والفائدة من ذلك معرفة متى بدأ أبو عيسى بالسماع هل بكر أو تأخر في طلبه للعلم، وغير ذلك من الفوائد كما سوف يأتي، مع ملاحظة أنه لا يلزم من قدم وفاة الشيخ أن يكون أكبر شيوخه، أو أول من سمع منه؛ لأنَّه قد تتقدم وفاة الشخص، ولا يكون كبيرا، وقد يعمر فتتأخر، وقد يبكر في السماع من أناس وتتأخر وفاتهم، وبالعكس فقد يتأخر سماعه من آخرين، وتتقدم وفاتهم.
١ - صالح بن عبد الله بن ذكوان الترمذي (ت ٢٣١ هـ أو بعدها كما سوف يأتي).
٢ - أحمد بن محمد بن موسى السمسار المروزي (قيل توفي ٢٣٥ هـ، وقيل بعد ذلك) (^١).
٣ - محمد بن عمرو السواق البلخي (ت ٢٣٦ هـ).
٤ - إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، المعروف بابن راهويه (ت ٢٣٨ هـ).
٥ - محمود بن غيلان المروزي (ت ٢٣٩ هـ)، وقيل: سنة (٢٤٩ هـ)، والخلاف قوي، فإذا قيل: إن الأول هو قول الجمهور، وإن البخاري والنسائي قد نصا على أن وفاته كانت في رمضان من سنة (تسع وثلاثين ومئتين)، فإن الثاني وإن كان تفرد به محمد بن حمدويه المروزي إلا أنه ذكر تفصيلا يدل على تأكده مما قال، ثم هو بلديه أيضا، فقال: (خرج محمود إلى الحج سنة ست وأربعين، ثم انصرف إلى مرو، وتوفي لعشر بقين من ذي القعدة سنة تع وأربعين ومائتين).
_________________
(١) ينظر: "تهذيب التهذيب" (١/ ٤٥)، حاشية "تهذيب الكمال" (١/ ٤٧٤).
[ ١ / ٢٦ ]
٦ - يحيى بن موسى البلخي (ت ٢٤٠ هـ).
٧ - محمد بن نجيح السندي، ابن أبي معشر (ت ٢٤٧ هـ)، وهو معمر لأنَّه قد قارب المئة عندما توفي (^١).
أما صالح بن عبد الله بن ذكوان الترمذي فقد ذكر ابن حبان أنه توفي سنة (٢٣١ هـ)، ومثله عبد الباقي بن قانع، ولكن خالفهما من هو أولى منهما، فقد قال البخاري: (مات سنة بضع وثلاثين ومائتين أو نحوه بمكة)، وقال البغوي: (مات سنة تسع وثلاثين ومائتين)، ومثله أحمد بن محمد بن بكر.
وأما القول بأن محمد بن جعفر السمناني هو أقدمهم وفاةً، وأنَّه توفي سنة (٢٢٠ هـ) فهذا اعتمادا على ما ذكره ابن حجر في "التقريب"، ويظهر أنه سبق قلم من الحافظ ابن حجر؛ لأنَّه موجود بخطه كذلك، لذا لما ترجم له في "تهذيب التهذيب" لم يذكر وفاته، ومثله المزي في "تهذيب الكمال"، وذكره الذهبي في "تاريخ الإسلام" فيمن توفي ما بين (٢٤١ هـ) وبين (٢٥٠ هـ).
والخلاصة أن أقدمهم وفاة هو محمد بن عمرو السواق البلخي؛ لأن أحمد بن محمد السمسار مختلف في وفاته كما تقدم، بخلاف السواق.
وبناء على ما تقدم فالذي يظهر أن الترمذي قد تأخر طلبه للعلم، وذلك لتأخر وفاة كبار شيوخه، بخلاف شيخه البخاري، فإنه بدأ بالطلب وعمره نحو عشر سنوات، فقد روى الخطيب البغدادي من طريق الفربري، عن محمد بن أبي حاتم الوراق، قال: قلت لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري: (كيف كان بدء أمرك في طلب الحديث؟ قال: ألهمت
_________________
(١) وهناك من ذكر أن من شيوخه علي بن الحسن بن سليمان الواسطي (ت ٢٣٧ هـ)، وهو خطأ، فإن الترمذي لم يرو عنه، وإنما روى عنه مسلم وابن ماجه.
[ ١ / ٢٧ ]
حفظ الحديث وأنا في الكتاب، قال: وكم أتى عليك إذ ذاك؟ فقاد: عشر سنين أو أقل، ثم خرجت من الكتاب بعد العشر، فجعلت أختلف إلى الداخلي وغيره، وقال يوما فيما كان يقرأ للناس: سفيان، عن أبي الزبير، عن إبراهيم. فقلت له: يا أبا فلان، إن أبا الزبير لم يروه عن إبراهيم، فانتهرني، فقلت له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونظر فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام؟ قلت: هو الزبير بن عدي عن إبراهيم، فأخذ القلم مني وأحكم كتابه، فقال: صدقت. فقال له بعض أصحابه: ابن كم كنت إذ رددت عليه؟ فقال: ابن إحدى عشرة) (^١).
ومثله أبو داود السجستاني، فإنه قد قال: (وصليت على عفان ببغداد سنة عشرين، وسمعت من أبي عمر الضرير مجلسا واحدا، ودخلت البصرة وهم يقولون: مات أمس عثمان المؤذن، وسمعت من سعدويه مجلسا واحدا، ومن عاصم بن علي مجلسا واحدا، وتبعت عمر بن حفص بن غياث إلى منزله ولم أسمع منه شيئا) (^٢)، لذا كان من أقدم شيوخه مسلم بن إبراهيم الأزدي (ت ٢٢٤ هـ).
وإذا تقرر ذلك فقد يستفاد منه أنه لم يكن أحد من أسرته كان من أهل العلم، كأبيه أو إخوته - مثلا - ممن هم أكبر منه، وإلا لبكر في طلب العلم - والله تعالى أعلم -.