الصنف الأول: قوم وضعوا الأحاديث في الترغيب والترهيب ليحثُّوا الناس بزعمهم على الخير، ويزجروهم عن الشَّر، كما روي عن أبي عصمَةَ نُوح بن أبي مَريم أنه قيل له: من أين لك عن عِكرمة، عن ابن عبَّاس في فضائل القرآن سورة سورة؟ قال: فإني رأيتُ النَّاسَ قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، و"مغازي محمد بن إسحاق" وضعتُ هذه الأحاديثَ حِسْبَةً (^٢).
_________________
(١) = (١/ ٤٣ - ٤٤)، و"تحذير الخواص" (ص ٢٠٢) للسيوطي، و"المعيار" للمصنف (١/ ٢٥) وبعدها في المصادر: "فحضرت المسجد الجامع".
(٢) ذكرهم المصنف في مطلع كتابه "المعيار في علل الأخبار" (١/ ٣٢ - ٣٦) مع زيادة على إثر (الصنف الرابع)، وذكر تعريفًا مطولًا بالمعمرين أو مدعي التعمير المذكورين في آخر صنف، وسننبه على ذلك في محلّه، وأدرجت زياداته في تقديمي للكتاب، فليكن ذلك على بالك.
(٣) أخرجه الحاكم في "المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل" (رقم ٤٢) =
[ ٢٥٤ ]
الصنف الثاني: قوم وضعوا الأحاديث لنصرة مذهبهم، روي عن ابن لهيعة قال: سمعت شيخًا من الخوارج تاب ورجع يقول: إنَّ هذه الأحاديث دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمرًا صيرناه حديثًا (^١).
الصنف الثالث: قوم وضعوا أحاديث تَقَرُّبًا بذلك إلى الملوك، روي عن غياث بن إبراهيم: دخل على المهدي، وكان المهدي يحبُّ الحَمَام، وقُدامه حَمَامٌ، فقيل له: حدّث أمير المؤمنين، فقال: حدَّثنا فلان، عن فلان أن النبي - ﷺ - قال: "لا سَبَق (^٢) إلا في نَصْلٍ أو خُف، أو
_________________
(١) = وإسناده صحيح، وأخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" (١/ ٢٣٩ - ٢٤٠) وابن مردويه في "تفسيره" وأبو نعيم والخطيب، قاله الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٤/ ٣٤٥). انظر: "الضعفاء" للعقيلي (١/ ١٥٧)، "الموضوعات" (١/ ٢٤١)، "تهذيب التهذيب" (١٠/ ٤٣٣ - ٤٣٤)، "التّقييد والإيضاح" (١٣٤)، "المنار المنيف" (١١٣)، "فوائد حديثية" (١٠٦ - بتحقيقي)، "الإتقان" (٤/ ١١٦)، "تنزيه الشريعة" (١/ ٢٨٥)، "تذكرة الموضوعات" (ص ٨١)، "الفوائد المجموعة" (٢٩٦)، "الكافي الشاف" (٣٧)، "الفتح السماوي" (٢/ ٤٥٣).
(٢) أخرجه الخطيب في "الكفاية" (١/ ٣٧٣)، والجامع (١/ ١٣٧ - ١٣٨)، والحاكم في "المدخل إلى معرفة الإكليل" (رقم ٣٦) وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" (٢/ ٣٢)، وابن حبان في مقدمة "المجروحين" (١/ ٨٢) وابن عدي في "الكامل" (١/ ١٥٧)، وأبو نعيم في "الحلية" (٩/ ٣٩) والسمعاني في "أدب الإملاء" (رقم ١٥٤) وابن الجوزي في (مقدمة) "الموضوعات" (١/ ٢٠) وانظر: "شرح علل الترمذي" (١/ ٣٥٧)، "اللآلئ المصنوعة" (٢/ ٣٨٩)، "الفوائد المجموعة" (ص ٤٢٧)، "الآثار المرفوعة" (ص ١٥).
(٣) السَّبَق -بفتح السين والباء-: وهو الخطر الذي وقع عليه الرهان، قاله ابن القيم في "الفروسية" (ص ٩٦ - بتحقيقي).
[ ٢٥٥ ]
حَافرٍ، أو جَنَاحٍ" (^١)، فأمر له المهدي ببَدْرة، فلما قام قال: أشهد أنه قفا كذاب على رسول الله - ﷺ -، ثم قال المهدي: إنَّما حَمَلَتْه على ذلك الحمام، فأمر بذبح الحمام، ورفض ما كان فيه (^٢).
الصنف الرابع: قومٌ من الزنادقةِ، والملاحدةِ، وَضَعوا الأحاديثَ لتنفيرِ العُقلاء عن الدين، مثل محمد بن سَعيد الشامي المصلُوب، في وضعه زيادة الاستثناء في حديث: "لا نبي بعدي إلا أن يشاء الله"، فوضع الاستثناء، فصُلِبَ بالشَام لزَنْدَقتهِ (^٣).
_________________
(١) الحديث ثابت دون قوله "أو جناح"، فهذه الزيادة هي التي قالها غياث تزلُّفًا وتملقًا للمهدي، وكذب بها على النبي - ﷺ -، لا رحم الله فيه مغرز إبرة، وقد خرجت الحديث في تعليقي على "الفروسية" (ص ٩٦) لابن القيم وينظر الهامش الآتي.
(٢) أخرجه الحاكم في "المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل" (٤٣، ٤٤) والخطيب في "تاريخ بغداد" (١٢/ ٣٢٣، ٣٢٤) وابن شاهين في "أسماء الضعفاء والكذابين" (رقم ٥٠١) والخليلي في "الإرشاد" (٢/ ٥٩٤) وإسناده جيد. انظر: (الموضوعات" (١/ ٤٢)، "الآثار المرفوعة" (ص ١٩)، "تنزيه الشريعة المرفوعة" (١/ ١٥)، "اللآلئ المصنوعة" (٢/ ٣٩٠) وقد قال الإمام أحمد فيه: "ما روى هذا إلا ذاك الكذاب أبو البختري" حكاه الخطيب في "تاريخه" (١٣/ ٤٥٥).
(٣) أخرجه الجوزقاني في "الأباطيل" (١/ ١٢٠) رقم (١١٦)، وعلقه الحاكم في "المدخل إلى معرفة كتاب الإكليل" (ص ١٢٨ - ط السلوم) وقال: "فوضع هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة والدعوة إلى التنبئ". وانظر: "الموضوعات" (١/ ٢٧٩)، "اللآلئ المصنوعة" (٢/ ٢١٤)، "تذكرة الموضوعات" (ص ٨٨)، "الفوائد المجموعة" (ص ٣٢٠)، "تنزيه الشريعة المرفوعة" (ص ٣٢١)، "اللآلئ المصنوعة" (١/ ٢٤٣).
[ ٢٥٦ ]
وعن جعفر بن سليم قال: سمعتُ المهديَّ يقول: أقرَّ عندي رَجل من الزَّنادقة أنه وضع أربع مئة حديث، فهي تجولُ بين أيدي الناس (^١).
الصنف الخامس: أن قومًا من المعمَّرين، أو المدَّعين التَّعمير كذبوا في الحديث طمعًا في الجاه ومنال الدنيا، موهمين أنا أدركنا رسولَ الله - ﷺ -، والصَّحابي (^٢)، ليُحتَرموا بذلك، وهؤلاء كالأشَجّ، وأبي هُدبة، وابن نَسْطُور، وغيرهم، جمع بعضَهم أبو طاهر السِّلَفي في بيتين (^٣)، وذلك:
_________________
(١) أخرجه الخطيب في "الكفاية" (١/ ١٤٨)، والعقيلي في "الضعفاء" (١/ ١٤)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (١/ ١٩ - ٢٠) وفيه أبو أميَّة محمد بن إبراهيم بن مسلم البغدادي الطرسوسي وهو صدوق يهم، وانظر: "الآثار المرفوعة" (ص ٥)، "الآلئ المصنوعة" (١/ ١٧) ونقل المصنف في (المعيار في علل الأخبار" (١/ ٢٨ - ٢٩) على إثره أسماء بعض الوضاعين، أنظر التقديم (ص ٤٠ - ٤١).
(٢) كذا في الأصل، ووضع الناسخ فوقها ضبة! دلالة على أنها كذلك أيضًا في أصله الذي نقله منه، ولعل الصواب "والصحابة".
(٣) البيتان في "موضوعات الصغاني" (٣٣)، "الميزان" (٢/ ٤٢)، "فتح المغيث" (٣/ ٣٥٤ - ط المنهاج)، "اللسان" (٣/ ٤٥١) - ترجمة الربيع بن محمود المارديني، وشرحهما: سبط ابن العجمي في "الكشف الحثيث" (١٧٦)، وعلي القاري في "المصنوع في الحديث الموضوع" (٢٤٤) ونظمهم ابن ناصر الدين في "توضيح المشتبه" (١/ ٥٢٥ - ٥٢٦) فقال: وصُحْبَةُ يُسر وابن نَسْطورَ مُعْمَرٍ … رَتَنْ وربيع المارْديني تخرصُ كإتباعِ يُسرٍ والأشَجِّ وَيغْنمٍ … خِراشٍ ودينَارٍ، ابنُ هُدْبةَ يرقُصُ
[ ٢٥٧ ]
حديثُ ابنِ نُسْطُور (^١) وُيسْر (^٢) وَيغْنَمٍ (^٣) … وإفكُ (^٤) أشَجِّ الغَرْبِ (^٥) بعد (^٦) خِرَاشِ (^٧)
ونسخةُ دِينارِ (^٨)، وأخبار تَرْبِهِ … أبي هُدْبَة البَصْرِي (^٩) مثلُ (^١٠) فَراشِ
_________________
(١) في هامش الأصل ما نصه: "يدِّعي الأول عن أنس بن مالك، وعنده ثم نُسخة بسماعه منه"! وانظر له "الميزان" (١/ ٤١٩)، "تجريد أسماء الصحابة" (١/ ٨٥)، "الكشف الحثيث" (١٧٧).
(٢) يُسر بن عُبيد الله عن النبي - ﷺ - بطامات وبلايا، والآفة ممن بعده، أو لا وجود له، ترجمهُ السلفي في "معجم السفر" (١٠٠ - ط الباكستانية)، "الميزان" (٤/ ٤٤٤)، "الإصابة" (٦/ ٧٢٢)، "المغني" (٢/ ٧٥٥)، "لسان الميزان" (٨/ ٥١٣)، "تنزيه الشريعة" (١/ ١٢٩).
(٣) هو ابن سالم بن قَنبر، ترجمته في "ضعفاء العقيلي" (٤/ ٤٦٦)، "الجرح والتعديل" (٩/ ٣١٤)، "المجروحين" (٣/ ١٤٥)، "الكامل" (٧/ ٢٨٤)، "مؤتلف الدارقطني" (٤/ ٢٢٣٣).
(٤) في الأصل: "وقول" والمثبت من المصادر التي ذكرت البيتين، وتقدمت.
(٥) هو أبو الدنيا المغربي، أحد الكذابين طير طرأ على أهل بغداد وحدث بقلة حياء بعد الثلاث مئة عن علي بن أبي طالب، فافتضح بذلك، وكذبه النقاد، ترجمته في "معجم السفر" (١٠٠ - ط الباكستانية)، "ذيل ابن الطحان" (٨٦)، "تاريخ بغداد" (١١/ ٢٩٧)، "المنتظم" (٦/ ٢٩٧)، "الميزان" (٣/ ٣٣)، "لسان الميزان" (٥/ ٣٨٥)، "فتح المغيث" (٣/ ٣٥٥ - ط المنهاج).
(٦) كذا في الأصل، وفي المصادر: "ثم".
(٧) هو ابن عبد الله، ساقط عدم، ما أتى به غير الحسن بن علي بن زكريا العدوي، ترجمته في "المجروحين" (١/ ٣٨٨)، "الكامل" (٣/ ٩٤٥)، "الإرشاد" (١/ ١٧٨)، "الموضوعات" (٢/ ١٩٥)، "الميزان" (١/ ٦٥١)، "الكشف الحثيث" (١٦٦).
(٨) انظر عنها "معرفة النسخ والصحف الحديثية" (ص ١٣٧).
(٩) في بعض المصادر: "القيسي" وهو إبراهيم بن هدبة، دجال يضع على أنس، ترجمته في "الجرح والتعديل" (١/ ١٤٤)، "تاريخ بغداد" (١/ ١٤٤)، "الإرشاد" (١/ ١٧٨)، "المجروحين" (١/ ١١٤).
(١٠) في المصادر: "شبه".
[ ٢٥٨ ]
وألحق الوَادِيَاشِي (^١) بهما بيتًا آخر، وهو:
رَتَنٌ (^٢) ثامنٌ والمارِدينيُّ تَاسِعٌ … رَبيعُ بن محمودٍ (^٣) وذلك فَاشِي
وألحقت بيتًا آخر بها، وذلك:
أبو خَالِدٍ السقا (^٤) عاشرُ تِسْعَةٍ … هم العَشْر طَرٌّ للميوز (^٥) مياشي (^٦)
_________________
(١) اسمه محمد بن جابر، ترجمته في "الدرر الكامنة" (٣/ ٤١٣) وبيته في "الميزان" (٢/ ٤٢)، "اللسان" (٣/ ٤٥١)، "الكشف الحثيث" (١٧٦)، "فتح المغيث" (٣/ ٣٥٤) وفيه: "لو قال: "كذا رتن، لكان أصلح".
(٢) قال الذهبي في "الميزان" (٢/ ٤٥): "رَتن الهندي، وما أدراك ما رَتن! شيخ دجال بلا ريب، ظهر بعد الست مئة فادعى الصحبة، والصحابة لا يكذبون وهذا جريء على الله ورسوله، وقد ألفتُ في أمره جزءًا". قلت: اسمه "كسر وثن رتن" وساق نتفًا منه ابن حجر في "اللسان" (٣/ ٤٥٧ - ٤٦٤) وينظر له "نزهة الخواطر" (١/ ١١٢).
(٣) دجّال، مفترٍ، ادّعى الصحبة والتعمير سنة ٥٩٩ هـ، ترجمته في "الميزان" (٢/ ٤٢)، "اللسان" (٣/ ٤٥١)، "الكشف الحثيث" (١٧٦)، "تنزيه الشريعة" (١/ ٥٩).
(٤) طير غريب، قال لهم في سنة تسع ومئتين: رأيت ابن عمر، وسمعت من أنس كذا وكذا، ترجمته في "الميزان" (٤/ ٥١٩)، "تاريخ بغداد" (١٤/ ٤٠٢)، "المقتنى في الكنى" (١/ ٢١٣)، "تنزيه الشريعة" (١/ ١٣١).
(٥) كذا في الأصل، ولعلّه من (ماز الشيء)، يميزه مَيْزًا، إذا فصل بعضه من بعض، انظر "تاج العروس" (١٥/ ٣٤٠)، ثم وجدته في "المعيار" (١/ ٣٢): "للمتون مناشي"، ولعلّه الصواب.
(٦) كذا في الأصل، وفي "التاج" (١٧/ ٣٩٢): "ماش: أهمله الجوهري، وقال ابن الأعرابي: ماش كرْمَه مَوْشًا: طلب باقي قُطُوفه، هنا ذكره الصَّاغاني وذكره الأزهري وابن سيده في (م ي ش). وقال في (ميش) (١٧/ ٢٩٤): "الميش: كتم بعض الخبر، وإخبار بعضه" وفيه بعد كلام: "فإذا جاوز النصف فليس بميش".
[ ٢٥٩ ]
وقد تكلمتُ في شرح الأبيات في كتابي "المعيار في علل الأخبار" (^١) مع بسط في هذا النوع، فلْيطلب منه.