إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله، وأن محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ وبعد
فقد ألَّف العلماءُ - ﵏ - قديمًا وحديثًا في المشهور من الحديث، وكانت تلك المؤلفات تجمع متون الأحاديث المشهورة على الألسنة عمومًا.
وفي هذا الكتاب اتجهت إلى جمع المشهور من الأسانيد، تكميلًا لصنيع أولئك العلماء، وأعني بالشُّهرة هنا الخاصَّة بأهل الحديث، فهي شهرة نسبية، يدركها - غالبًا - من اشتغل كثيرًا بالأسانيد.
وقد أشار الخطيب البغدادي إلى هذا القسم من علم الحديث بقوله: «لأصحاب الحديث نسخٌ مشهورةٌ، كلُّ نسخة منها تشتمل على أحاديث كثيرة يذكر الرَّاوي إسناد النُّسخة في المتن الأوَّل منها ثم يقول فيما بعده: وبإسناده إلى آخرها، فمنها: -
١ - نسخة يرويها أبو اليمان الحكم بن نافع عن شعيب بن أبى حمزة عن أبى الزِّناد عن الأعرج عن أبى هريرة - ﵁ -.
٢ - ونسخة أخرى عند أبى اليمان عن شعيب أيضًا عن نافع عن ابن عمر - ﵁ -.
٣ - ونسخة عند يزيد بن زُرَيع عن رَوح بن القاسم عن العلاء بن عبد الرَّحمن عن أبيه عن أبى هريرة - ﵁ -.
٤ - ونسخة عند عبد الرَّزاق بن همَّام عن مَعمر بن راشد عن همَّام بن منبِّه عن أبى هريرة - ﵁ -.
وسوى هذا نسخٌ يطول ذكرها …» (^١).
واعتمدت في تعيين هذه الأسانيد على كتاب تحفة الأشراف للحافظ المزِّي - ﵀ -، وكتاب إتحاف المَهَرَة للحافظ ابن حجر - ﵀ -.
فانتقيت منهما في هذا الكتاب (١٦٠) إسنادًا - ثلاثيَّ الرُّواة أو رباعيًا - مشهورًا، تدور عليها أكثر الأحاديث الصحيحة، ما قد يمثل غالب أسانيد تلك الأحاديث، في الكتب المشهورة.
_________________
(١) الكفاية (ص ٢٥٠).
[ ٦ ]
ومن المعلوم أن تحديد هذا العدد أمرٌ اجتهادي، لا ينضبط، بأمر واضح. إلا أن غالب هذه الأسانيد مما يُتَّفق في الجملة على أنها من أشهر أسانيد كتب الحديث المشهورة.
وأعرضَّت عن الأسانيد المشهورة التي تدور على تابعي عن صحابي، لكثرتها، ولأن حفظها ليس بالأمر الصَّعب عادةً، فإذا كثرت الرُّواة عن هذا التابعي، فإنِّني أذكر أكثرهم رواية عنه لذلك السَّند، ليكون كالدَّليل على بقية الرِّوايات.
وجعلت الأسانيدَ الثُّلاثيَّةَ أصلًا لهذا الكتاب، والرُّباعيَّ تابعًا لها، فذِكر الرُّباعيِّ يغني عن الثُّلاثي بطريق الأولى.
مثال ذلك: رواية وَكِيع عن هشام بن عروة عن أبيه عروة عن عائشة، إسناد رباعي يدخل فيه من باب الأولى هذا الإسناد: هشام بن عروة عن أبيه عروة عن عائشة، بجميع طرقه عن هشام، وكذا رواية عروة عن عائشة، بجميع طرقه عن عروة.
فيُكتفى بالرُّباعيِّ عن الثُّلاثيِّ لأنه يحويه ويزيد عليه فائدة التَّخصيص، فكلُّ سند رباعيٍّ هو ثلاثيٌّ في الأصل لا العكس.
وقسمت هذه الأسانيد قسمين: -
١. قسم مشهور جدًا، تدور عليه أكثر أسانيد الأحاديث، يكون الأهمَّ لمن أراد حفظ هذه الأسانيد، وجعلت تحتها خطًا، وفي هذا القسم أربعون إسنادًا، أي ربع العدد، وغالبها رباعيُّ السَّند
٢. قسم مشهور، تدور عليه أحاديث كثيرة، دون القسم الأول، وعدد ما فيه مائة وعشرون إسنادًا.
ووضعت بالحاشية ترجمة موجزة لكل راوٍ في أول موضع يرد فيه من التَّقريب لابن حجر (^١).
وفي حفظ هذه الأسانيد فوائد جمَّة، يدركها أهل الحديث خاصَّة، ومن أهمها: -
١. سهولة حفظ أسانيد الأحاديث التي وردت بها.
٢. القدرة على الحكم على أحاديث وردت بهذه الأسانيد بسهولة نسبيَّة.
_________________
(١) طبع دار العاصمة.
[ ٧ ]
٣. طمأنينة القلب لأكثر الأحاديث التي وردت بهذه الأسانيد، لأنَّ أكثر هذه الأسانيد متَّفق عليها، أو مخرَّج بها في أحد الصَّحيحين (^١)، وقد قيل في جملة منها بأنها أصحُّ الأسانيد.
٤. معرفة الرَّاجح من المرجوح عند الاختلاف على الرُّواة، لأنَّ شهرة هذه الأسانيد من قرائن التَّرجيح (^٢).
فمن حفظ هذه الأسانيد مع تراجم رواتها، وحفظ كذلك التَّراجم الواردة في كتاب: «طبقات المكثرين من رواية الحديث» (^٣)، فإنه سيكتسب ملكةً وقوةً - في الحكم على أسانيد الحديث ومعرفة الرِّجال - قد لا ينالها الكثير إلا بالجهد الشَّديد، في الزَّمن المديد، ويبقى مع ذلك - وهو الأهمُّ هنا - إدمانُ النَّظر في كتب الحديث ورجاله وعلومه، وسلوك منهجهم في ذلك.
واقتصرت في هذه الأسانيد على القويِّ منها، فلم أذكر من الأسانيد المشهورة ما كان فيه علةٌ أو اختلف فيها اختلافًا قويًا، وعددها قليلٌ - بحمد الله - بالنِّسبة للباقي، وأكتفي بالإشارة هنا إلى أهمِّها، … وهي: -
١ - قتادة عن الحسن البصري عن سمرة بن جندب (^٤) - ﵁ -.
٢ - شُعبة عن سِماك بن حرب (^٥) عن جابر بن سَمُرة - ﵁ -.
_________________
(١) جعلت رمز تخريج الصحيح بعد السند، فالرمز (خ) للبخاري، و(م) لمسلم و(خت) لتعليقات البخاري.
(٢) قد بيَّنت هذا بتوسع في مقدمة تحقيقي لكتاب العلل الصغير للإمام الترمذي - ﵀ -.
(٣) طبع دار طويق.
(٤) سمرة بن جندب بن هلال الفزاري حليف الأنصار صحابي مشهور له أحاديث مات بالبصرة سنة ثمان وخمسين ع
(٥) سماك - بكسر أوله وتخفيف الميم - بن حرب بن أوس بن خالد الذهلي البكري الكوفي أبو المغيرة صدوق وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة وقد تغير بآخره فكان ربما تلقن من الرابعة مات سنة ثلاث وعشرين خت م ٤
[ ٨ ]
٣ - مُجِالد بن سعيد (^١) عن الشَّعبي عن جابر بن عبد الله - ﵁ -.
٤ - ابن لَهيعة (^٢) عن أبي الزُّبير عن جابر بن عبد الله - ﵁ -.
٥ - درَّاج (^٣) عن أبي الهيثم (^٤) عن أبي سعيد الخُدْري - ﵁ -.
٦ - محمد بن عبد الرَّحمن بن أبي ليلى (^٥) عن عطيَّة العَوفي (^٦) عن أبي سعيد الخُدْري - ﵁ -.
٧ - عطاء بن السَّائب (^٧) عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس - ﵁ -.
_________________
(١) مجالد - بضم أوله وتخفيف الجيم - بن سعيد بن عمير الهَمْداني - بسكون الميم - أبو عمرو الكوفي ليس بالقوي وقد تغير في آخر عمره من صغار السادسة مات سنة أربع وأربعين م ٤
(٢) عبد الله بن لهيعة - بفتح اللام وكسر الهاء - بن عقبة الحضرمي أبو عبد الرحمن المصري القاضي صدوق من السابعة خلط بعد احتراق كتبه ورواية بن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما وله في مسلم بعض شيء مقرون مات سنة أربع وسبعين وقد ناف على الثمانين م د ت ق
(٣) درَّاج - بتثقيل الراء وآخره جيم - بن سمعان أبو السَّمح - بمهملتين الأولى مفتوحة والميم ساكنة - قيل اسمه عبد الرحمن ودرَّاج لقب السهمي مولاهم المصري القاص صدوق في حديثه عن أبي الهيثم ضعف من الرابعة مات سنة ست وعشرين بخ ٤
(٤) سليمان بن عمرو بن عبد أو عبيد الليثي أبو الهيثم المصري ثقة من الرابعة بخ ٤
(٥) محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي القاضي أبو عبد الرحمن صدوق سيء الحفظ جدا من السابعة مات سنة ثمان وأربعين خت ٤
(٦) عطية بن سعد بن جُنادة - بضم الجيم بعدها نون خفيفة - العوفي الجدلي - بفتح الجيم والمهملة - الكوفي أبو الحسن صدوق يخطئ كثيرا وكان شيعيا مدلسا من الثالثة مات سنة إحدى عشرة بخ د ت ق
(٧) عطاء بن السائب أبو محمد ويقال أبو السائب الثقفي الكوفي صدوق اختلط من الخامسة مات سنة ست وثلاثين خ ٤
[ ٩ ]
٨ - سِمَاك بن حَرب عن عِكرمة عن ابن عباس - ﵁ -.
٩ - الحَكَم بن عُتَيبة (^١) عن مِقْسَم (^٢) عن ابن عباس - ﵁ -.
١٠ - أُسامة بن زيد الَّليثي (^٣) عن نافع عن ابن عمر - ﵁ -.
١١ - عبد الله بن عمر العُمَري (^٤) عن نافع عن ابن عمر - ﵁ -.
١٢ - ابن إسحاق (^٥) عن نافع عن ابن عمر - ﵁ -.
١٣ - أبو إسحاق السَّبيعي عن أبي عُبيدة (^٦) عن ابن مسعود - ﵁ -.
_________________
(١) الحكم بن عتيبة - بالمثناة ثم الموحدة مصغرا - أبو محمد الكندي الكوفي ثقة ثبت فقيه إلا أنه ربما دلس من الخامسة مات سنة ثلاث عشرة أو بعدها وله نيف وستون ع
(٢) مِقسم - بكسر أوله - بن بُجْرة - بضم الموحدة وسكون الجيم - ويقال نجدة - بفتح النون وبدال - أبو القاسم مولى عبد الله بن الحارث ويقال له مولى ابن عباس - ﵁ - للزومه له صدوق وكان يرسل من الرابعة مات سنة إحدى ومائة وما له في البخاري سوى حديث واحد خ ٤
(٣) أسامة بن زيد الليثي مولاهم أبو زيد المدني صدوق يهم من السابعة مات سنة ثلاث وخمسين وهو ابن بضع وسبعين خت م ٤
(٤) عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو عبد الرحمن العمري المدني ضعيف عابد من السابعة مات سنة إحدى وسبعين وقيل بعدها م ٤
(٥) محمد بن إسحاق بن يسار أبو بكر المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق إمام المغازي صدوق يدلس ورمي بالتشيع والقدر من صغار الخامسة مات سنة خمسين ومائة ويقال بعدها خت م ٤
(٦) أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود مشهور بكنيته والأشهر أنه لا اسم له غيرها ويقال اسمه عامر كوفي ثقة من كبار الثالثة والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه مات بعد سنة ثمانين ع
[ ١٠ ]
١٤ - أبو إسحاق السَّبيعي عن الحارث (^١) عن علي بن أبي طالب - ﵁ -
وفي الختام أسأل الله تعالى أن يجعل أعمالنا كلَّها خالصة له، موافقة لسنَّة نبيه - ﷺ -، إنه قريب مجيب.
وصلَّى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه
عادل بن عبد الشَّكور الزُّرَقي
_________________
(١) الحارث بن عبد الله الأعور الهمداني بسكون الميم الحوتي - بضم المهملة وبالمثناة - الكوفي أبو زهير صاحب علي كذَّبه الشَّعبي في رأيه ورمي بالرَّفض وفي حديثه ضعف وليس له عند النَّسائي سوى حديثين مات في خلافة ابن الزبير، وهو من الثانية ٤
[ ١١ ]