مغيرة بن سعيد وكان ساحرًا، وبيان وكان زنديقًا، وقتلهما خالد بن عبد اللّه القسري وأحرقهما بالنار.
ومنهم عبد الكريم بن أبي العوجاء، وكان خالد بن معن بن زائدة قال ابن عدي: لما أُخذ ليُضربَ عنقه قال: وضعتُ فيكم أربعة آلاف
_________________
(١) تعرف مواطنها فيه من الفهارس المرفقة في آخر الكتاب.
[ ٤٠ ]
حديث أُحرِّم فيها الحلال وأُحلِّل الحرام، قتله محمد بن سليمان العباسي بالبصرة، وربيب حماد بن سلمة كان يدسُّ الأحاديث في كتب حماد.
وقال النسائي في كتاب "الضعفاء": "الكذابون المعروفون بوضع الحديث على رسول الله - ﷺ - أربعة: ابن أبي يحيى بالمدينة، والواقدي ببغداد، ومقاتل بن سليمان بخراسان، ومحمد بن سعيد المصلوب بالشام".
وأما إثم واضع الحديث ففي الدنيا الفضيحة والخذلان والصلب والقتل والإحراق، وفي الآخرة ما يدلُّ عليه الحديث المتواتر لفظًا بالإجماع: "مَنْ كَذَبَ عَليَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوأْ مَقْعدَهُ مِنَ النَّارِ" (^١) يرويه عن رسول الله - ﷺ - العشرة المشهود لهم بالجنة وغيرهم إلى أحد وستين نفسًا من الصحابة، وجمع أبو القاسم الطبراني جميع طرقه في جزء سمعناه، ثم أبو الفرج ابن الجوزي خرَّج لكل صحابيّ طرقًا في مصنّفه، وقيل: يرويه مئتان، وقيل: أكثر من ذلك".
ثم ذكر (١/ ٢٩) حكم توبة الكاذب، وأورد كلام ابن الصلاح في ذلك، وتعقبه بكلام جيد، هو في كتابنا "الكافي" (فقرة رقم ٩٤)، مع زيادة في "المعيار" تراه في التعليق على الفقرة المذكورة.
ثم رجع إلى ذكر المصنف الخامس من (الوضاعين) وهم (المعمّرون) أو (المدعين التعمير) وساق آخر ما في فقرة (٦٧) مع بيتي أبي طاهر السِّلفي وبيت الوادي آشي وبيته الذي ألحقه بشعرهما حرفًا بحرف.
قال في "الكافي" عقب ذلك: (وقد تكلَّمتُ في شرح الأبيات في
_________________
(١) انظر تخريجه في (ص ٢٨٦ - ٢٨٧).
[ ٤١ ]
كتابي "المعيار في علل الأَخبار" مع بسط في هذا النوع، فلْيُطلب منه". قلت: وبسطه محصور في التعريف بالمعمِّرين العشرة الكذابين، قال في "المعيار" (١/ ٣٣ - ٣٧) - على إثر شعره هو -:
"ولنتكلم في كلّ واحد (^١) منهم ليتبين حاله:
أما الأول: فابن نُسطور: فهو جعفر بن نُسطور هالك أو لا وجود له بل اخترعوا أسماءً له للأكاذيب، روي أنه قال - بقلة حيائه -: كنت مع رسول الله - ﷺ - في تبوك فسقط سوطه فناولته فقال: مدَّ الله في عمرك. فعاش ثلاث مئة وأربعين سنة، وروى عن جعفر نسخة مكذوبة سمعها أبو طاهر السِّلفي الحافظ ببغداد.
وأما الثاني: فَيُسر بن عبد اللّه؛ أتى عن النبي - ﷺ - بطامات وبلايا، كان كذابًا مجسِّمًا، روي أنه كان بمصر وله ثلاث مئة سنة، وروى عنه الحسن بن خارجة ظلمات بعضها فوق بعض.
وأما الثالث: فَيَغْنَم بن سالم بن قنبر مولى علي، وأتى عن أنس بعجائب وأكاذيب وبقي إلى زمان مالك، وقال يونس: حدَّث عن أنس فكذب، قال الحافظ أبو محمد عبد الغني بن سعيد المصري في كتاب "المؤتلف" له: حدثني إبراهيم بن محمد الفسوي قال: سمعت أبا جعفر أحمد بن محمد بن سلامة يقول: سمعت يونس بن عبد الأعلى قال: قدم علينا يغنم بن سالم مصر فنَزل على فرج أبي حرملة، فجئت إليه فسمعته يقول: تزوجت امرأة من الجن. فلم أرجع إليه، وقال: يغنم ضعيف جدًّا له نسخه عن أنس رواها عبد الغني بن عقيل عنه.
_________________
(١) انظر ما علقته على الشعر عند المصنِّف في آخر فقرة رقم (٦٧)، فقد عرَّفت بكل واحد منهم، ومصادر ترجمته.
[ ٤٢ ]
وأما الرابع: فالأشج عثمان بن خطاب أبو عمرو البلوي المغربي أبو الدنيا، ويُقال ابن أبي الدنيا، ومات سنة سبع وعشرين وثلاث، قال المفيد: سمعته يقول: ولدت في خلافة الصديق وأخذت لعلي بركاب بغلته أيام الصفين، وذكر قصة طويلة، قال الخطيب: علماء النقل لا يُثبتون قوله.
وأما الخامس: فخِرَاش؛ ساقط هالك عدمٌ ما أتى به غير أبي سعيد العدوي الكذاب زعم أنه مولى أنس، قال الحسن بن علي العدوي: مررت بالبصرة وهم مجتمعون على رجل فملت إليه كما ينظر للغلمان فقال: هذا خراش خادم أنس، فقلت: كم كان؟ قالوا: مئة وثمانون سنة.
وأما السادس: فدينار أبو مِكيس الحبشي؛ عن أنس بألف متَّهم، محدِّث في حدود أربعين ومئة عن أنس بن مالك، قال ابن حبان: يروي عن أنس أشياء موضوعة، وقيل: له نسخة منها.
وأما السابع: أبو هُدْبَة إبراهيم بن هُدْبَة الفارسي البصري، حدَّث ببغداد وغيرها بالبواطيل، وقيل كان رقاصًا بالبصرة يُدعى إلى العرائس ويرقص لهم، حدَّث عن أنس بالعجائب والأكاذيب بعدُ ما يُشين، قال علي بن ثابت: هو أكذب من حماري، وقال ابن معين: كذاب خبيث قدم علينا جمع عليه الخلق فقالوا: أخرج رجلك، كانوا يخافون أن تكون رجله رجل حمار أو شيطان!
وأما الثامن: فَرَتَنٌ الهندي؛ شيخ دجال بلا ريب، ظهر بعد ست مئة من الهجرة فادَّعى الصحبة، والصحابة لا يكذبون وهو كذاب، وقيل مات سنة اثنين وثلاثين وست مئة، ومع كونه كذَّابًا كذب الناس عليه جملة وجعلوه إله الكذب.
[ ٤٣ ]
وأما التاسع: فربيع بن محمود المارديني؛ دجال مفتري، ادعى الصحبة والتعمير في سنة تسع وتسعين وخمس مئة.
وأما العاشر؛ فأبو خالد السقا؛ طير غريب قال للناس في سنة تسع ومئتين: رأيت ابن عمر وسمعت من أنس كذا، فذكروا هذا الرجل عند الحافظ أبي نعيم فقال: ابن كم يزعم؟ قالوا: ابن مئة وخمس وعشرين، قال: فعلى زعمه ولد بعد موت ابن عمر بخمس سنين، هكذا نقله صاحب "الميزان"، وفيه بحث؛ فإن عبد الله بن عمر مات سنة أربع وسبعين على ما قاله الحافظ محمد بن طاهر المقدسي، وأبو خالد قال لهم في سنة تسع ومئتين: رأيت ابن عمر، فيلزم أن يكون ولادته بعد موت ابن عمر بعشر سنين لا بخمس، والله أعلم".
ثم ذكر على إثره (١/ ٣٦ - ٣٧) أن وضع الحديث واقع محقق لا حاجة في إثباته إلى الاستدلال، ولم يذكر هذا المبحث في كتابنا "الكافي"، ولذا نقلتُ كلامه من "المعيار" في محله؛ انظره في التعليق على آخر فقرة (٦٧).
وذكر بعد ذلك (تنبيهين):
الأول: في العبارات المستعملة في الجرح والتعديل: وابتدأ بألفاظ التعديل، وجعلها على خمس مراتب؛ ثم ألفاظ التجريح؛ وجعلها على أربع (^١) مراتب، وكلامه بالحرف في كتابنا "الكافي" فقرة رقم (٩٨)، وتخلله زيادات عندنا.
_________________
(١) كذا في مطبوع "المعيار" (١/ ٤٠) وسقطت منه "والخامسة" قبل قوله: "وهي أدنى العبارات" كما في "الكافي" (آخر فقرة ٩٨).
[ ٤٤ ]
ثم ذكر حكم رواية (المجهول) بكلام مختصرٍ لكنه مهم، تراه بحروفه في تعليقي على أول فقرة (٩٢).
والتنبيه الثاني: في المرسل من الأحاديث الضعيفة.
وبدأ بتعريف المرسل فقال (١/ ٤١):
"اعلم أن الإرسال عبارة عن قول التابعي: قال رسول الله - ﷺ -"، وعند الأصوليين أعمّ من هذا، كما بيّنّا، هكذا ذكروه".
وهذا كلام موجز، تفصيله في فقرة (٤٥) من كتابنا هذا، إلَّا أن المصنف بعد ذلك أفاض وأضاف زيادات، وتدقيقات، وتمثيلات، وتنكيتات مهمات، وتحريرات بديعات، نسوقها برقتها هنا، ونحيل عليها هناك، ليرجع إليها من يبتغيها، فأقول وباللّه ﷾ أصول وأجول:
صدر كلامه بعد ما نقلناه عنه من تعريف للمرسل بأنه منتقض، ولنرخي عنان القلم لصاحبنا أبي الحسن التبريزي في إيراد كلامه بتمامه، قال في "المعيار" (١/ ٤٢ - ٤٦):
"قلت: وقد يكون مسندًا متصلًا مع أنه قول التابعي: قال رسول الله - ﷺ -، كرواية من أدرك رسول الله - ﷺ - وسمع منه وهو كافر ثم أسلم بعد وفاته - ﷺ -؛ مثل عبد الرَّحمن (^١) بن سرجس، فعلى هذا تعريف الإرسال منتقض.
ثم المرسل: إما مرسل مرفوع إلى النبي - ﷺ -؛ كرواية سعيد بن المسيّب، وأبي سلمة بن عبد الرَّحمن، وعروة بن الزبير، ومحمد بن
_________________
(١) في كتابنا (فقرة ٢٠٣): "عبد الله" وهو الصواب وتعقبه العراقي، كما تراه في تعليقي عليه.
[ ٤٥ ]
المنكدر، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وقتادة، وغيرهم من التابعين عن رسول الله - ﷺ -.
وإما مرسل موقوف؛ كرواية من لم يدرك الصحابي وروى عنه، كرواية الزهري عن أبي هريرة، وأبي سعيد، ولم يتجاوز عنهما، وكرواية زيد بن أسلم عن عمر أو عن أبي واقد الليثي، وكرواية سليمان بن بلال عن أبي واقد الليثي.
ثم المرسلات إن كان مرسلها مجهولًا كعبد ربه بن الحكم، أو فيه مقال كشهر بن حوشب، والضحاك بن مزاحم، وعيسى بن يزداد، وعكرمة مولى ابن عباس، أو أرفع حالًا فمن هؤلاء كعروة بن رويم، وأبي مخلد، وعمارة بن غزية، وأبي قلابة، وأمثالهم؛ فضعيفةٌ لا يصلُح الاحتجاجُ بها، وإن كان مرسلها عدلًا ثقة غير أنه لم يكن متساهلًا في الأخذ عن كلّ أحد، ووجدت مراسيله مساند من جهة أخرى بعد التحقيق فهي قوية يجوز الاحتجاج بها؛ كسعيد بن المسيب (^١) ومثله، صيان كان متساهلًا في الأخذ عن كلّ أحد كالزهري، والحسن، وعطاء بن أبي رباح؛ فإنهم يأخذون عن كلّ أحد - على ما قاله الإمام الشافعي والخطيب - فلا اعتبار لها، وإن لم يكن متساهلًا في الأخذ عن كلّ أحد لكن لم يتحقق أن المرسل جاء من جهة أخرى مسندًا كبعض مرسلات عطاء بن السائب، وعروة بن الزبير، وعبد اللّه بن أبي بكر بن حزم، وعبد الرَّحمن بن سابط (^٢) الجمحي، وعطاء بن يسار، وخالد بن معدان، ففيها خلاف؛ فالجمهور على أنه لا يجوز الاحتجاج بها أيضًا، هذا
_________________
(١) انظر ما علقناه على (ص ٢٠٥)، وما سيأتي قريبًا.
(٢) في مطبوع "المعيار": "سلط"! وهو تحريف، والصواب المثبت، وهو من رجال مسلم وأصحاب "السنن" الأربعة.
[ ٤٦ ]
ضبط المرسلات بقدر ما بلغ وسعي، ولعل غيري يضبط أحسن من هذا.
ومنه يُفهم قول الأئمة في بعض المراسيل، قال يحيى بن سعيد: مرسل الزهري شبه لا شيء، وقال الشافعي الإمام: إرسال الزهري ليس عندنا بشيء فإنا نجده يروي عن سليمان بن أرقم، قلت: سليمان بن أرقم ضعيف جدًّا، قال أحمد: ليس بشيء، وقال ابن معين: ليس يسوى فلسًا، وقال البخاري: تركوه، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يُتابع عليه، وقال الترمذي وجماعة: متروك، والله أعلم.
وقال يحيى بن سعيد: مرسلات أبي خالد ليست بشيء، ومرسلات مجاهد أحبُّ إليّ من مرسلات عطاء بكثير؛ كان عطاء يأخذ من كلّ ضرب، ومرسلات طاووس وعطاء متقاربة، وقال: مرسلات أبي إسحاق شبه لا شيء، والأعمش والتيمي ويحيى بن كثير، وقال: وقع في يدي كتاب فيه مرسلات أبي مجلز لا أشتهيها وأنا غلام حينئذٍ، وقال: مرسلات ابن عُيينة شبه ريح، ثم قال: أي واللّه وسفيان بن سعيد، قال: وكان شعبة يضعف إبراهيم عن علي، قال: وإبراهيم عن علي أحب إليّ من مجاهد عن علي، وقال أحمد: مرسلات إبراهيم النخعي لا بأس به، وعن يحيى بن معين: أصحُّ المراسيل مراسيل سعيد بن المسيب، وكذا روي عن أحمد بن حنبل، وقال الشافعي: إرسال سعيد بن المسيب عندنا حسن، قال الحافظ أبو بكر البيهقي: ليس الشافعي يحتج بمراسيل سعيد فحسب ولا أنه يحتج بكل ما أرسله سعيد كذلك، والدليل عليه أنه لا يحتج ببعض مرسلاته إذ فقدَ الشرط المذكور ويحتج بمرسلات غيره إذا وجد الشرط، قلت: وكذلك يحتج بمرسل غير ما ذكر لكن إذا وجد موافقًا لفعل الصحابي أو فتوى أهل العلم أو أرسله غيره، ورجال هذا غير رجال ذاك، والإطناب فيه ليس مما نحن بصدده، قال يحيى بن سعيد: مرسل مالك أحب إليَّ من مرسل سفيان، ثم قال: ليس في القوم
[ ٤٧ ]
أصحُّ حديثًا من مالك، قلت: قد بيَّنَّا الإرسال عند أهل الحديث عبارة عن قول التابعي قال رسول الله - ﷺ -، ومالك بن أنس وسفيان بن سعيد الثوري ليسا من التابعين إذ لم يُدرِكا من الصحابة أحدًا، فيكون مراد الإمام يحيى بن سعيد إرسال من يرويان عنه أو إرسالهما للموقوف على الصحابي، والله أعلم".
قال أبو عبيدة: وبهذا ختم المصنّف مقدمته لكتابه "المعيار"، ويمكن أن نستخلص مما مضى الأمور الآتية:
أولًا: صنّف أبو الحسن التبريزي كتابه "المعيار" بعد "الكافي"، وأحال في كلّ منهما على الآخر.
ثانيًا: لخَّص أبو الحسن مقدمته على "المعيار" من كتابه "الكافي".
ثالثًا: الذي في مقدمة "المعيار" تعريفات ومباحث لأنواع محصورة تخص مادته من أقسام الصحيح والحسن والضعيف والموضوع، ثم مراتب الجرح والتعديل، ثم الكلام على المرسل، وحجّيته، وهي - بالجملة - في "الكافي" مع ذكر لبقية مباحث علم المصطلح.
رابعًا: يلاحظ على المباحث المشتركة بين "الكافي" و"مقدمة" "المعيار" الآتي:
١ - اشتراك العبارات في المادة الغالبة.
٢ - ظهور الاختصار وعدم التفريع والتطويل في مقدمة "المعيار" دون "الكافي".
٣ - وجود بعض الزيادات والإفاضة في بعض المباحث التي تلزم استدلال الفقيه بالحديث في مقدمة "المعيار"، ولا وجود لها في "الكافي".
[ ٤٨ ]
٤ - وجود ترجمة لأفراد (المصنف الخامس) (^١) من (الوضَّاعين) في مقدمة "المعيار" دون "الكافي"، وأحال فيه - كما قدمنا عبارته - على بسطهم في "المعيار" (^٢).
٥ - تصرف المصنف في مقدمة "المعيار" في بعضى العبارات، وزاد عليها بعض الفوائد، حرصتُ على إلحاقها في محالها بالهوامش، وإِن كانت فيها مباحث مستقلة، مع طول؛ ذكرتها في هذا الموطن من التقديم، وأحلت عليه في مكانه.