وأخذت الحياة العلمية في الازدياد، وكثر الراوون للأحاديث والكاتبون له من التابعين، وفي أواخر عصر التابعين اتسعت رقعة الإسلام، وانطوى تحت لوائه شعوب من كل جنس ولون، وفيهم المخلص وغير المخلص، ومنهم من ذاب في الإسلام ظهرا وباطنا ومنهم من اندمج فيه ظاهرا، وحمل له العداوة باطنا.
[ ٦٤ ]
وكانت قد ظهرت الخلافات السياسية والمذهبية، والعصبيات الجنسية وأطل الزنادقة وأعداء الإسلام برءوسهم، ووجد هؤلاء وأولئك مجالا لتأييد نحلهم ومذاهبهم وآرائهم وإرضاء أحقادهم فشرعوا يضعون بعض الأحاديث لذلك حتى كاد الباطل أن يلتبس بالحق، وأن يلبس الكذب ثوب الصدق.
"متى بدأ التدوين؟ ":
فرأى الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ﵁ جمع الأحاديث والسنن في الصحف، وأن تدون تدوينا عاما في الكتب حتى لا يختلط الصحيح بالزائف، وحتى لا يضيع منها شيء يموت حفاظها، فكتب إلى عماله في الأمصار الإسلامية يأمرهم بذلك، وكتب بذلك أيضا إلى العلماء المبرزين في الأقطار، وكان ذلك على رأس المائة الأولى١. روى الإمام مالك في الموطأ، رواية محمد بن الحسن أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم٢: "أن انظر ما كان من حديث رسول الله -ﷺ- أو سننه أو حديث عمر أو نحو هذا فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، وأوصاه أن يكتب ما عند عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية، والقاسم بن محمد بن أبي بكر" ورواه الإمام البخاري في صحيحه تعليقا فقال: "وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: ﵄: أن انظر ما كان عندك -أي في بلدك- من حديث رسول الله -ﷺ- فاكتبه. فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء ولا تقبل إلا حديث النبي -ﷺ-
_________________
(١) ١ كانت خلافته من سنة ٩٩ إلى ١٠١هـ. ٢ قد ينسب إلى جد أبيه كما في رواية البخاري، ولجده عمرو صحبة، ولأبيه رؤية، وهو فقيه تابعي استعمله عمر بن عبد العزيز على المدينة، وولاه قضاءها، توفي سنة "١٢٠هـ"، وقد روى عن بعض الصحابة وعن خالته عمرة، وعن خالدة بنت أنس ولها صحبة. قال الإمام مالك، لم يكن أحد بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبي بكر بن حزم" ولا يعرف له اسم غير أبي بكر، وقيل اسمه أبو بكر وكنيته أبو محمد.
[ ٦٥ ]
ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم من لا يعلم. فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا"١. أي خفية، يعني أن كتمان العلم يؤدي إلى ذهابه وهلكته.
ورواه موصولا بسنده. ولكن إلى قول "ذهاب العلماء"٢ وأخرج أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" بسنده عن عمر بن عبد العزيز، ﵁ أنه كتب إلى علماء الآفاق: "انظروا إلى حديث رسول الله -ﷺ- فاجمعوه".
وممن كتب إليه الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري المدني أحد الأئمة وعالم أهل الحجاز والشام المتوفى سنة أربع وعشرين ومائة هجرية. وقد صادف هذا الأمر من الخليفة الراشد هوى في نفوس العلماء والولاة أمثال أبي بكر بن حزم والزهري وسعيد بن أبي عروبة. والربيع بن صبيح وغيرهم. وكانوا يصنفون كل باب على حدة فقاموا بما ندبوا إليه خير قيام. وأقبلوا على جمع الأحاديث والسنن وتجميعها وتمييز صحيحها من سقيمها. ومقبولها من مردودها. ولا سيما أنه لم يعد من السلف من كان يتحرج من الكتابة فقد ارتفع الخلاف الذي كان أولا. واستقر الأمر. وانقعد الإجماع على جواز كتابة الأحاديث بل على استحبابها. بل على وجوبها على من يتعين عليه تبليغ العلم والأحكام ولا تلتفت إلى تشكيك المستشرقين في هذا زعمهم أنه -ﷺ- أمر بعدم الكتابة. ولكن لعلهم لم يأتمروا به! ولا تلتفت أيضا إلى من تابعهم في هذا من الكتاب المعاصرين٣ فقد قام شاهد العيان على أنهم نفذوا ما
_________________
(١) ١ صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم. ٢ صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم، أما ما بعد ذلك فيحتمل أن يكون من كلام عمر بن عبد العزيز، ولكن لم يدخل في هذه الرواية الموصولة، ويحتمل أن يكون من كلام البخاري أورده عقيب كلام عمر بن عبد العزيز بعد انتهائه وبه سرح أبو نعيم في المستخرج عمدة القارئ ج١ ص٥٢٧ ط عثمانية، وانظر فتح الباري ج١ ص١٩٤، ١٩٥. ٣ ضحى الإسلام للأستاذ أحمد أمين ج٢ ص١٠٦.
[ ٦٦ ]
أمروا به، وأنهم كانوا مهيئين لذلك غاية التهيؤ، وسترى عن كثب ما تمخض عنه هذا الأمر الرشيد من الخليفة الراشد من خير عميم وجمع كثير١.
_________________
(١) ١ انظر كتابنا "دفاع عن السنة" ورد شبه المستشرقين والكتاب المعاصر ص٢٣٨.
[ ٦٧ ]