وفي تحرير معناه اضطراب. فقال الخَطَّابيُّ ﵀: "هو ما عُرِفَ مَخْرجُه واشتَهَر رجالُه، وعليه مَدارُ أكثرِ الحديث. وهو الذي يَقبَلُه أكثرُ العلماء، ويَستعملُه عامَّة الفقهاء". وهذه عبارةٌ ليسَتْ على صِناعة الحدودِ والتعريفات، إذْ الصحيحُ يَنطَبقُ ذلك عليه أيضًا! لكنْ مُرادُه: مما لم يَبْلُغ درجةَ الصحيح.
فأقولُ: الحَسَنُ ما ارتَقَى عن درجة الضعيف، ولم يَبلُغ درجةَ الصحَّة.
[ ٢٦ ]
وإن شِئتَ قلتَ: "الحَسَنُ ما سَلِمَ من ضعفِ الرُّواة"، فهو حينئذٍ داخلٌ في قِسْم الصحيح. وحينئذٍ يكونُ الصحيحُ مراتب كما قدَّمناه، والحسَنُ ذا رتُبةٍ دُونَ تلك المراتب، فجاء الحسَنُ مثلًا في آخِرِ مراتب الصحيح.
وأما الترمذيُّ، فهو أوَّلُ مَن خَصَّ هذا النوع باسم (الحَسَن) . وذَكَر أنه يريدُ به: أن يَسْلَم راوِيه مِن أن يكون مُتَّهَمًا، وأن يَسْلَم مِن الشذوذ، وأن يُروَى نحوُهُ مِن غير وجه. وهذا مشكلٌ أيضًا على ما يقولُ فيه: (حسَنٌ، غريب، لا نعرفه إلا مِن هذا الوجه) .
وقيل: الحسَنُ ما ضَعْفُه مُحتَمَل، ويَسوغُ العملُ به. وهذا أيضًا ليس مضبوطًا بضابطٍ يَتميَّزُ به الضَّعْفُ المحتمَل.
[ ٢٧ ]
وقال ابن الصلاح ﵀: "إنَّ الحسَنَ قِسْمان (١):
أحدُهما: ما لا يخلو سَنَدُه مِن مستورٍ لم تَتحقَّق أهليتهُ، لكنه غير مُغَفَّل، ولا خطَّاءٍ، ولا مُتَّهَم. ويكون المتنُ مع ذلك عُرِف مِثلُه أو نحوُه مِن وجهٍ آخر اعتَضد به.
وثانيهما: أن يكون راوِيه مشهورًا بالصدق والأمانة، لكنه لم يبلغ درجةَ رجالِ الصحيح، لقصوره عنهم في الحفظ والإتقان. وهو مع ذلك يرتفع عن حالِ مَن يُعَدُّ تفرُّدُه منكَرًا، مع عَدَمِ الشذوذِ والعِلَّة".
فهذا عليه مؤاخذات. وقد قلتُ لك: إنَّ الحسَنَ ما قَصُرَ سَنَدُه قليلًا عن رُتبة الصحيح، وسيَظهر لك بأمثلة.
ثم لا تَطمَعْ بأنَّ للحسَنِ (٢) قاعدةً تندرجُ كلُّ الأحاديثِ الحِسانِ فيها، فأَنَا على إِياسٍ من ذلك! فَكَمْ مِن حديثٍ تردَّدَ فيه الحُفَّاظُ: هل هو حسَن؟ أو ضعيف؟ أو صحيحٌ؟ بل الحافظُ الواحدُ يتغيَّرُ اجتهادُه
_________________
(١) - في (ش): "قَسمان" بفتح القاف، والصحيح بكسرها.
(٢) - في (ش): "للحسَنَ" بفتح النون، والصواب بكسرها.
[ ٢٨ ]
في الحديث الواحد: فيومًا يَصِفُه بالصحة، ويومًا يَصِفُه بالحُسْن، وَلَرُبَّما استَضْعَفَه!
وهذا حقٌّ، فإنَّ الحديثَ الحَسَنَ يَستضعفه الحافظُ عن أن يُرَقِّيَه إلى رُتبةِ (١) الصحيح. فبهذا الاعتبارِ فيه ضَعْفٌ مَّا، إذْ الحَسَنُ لا ينفكُّ عن ضَعْفٍ مَّا. ولو انفَكَّ عن ذلك، لصَحَّ باتفاق.
وقولُ الترمذيّ: (هذا حديثٌ حسَنٌ، صحيح) عليهِ إشكال: بأن الحَسَن قاصِرٌ عن الصحيح، ففي الجمع بين السَّمْتَيْنِ لحديثٍ واحدٍ مُجاذَبَة! وأُجيبَ عن هذا بشيء لا ينَهض أبدًا، وهو أنَّ ذلك راجعٌ إلى الإسناد: فيكون قد رُوي بإسنادٍ حسن، وبإسنادٍ صحيح. وحينئذٍ لو قيل: (حسن، صحيح، لا نعرفه إلاَّ مِن هذا الوجه)، لبَطَلَ هذا الجواب!
وحقيقةُ ذلك - أن لو كان كذلك - أن يقال: (حديث حَسنٌ وَصحيح) . فكيف العَملُ في حديثٍ يقول فيه: (حسَنٌ، صحيحُ،
_________________
(١) - في (ش): "مرتبةُ" بزيادة ميم، وهو مخالف للأصل.
[ ٢٩ ]
لا نعرفه إلاَّ مِن هذا الوجه)؟ فهذا يُبطِلُ قولَ من قال: أن يكون ذلك بإسنادين.
ويَسُوغُ أن يكون مُرادُه بالحَسَن: المعنىَ اللغويَّ لا الاصطلاحيَّ، وهو إقبالُ النفوسِ وإصغاءُ الأسماعِ إلى حُسنِ مَتْنِه، وجِزَالةِ لفظِه، وما فيه من الثوابِ والخير. فكثيرٌ مِن المتون النبوية بهذه المثابة.
قال شيخنا ابنُ وهب: فَعَلَى هذا، يَلزمُ إطلاقُ الحَسَنِ على
[ ٣٠ ]
بعضِ الموضوعات! ولا قائلٌ بهذا. ثم قال: "فأقولُ: لا يُشتَرَطُ في الحَسَن قيدُ القُصور عن الصحيح، وإنما جاء القصورُ إذا اقتُصر على: (حديث حَسَن) . فالقصورُ يأتيه من قيدِ الاقتصار، لا من حيث حقيقتهُ وذاتهُ". ثم قال: "فللرُّواةِ صفاتٌ تقتضي قبولَ الرواية، ولتلك الصفاتِ دَرَجَاتٌ بعضُها فوقَ بعض، كالتيقُّظِ والحفظِ والإتقان. فوجودُ الدَّرَجةِ الدنيا، كالصدقِ مثلًا وعَدَمِ التُّهمة، لا ينافيه
[ ٣١ ]
وجودُ ما هو أعلى منهُ من الإتقانِ والحفظ. فإذا وُجدتْ الدرجةُ العُلْيا، لم يُنافِ ذلك وجودُ الدنيا كالحفظ مع الصدق. فَصحَّ أن يقال: (حسَنٌ) باعتبار الدنيا، (صحيحٌ) باعتبار العُلْيا. ويَلزَمُ على ذلك أن يكون كلُّ صحيحٍ حسنًا، فيُلتَزَمُ ذلك. وعليه عبارات المتقدمين، فإنهم يقولون فيما صَحَّ: (هذا حديثٌ حسن) ".
قلتُ: فأعلى مراتب الحَسَن:
- بَهْزُ بن حَكيم، عن أبيه، عن جَدِّه. و:
- عَمْرو (١) بن شُعَيب، عن أبيه، عن جَدِّه. و:
- محمد بن عَمْرو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة. و:
_________________
(١) - ابتداءً من هنا، هناك سقط في (ظ) لفقدان ورقة من المخطوطة بوجهَيها.
[ ٣٢ ]
- ابنُ إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التَّيْمِي. وأمثالُ ذلك.
وهو قِسمُ مُتجاذَبٌ بين الصحةِ والحُسن. فإنَّ عِدَّةً من الحُفَّاظ يُصَحِّحون هذه الطُرُقَ، وينعتونها بأنها من أدنى مراتب الصحيح.
ثم بعد ذلك، أمثلةٌ كثيرة يُتَنازَعُ فيها: بعضُهم يُحَسِّنونها، وآخَرُون يُضعِّفونها. كحديث الحارثِ بن عبد الله، وعاصم بن ضَمْرة، وحَجَّاج بن أَرْطَاة، وخُصَيْف، ودَرَّاجٍ أبي السَّمْح، وخلقٍ سِواهم.