فحين ذُكِر نوع زيادات الرواة في كتب علوم الحديث، هناك من قيّد وصف الراوي الزائد في الحديث بوصف الثقة، وهناك من لم يصرّح بهذا القيد لكن سياق الكلام يدل عليه، بل ويقتضيه؛ حيث الزيادة في الحديث لا يكون لها أثر ما لم يكن راويها في حيّز القبول، "فالزيادات في الأحاديث تكون من الثقات ومن الضعفاء، والزيادة من الضعيف غير
مقبولة؛ لأن حديثه مردود أصلا سواء زاد أم لم يزد" (٣)، بل نجد أئمة الحديث يشترطون
_________________
(١) ابن كثير، الاختصار، ٢٧.
(٢) ابن حجر، النزهة، ٣٤.
(٣) الفحل، اختلاف الأسانيد، ٣٢٠.
[ ٤٠٢ ]
في قبول الزيادة من الرواة كونهم من الحفاظ المتقنين، حيث قال الإمام مسلم "والزيادة في الأخبار لا يلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يُعثر عليهم الوهم في حفظهم" (١).
وقال الترمذي: "ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث، وإنما يصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه" (٢).
ونقل ابن حجر عن ابن خزيمة قوله: "لسنا ندفع أن تكون الزيادة مقبولة من الحفاظ، ولكنا نقول: إذا تكافأت الرواة في الحفظ والإتقان، فروى حافظ عالم بالأخبار زيادة في خبر قبلت زيادته". (٣)
وزاد ابن حبان شرطًا وهو أن يكون الراوي فقيها في حال كانت الزيادة في متن الحديث، فقال: "وأما زيادة الألفاظ في الروايات؛ فإنا لا نقبل شيئا منها؛ إلا عن من كان الغالب عليه الفقه حتى يعلمَ أنه كان يروي الشيء ويعلمه، حتى لا يَشُك فيه أنه أزاله عن سَننِه، أو غيَّره عن معناه أم لا؟ " (٤)
_________________
(١) مسلم، التمييز، ١٨٩.
(٢) الترمذي، السنن، ٦/ ٢٥٥.
(٣) ابن حجر، النكت، ٢/ ٦٨٩.
(٤) صحيح ابن حبان، ١/ ١١٩، وعلل ذلك بقوله: "لأن أصحاب الحديث الغالب عليهم حفظ الأسامي والأسانيد دون المتون، والفقهاء الغالب عليهم حفظ المتون وأحكامها وأداؤها بالمعنى، دون حفظ الأسانيد وأسماء المحدثين، فإذا رفع محدث خبرا، وكان الغالب عليه الفقه: لم أقبل رفعه إلا من كتابه؛ لأنه لا يعلم المسند من المرسل، ولا الموقوف من المنقطع، وإنما همته إحكام المتن فقط. وكذلك لا أقبل عن صاحب حديث حافظ متقن أتى بزيادة لفظة في الخبر؛ لأن الغالب عليه إحكام الإسناد، وحفظ الأسامي، والإغضاء عن المتون وما فيها من الألفاظ؛ إلا من كتابه، هذا هو الاحتياط في قبول الزيادات في الألفاظ". ينظر كذلك: ابن حبان، المجروحين، ١/ ٩٣ - ٩٤.
[ ٤٠٣ ]
وهذا الشرط "مما انفرد به ابن حبان، واشتراط ثِقة الناقل وعدم الدليل على وهمه فيما زاد يدفع المظِنة التي ذكرها ابن حبان." (١).
ونجد ابن حجر في النزهة يحدد مرتبة راوي الزيادة المقبولة بأنه من كان في مرتبة رواة الصحيح أو الحسن، ثم زاد زيادة فقال: "وزيادة راويهما، أي: الصحيح والحسن، مقبولة " (٢)، فالثقة "قد يطلق على من كان مقبولا، وإن لم يكن تام الضبط" (٣).
وبالرغم من أن الحاكم حين ذكر نوع الزيادات أطلق ذكرها دون تقييد بوصف الراوي الزائد بدرجة القبول، وذكر ضمن أمثلته زيادات للثقات وغيرهم، إلا أنه حين تكون الزيادة من ثقة فهو ينبّه على ذلك في الغالب (٤)، بل إنه صرّح في النوع الثالث عشر من الأنواع التي ذكرها في كتابه هذا: بأن الزيادة من الثقة مقبولة (٥)، ونجده يبني كتابه المستدرك على ذلك.
_________________
(١) الجديع، التحرير، ٢/ ٦٩٦، "وهذا الشرط الزائد الذي اشترطه ابن حبان هو شرط نظري لم يلتزمه في كتابه". سليم، زيادة الثقة في الأسانيد والمتن، ٨٨.
(٢) ابن حجر، المرجع السابق، ٨٢.
(٣) الجزائري، التوجيه، ١/ ١٨١.
(٤) ينظر: الحاكم، علوم الحديث، ١٣١ - ١٣٥. فبعد أن ذكر المثال الأول قال: "هذا حديث صحيح محفوظ، رواه جماعة من أئمة المسلمين، عن مالك ابن مغول، وكذلك عن عثمان بن عمر، فلم يذكر أول الوقت فيه غير بندار بن بشار، والحسن بن مكرم، وهما ثقتان فقيهان" وبعد المثال الرابع قال: "هذا حديث رواه جماعة من التابعين وغيرهم، عن محمد بن جابر، فلم يذكر الزيادة في حك الفخذ غير عبد الله بن رجاء، عن همام بن يحيى، وهما ثقتان." وبعد المثال السادس قال: "هذا حديث مروي من غير وجه لم يذكر فيه فمن نام فليتوضأ غير إبراهيم ابن موسى الرازي، وهو ثقة، مأمون". وبعد المثال التاسع قال: هذا حديث رواه الناس عن أيوب، فلم يذكر الزيادة من تثنية «قد قامت الصلاة»، غير سماك بن عطية البصري، وهو ثقة". أما المثال العاشر فقد تفرّد به أنس بن مالك وهو إمام في الحديث.
(٥) ينظر: الحاكم، المرجع السابق، ٤٠.
[ ٤٠٤ ]
فأكّد في خطبة كتابه: "أن الزيادة في الأسانيد والمتون من الثقات مقبولة" (١)، ونجده كثيرًا ما يكرر قوله: "فأنا على الأصل الذي أصلته في قبول الزيادة من الثقة في الأسانيد والمتون" (٢).