والأشاعرة لا ينفون بقية الصفات لكنهم يقولون بأنه لا يلزم المسلم أن يثبت سوى هذه الصفات السبع. أما غيرها فهو غير ملزم بإثباتها لأنها تابعة لهذه الصفات السبع. ولكن حقيقة مذهبهم هو إثباتها مجازًا فقط لا حقيقة.
وأما بالنسبة لصفة القيومية فهي ليست عندهم من الصفات المعنوية السبع التي يثبتونها، بل هي من الصفات النفسية أو الذاتية عندهم. والصفات النفسية عندهم هي: الوجود والقدم والبقاء والوحدانية والقيام بالذات والمخالفة للحوادث.
وبالنظر لعبارة ابن حجر في النزهة نجد أنه قد أثبت ستا من الصفات السبع الثبوتية وهي: (العلم والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر) ولم يثبت صفة الكلام، وأضاف صفة القيومية.
وهذا مما دفع الكثيرين إلى إثبات تأثر ابن حجر بالأشاعرة واضطرابه في مسألة الأسماء والصفات.
قال د. سفر الحوالي في كتابه منهج الأشاعرة في العقيدة: (والذي أراه أن الحافظ ﵀ أقرب شيء إلى عقيدة مفوضة الحنابلة كأبي يعلى ونحوه ممن ذكرهم شيخ الإسلام في درء تعارض العقل والنقل ووصفهم بمحبة الآثار والتمسك بها لكنهم وافقوا بعض أصول المتكلمين وتابعوهم ظانين صحتها عن حسن نية. ولو قيل إن الحافظ ﵀ كان متذبذبا في عقيدته لكان ذلك أقرب الى الصواب كما يدل عليه شرحه لكتاب التوحيد والله اعلم).
ويقول الشيخ أبو عبد الله ربيع بن محمد السعودي في مقدمة تحقيقه لكتاب اليواقيت والدرر شرح نخبة الفكر للمناوي عندما ترجم للحافظ ابن حجر: (لا يختلف اثنان في
[ ٥ ]
مكانة ابن حجر وعلمه غير أن الكمال المطلق لله ﷿ وحده ولم تخل حياة ابن حجر من بعض الهنات. والذي يهمنا أن ننبه عليه أن ابن حجر كان يميل إلى تأويل الصفات ولاشك أن ذلك يخلف منهج السلف الذين كانوا يأخذون الصفات على ظاهرها من غير تأويل ولا تعطيل وقد تكون هذه سمة العصر الذي نشأ فيه ابن حجر ولعل عتب العلماء عليه كحافظ ثاقب الفهم واسع المعرفة متمكن في اخص العلوم ونسأل الله أن يتجاوز عنه وأن يغفر لنا وله).
وقد ألفت بعض الكتب التي تناولت المخالفات العقدية للحافظ في فتح الباري ومنها:
رسالة جامعية بعنوان: (منهج ابن حجر في العقيدة من خلال كتابه فتح الباري) في ثلاث مجلدات.
ومنها: المخالفات العقدية في الفتح للشيخ البراك.
ومنها: التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري للشيخ علي الشبل.