المبحث الأول
الاختلاف لغة واصطلاحًا
المطلب الأول
تعريف الاختلاف لغة
الاختلاف: افتعال مصدر اختلف، واختلف ضد اتفق، ويقال: «تخالف القوم واختلفوا، إذا ذهب كُلّ واحد مِنْهُمْ إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر» .
ويقال: «تخالف الأمران، واختلفا إذا لَمْ يتفقا وكل ما لَمْ يتساو: فَقَدْ تخالف واختلف» .
ومنه قولهم: اختلف الناس في كَذَا، والناس خلفة أي مختلفون؛ لأن كُلّ واحد مِنْهُمْ ينحي قَوْل صاحبه، ويقيم نفسه مقام الَّذِيْ نحّاه (١) . ومنه حَدِيْث النَّبِيّﷺ -:
«سَوّوا صفوفكم ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم» (٢) .
وبعد أن ساق الزَّبِيديُّ (٣) هَذَا الْحَدِيْث قَالَ في معناه: «أي: إذا تقدّم بعضُهم عَلَى بَعضٍ في الصُّفُوفِ تأثرت قُلوبُهم، ونشأَ بينهم اختلافٌ في الأُلْفَةِ والموَدَّةِ» (٤) .
ويستعمل الاختلاف عِنْدَ الفقهاء بمعناه اللُّغويِّ.
_________________
(١) مقاييس اللغة ٢/٢١٣، والقاموس المحيط ٣/١٤٣، ولسان العرب ٩/٩١، والمصباح المنير: ١٧٩ (خلف) .
(٢) أخرجه الطيالسي (٧٤١)، وعبد الرزاق (٢٤٣١)، وأحمد ٤/٢٨٥ و٢٩٧ و٣٠٤، والدارمي
(٣) ، وأبو داود (٦٦٤)، والنسائي ٢/٨٩-٩٠، وفي الكبرى لَهُ (٨٨٥)، وابن خزيمة
(٤) و(١٥٥٢) و(١٥٥٦) و(١٥٥٧)، وابن حبان (٢١٦٠) وفي طبعة الرسالة (٢١٦١)، والبيهقي ٣/١٠٣، والبغوي (٨١٨) من حَدِيْث البراء بن عازب: وَهُوَ حَدِيْث صَحِيْح.
(٥) هُوَ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن عَبْد الرزاق الحسيني، الزبيدي، أبو الفيض، الملقب بالمرتضى، برع في اللغة والحديث والأنساب، لَهُ عدة مصنفات مِنْهَا: " تاج العروس "، و" إتحاف السادة المتقين " وغيرها. ولد سنة (١١٤٥ هـ)، وتوفي سنة (١٢٠٥ هـ) . الأعلام ٧/٧٠، ومعجم المؤلفين ١١/٢٨٢.
(٦) انظر: تاج العروس ٢٣/٢٧٥ (خلف) .
[ ١ ]
أمّا الخِلافُ - بالكسر - فهو المُضَادّةُ، وَقَدْ خالَفَهُ مُخالَفَةً وخِلافًا كَمَا في اللسان (١) .
والخِلافُ: المُخَالَفَةُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ (٢) أي: مُخُالَفَةَ رَسُولِ اللهِ (٣) .
المطلب الثاني
تعريف الاختلاف اصطلاحًا
لَمْ أجد تعريفًا للعلماء في الاختلاف، لَكِنْ يمكنني أن أعرفه بأنه: ما اختلف الرُّوَاة فِيْهِ سندًا أو متنًا.
وعلى هَذَا التعريف يمكننا أن نقسّم الاختلاف عَلَى ضربين:
الأول: اختلاف الرُّوَاة في السند: وَهُوَ أن يختلف الرُّوَاة في سند ما زيادة أو نقصانًا، بحذف راوٍ، أو إضافته، أَوْ تغيير اسم، أَوْ اختلاف بوصل وإرسال، أَوْ اتصال وانقطاع، أو اختلاف في الجمع والإفراد (٤) .
الثاني: اختلاف الرُّوَاة في الْمَتْن: زيادة ونقصانًا، أو رفعًا ووقفًا.
وَقَدْ أحسن وأجاد الإمام مُسْلِم بن الحجاج (٥)
_________________
(١) اللسان ٩/٩٠ (خلف)، طبعة دار صادر.
(٢) التوبة: ٨.
(٣) تفسير القرطبي ٤/٣٠٥٥، وانظر: الصحاح ٤/١٣٥٧، والتاج ٢٣/٢٧٤ (خلف) .
(٤) وذلك مثل أن يروي الْحَدِيْث قوم - مثلًا - عَنْ رجل عَنْ فُلاَن وفلان، ويرويه غيرهم عَنْ ذَلِكَ الرجل عَنْ فُلاَن مفردًا، وذلك قَدْ يؤدي إلى وهم من حَيْثُ إنه قَدْ يحمل رِوَايَة الجمع عَلَى رِوَايَة الفرد.
(٥) مُسْلِم بن الحجاج بن مُسْلِم القشيري، أبو الحسين النيسابوري، الحافظ المجود، صاحب " الصَّحِيْح "، لَهُ: " الصَّحِيْح " و" التمييز " و" الكنى " وغيرها، ولد سنة (٢٠٤ هـ)، وتوفي سنة (٢٦١ هـ) . طبقات الحنابلة ١/٣١١، وتهذيب الكمال ٧/٩٥ (٦٥١٥)، وسير أعلام النبلاء ١٢/٥٥٧.
[ ٢ ]
إذ صوّر لنا الاختلاف تصويرًا بديعًا فَقَالَ في كتابه العظيم " التمييز ": «اعلم، أرشدك الله، أن الَّذِيْ يدور بِهِ مَعْرِفَة الخطأ في رِوَايَة ناقل الْحَدِيْث – إذا هم اختلفوا فِيْهِ - من جهتين:
أحدهما: أن ينقل الناقل حديثًا بإسناد فينسب رجلًا مشهورًا بنسب في إسناد خبره خلاف نسبته الَّتِيْ هِيَ نسبته، أو يسميه باسم سوى اسمه، فيكون خطأ ذَلِكَ غَيْر خفيٍّ عَلَى أهل العلم حين يرد عليهم
والجهة الأخرى: أن يروي نفر من حفّاظ الناس حديثًا عَنْ مثل الزهري (١) أو غيره من الأئمة بإسناد واحد ومتن واحد مجتمعون عَلَى روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فِيْهِ في معنى، فيرويه آخر سواهم عمن حدث عَنْهُ النفر الَّذِيْنَ وصفناهم بعينه فيخالفهم في الإسناد أو يقلب الْمَتْن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ، فيعلم حينئذٍ أنَّ الصَّحِيْح من الروايتين ما حدّث الجماعة من الحفاظ، دون الواحد المنفرد وإن كَانَ حافظًا، عَلَى هَذَا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الْحَدِيْث، مثل شعبة (٢)
_________________
(١) هُوَ مُحَمَّد بن مُسْلِم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، أحد الفقهاء والمحدثين والأعلام التَّابِعِيْنَ بالمدينة، رأى عشرة من الصَّحَابَة - ﵃ - أجمعين، توفي سنة (١٢٤ هـ)، وَقِيْلَ (١٢٣ هـ)،وَقِيْلَ سنة (١٢٥ هـ) . طبقات خليفة: ٢٦١، والتاريخ الكبير ١/٢٢٠ و٢٢١، ووفيات الأعيان ٤/١٧٧ و١٧٨.
(٢) شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم، أبو بسطام الواسطي، ثُمَّ البصري ولد سنة (٨٠ هـ)، وَقِيْلَ سنة (٨٢ هـ): ثقة حافظ متقن، قَالَ سفيان الثوري: شعبة أمير المؤمنين في الْحَدِيْث، توفي سنة (١٦٠هـ) . تهذيب الكمال ٣/٣٨٧ (٢٧٢٥)، وسير أعلام النبلاء ٧/٢٠٢، والتقريب (٢٧٩٠) .
[ ٣ ]
وسفيان بن عيينة (١) ويحيى بن سعيد (٢) وعبد الرحمان بن مهدي (٣) وغيرهم من أئمة أهل العلم» (٤) .
المبحث الثاني
الفرق بَيْنَ الاضطراب والاختلاف
الْحَدِيْث المضطرب: هُوَ ما اختلف راويه فِيْهِ، فرواه مرة عَلَى وجه، ومرة عَلَى وجه آخر مخالف لَهُ. وهكذا إن اضطرب فِيْهِ راويان فأكثر فرواه كُلّ واحد عَلَى وجه مخالف للآخر (٥) .
_________________
(١) سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي، أبو مُحَمَّد الكوفي، ثُمَّ المكي، ولد سنة (١٠٧ هـ): ثقة حافظ فقيه إمام حجة، توفي سنة (١٩٨ هـ) . تهذيب الكمال ٣/٢٢٣ (٢٣٩٧)، وسير أعلام النبلاء ٨/٤٥٤، والتقريب (٢٤٥١) .
(٢) يحيى بن سعيد بن فروخ القطان التميمي، أبو سعيد البصري، ولد سنة (١٢٠ هـ): ثقة متقن حافظ إمام قدوة، توفي سنة (١٩٨ هـ) . تهذيب الكمال ٨/٣٨ (٧٤٢٩)، وسير أعلام النبلاء ٩/١٧٥، والتقريب (٧٥٥٧) .
(٣) عَبْد الرحمان بن مهدي بن حسان العنبري، وَقِيْلَ الأزدي مولاهم، أبو سعيد البصري اللؤلؤي، ولد سنة (١٣٥ هـ): ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث، توفي سنة (١٩٨ هـ) . تهذيب الكمال ٤/٤٧٦ (٣٩٥٧)، وسير أعلام النبلاء ٩/١٩٢، والتقريب (٤٠١٨) .
(٤) التمييز: ١٢٤-١٢٦.
(٥) شرح التبصرة والتذكرة ١/٢٤٠، وفي طبعتنا ١/٢٩٠، وانظر: مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث: ١٩٢ طبعتنا، و٨٤ من طبعة نور الدين، وإرشاد طلاب الحقائق ١/٢٤٩-٢٥٣، والتقريب: ١٢٣ طبعتنا، و٧٧ من طبعة الخن، والاقتراح: ٢١٩، والمنهل الروي: ٥٢، والخلاصة ٧٦، والموقظة: ٥١، واختصار علوم الْحَدِيْث: ٧٢، والتذكرة: ١٨، ومحاسن الاصطلاح: ٢٠٤، والتقييد والإيضاح: ١٢٤، ونزهة النظر: ١٢٦، والنكت عَلَى كتاب ابن الصلاح: ٢/٧٧٢، والمختصر: ١٠٤، وفتح المغيث ١/٢٢١، وألفية السيوطي: ٦٧-٦٨، وتوضيح الأفكار ٢/٣٤، وظفر الأماني: ٣٩٢، وقواعد التحديث: ١٣٢.
[ ٤ ]
ومن شرط الاضطراب: تساوي الروايات المضطربة بحيث لا تترجح إحداها عَلَى الأخرى.
أما إذا ترجحت إحدى الروايات فلا يسمى مضطربًا، بَلْ هُوَ مطلق اختلافٍ، قَالَ العراقي (١): «أما إذا ترجحت إحداهما بكون راويها أحفظ، أو أكثر صُحْبَة للمروي عَنْهُ، أو غَيْر ذَلِكَ من وجوه الترجيح؛ فإنه لا يطلق عَلَى الوجه الراجح وصف الاضطراب ولا لَهُ حكمه، والحكم حينئذ للوجه الراجح» (٢) . وهذا أمر معروف بَيْنَ الْمُحَدِّثِيْنَ لا خلاف فِيْهِ؛ لذا نجد المباركفوري يَقُوْلُ: «قَدْ تقرر في أصول الْحَدِيْث أنّ مجرد الاختلاف لا يوجب الاضطراب، بَلْ من شرطه استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قُدِّمَ» (٣) .
فعلى هَذَا شرط الاضطراب تساوي الروايات، أما إذا ترجحت إحداهما
_________________
(١) هُوَ زين الدين عَبْد الرحيم بن الحسين بن عَبْد الرحمان بن أبي بكر بن إبراهيم، المهراني المولد، العراقي الأصل الكردي، الشَّافِعِيّ المذهب، حافظ العصر، ولد سنة (٧٢٥ هـ)، من مصنفاته: " شرح التبصرة والتذكرة " و" التقيد والإيضاح " وغيرهما، توفي سنة (٨٠٦ هـ) . لحظ الألحاظ: ٢٢١، والضوء اللامع ٤/١٧١، وشذرات الذهب ٧/٥٥، والأعلام ٣/٣٤٤ و٣٤٥.
(٢) شرح التبصرة والتذكرة ١/٢٤٠، وفي طبعتنا ١/٢٩١.
(٣) تحفة الأحوذي ٢/٩١-٩٢.
[ ٥ ]
عَلَى الأخرى فالحكم للراجحة، والمرجوحة شاذة أَوْ منكرة. وعليه فإن كَانَ أحد الوجوه مرويًا مِنْ طريق ضعيف والآخر من طريق قوي فلا اضطراب والعمل بالطريق القوي، وإن لَمْ يَكُنْ كذلك، فإن أمكن الجمع بَيْنَ تِلْكَ الوجوه بحيث يمكن أن يَكُوْنَ المتكلم باللفظين الواردين عَنْ معنى واحد فلا إشكال أَيْضًا؛ مِثْل أن يَكُوْنَ في أحد الوَجْهَيْنِ قَدْ قَالَ الرَّاوِي: عَنْ رجل، وفي الوجه الآخر يسمي هَذَا الرجل، فَقَدْ يَكُوْن هَذَا المسمى هُوَ ذَلِكَ المبهم؛ فَلاَ اضطراب إذن ولا تعارض، وإن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بأن يسمي مثلًا الرَّاوِي باسم معينٍ في رِوَايَة ويسميه باسم آخر في رِوَايَة أخرى فهذا محل نظر وَهُوَ اضطراب إِذْ يتعارض فِيْهِ أمران:
أحدهما: أنه يجوز أن يَكُوْن الْحَدِيْث عَنْ الرجلين معًا.
والثاني: أن يغلب عَلَى الظن أن الرَّاوِي واحد واختلف فِيْهِ (١) . فههنا لا يخلو أن يَكُوْن الرجلان كلاهما ثقة أو لا، فإن كانا ثقتين فهنا لا يضر الاختلاف عِنْدَ الكثير؛ لأنّ الاختلاف كيف دار فهو عَلَى ثقة، وبعضهم يقول: هَذَا اضطراب يضر؛ لأنه يدل عَلَى قلة الضبط (٢) .
_________________
(١) قَدْ يقع الاضطراب والاختلاف من راو واحد لخلل طرأ في ضبط ذَلِكَ الشيء المضطرب فِيْهِ وحفظه، ثُمَّ إنّ الاضطراب لا يعرف من ظاهر سياق الْحَدِيْث الواحد، بَلْ يعرف الاضطراب بجمع طرق الْحَدِيْث ودراستها دراسة منهجية مع الفهم والمعرفة والممارسة الحديثية.
(٢) انظر: الاقتراح: ٢٢٠-٢٢٢، وهامش محاسن الاصطلاح: ٢٠٤، وأثر علل الْحَدِيْث: ١٩٨.
[ ٦ ]
إذن شرط الاضطراب الاتحاد في المصدر، وعدم إمكانية التوفيق بَيْنَ الوجوه المختلفة والترجيح عَلَى منهج النقاد وعلى ما تقدم يتبين لنا أنّ بَيْنَ الاضطراب والاختلاف عمومًا وخصوصًا، وَهُوَ أن كُلّ مضطرب مختلف فِيْهِ، ولا عكس. فالاختلاف أعم من الاضطراب إِذْ شرط الاضطراب أن يَكُوْن قادحًا، أما الاختلاف فربما كَانَ قادحًا وربما لَمْ يَكُنْ قادحًا.
ثُمَّ إنه ليس كُلّ اختلاف يؤدي إلى وجود الاضطراب، إِذْ إن ما يشبه أن يَكُوْن اضطرابًا ينتفي عَنْ الْحَدِيْث إذا جمع بَيْنَ الوجوه المختلفة أو رجح وجه مِنْهَا عَلَى طريقة النقاد لا عَلَى طريقة التجويز العقلي.
المبحث الثالث
أنواع الاختلاف
من البدهي أن يختلف الرُّوَاة سندًا ومتنًا فِيْمَا يؤدونه من الأحاديث النبوية؛ ذَلِكَ لأن مواهب الرُّوَاة في حفظ الأحاديث تختلف اختلافًا جذريًا بَيْنَ راوٍ وآخر، فمن الرُّوَاة من بلغ أعلى مراتب الحفظ والضبط والإتقان، ومنهم أدنى وأدنى. ولا عجب أن يختلَّ ضبط الرُّوَاة من حال إلى حال ومن وقت إلى وقت مع تغيرات الزمان واختلاف الأحوال وتبدل الصحة. هَذَا مع اختلاف الرُّوَاة في عنايتهم في ضبط ما يتحملونه من الأحاديث فمنهم من يتعاهد حفظه ومنهم من لا يتعاهد، ومنهم من لا يحدّث إلا بصفاء الذهن ومراجعة الأصول (١)
_________________
(١) لذا نجد ابن المديني يمتدح الإمام أحمد؛ لأنه يحدث من أصوله، ويعدها من مكارمه، فيقول: «ليس في أصحابنا أحفظ من أبي عَبْد الله أحمد بن حَنْبَل، وبلغني أنه لا يحدّث إلا من كتاب، ولنا فِيْهِ أسوة» الجامع لأخلاق الرَّاوِي ٢/١٢ (١٠٣٠) . عَلَى أن الحافظ ابن حجر يرى أن نسبة الخطأ الواقع في مرويات من يحدث من أصوله أقل مِنْهَا في مرويات من يحدث من حفظه. انظر: النكت عَلَى كتاب ابن الصَّلاَحِ ١/٢٦٩.
[ ٧ ]
ومنهم دون ذَلِكَ. زيادة عَلَى الآفات الَّتِيْ تصيب الإنسان مِمَّا تؤدي إلى اختلال مروياته ودخول بعض الوهم في حديثه. فهذا كله من الأسباب الرئيسة العامة في وجود الاختلاف.
ثُمَّ إن اختلاف الرُّوَاة يرجع إلى نوعين رئيسين: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد (١) .
فاختلاف التنوع: هُوَ أن يذكر كُلّ من المختلفين من الاسم أَوْ اللفظ بعض
أنواعه، كأن يختلف الرُّوَاة عَلَى راوٍ فبعضهم يذكره باسمه وبعضهم يذكره بكنيته وبعضهم بلقبه وبعضهم بوصف اشتهر بِهِ. وربما أطلق عَلَى هَذَا الاختلاف اختلاف في العبارة وَهُوَ: أن يعبر كُلّ من المختلفين عَنْ المراد بعبارة غَيْر عبارة صاحبه، والمعنى واحد عِنْدَ الْجَمِيْع (٢) .
والنوع الآخر من أنواع الاختلاف: اختلاف التضاد، وَهُوَ الاختلاف الحقيقي القادح، وَهُوَ: أن يختلف الرُّوَاة في متن حديثين أحدهما يخالف أَوْ ينافي الآخر أو أن يختلف الرُّوَاة في راوٍ أَوْ رواة مختلفين عَن الآخرين مع عدم إمكان الترجيح والتوفيق عَلَى طريقة النقاد؛ إِذْ تتساوى وجوه الروايات.
المبحث الرابع
أسباب الاختلاف
_________________
(١) انظر: شرح العقيدة الطحاوية ٢/٧٧٨.
(٢) الاختلافات يعود غالبها إلى عدم التيقظ والى عدم الدقة والضبط إضافة إلى العوارض البشرية والنفسية، والعوارض الَّتِيْ تنتاب الإنسان فتضعف ضبطه وإتقانه، ويقع في وهم من نسيان أَوْ غفلة أَوْ خطأ، وَهِيَ متعددة مِنْهَا ما يَكُوْن في الجسم أو النفس أو المال أَوْ الولد أَوْ الصديق. وكل ذَلِكَ لَهُ مؤثرات عَلَى الإنسان في عقله وفكره وحفظه وضبطه.
[ ٨ ]
فطر الله تَعَالَى الناس عَلَى أن يختلفوا في مواهبهم وقدراتهم وتنوع قابلياتهم في الدقة والضبط والإتقان والحرص عَلَى الشيء، كَمَا أن الناس يختلفون في أحوالهم الأخرى قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَات﴾ (١)، وهذه المواهب والمنح من الله يعطي من شاء ما شاء. والناس كذلك يختلفون في حرصهم واجتهادهم لِذَلِكَ عَدَّ الإمام الشَّافِعِيّ (٢) الحرص من لوازم العلم فَقَالَ:
أخي لن تنال العلم إلا بستة سأنبيك عَنْ تفصيلها ببيان
ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة وصحبة أستاذ وطول زمان (٣)
فالحرص إذن من أساسيات العلم، وإن قَلَّ حفظ الرَّاوِي أو كلّت ذاكرته، فإن بوسعه الحِفاظ على مروياته بالمذاكرة والمتابعة والتعاهد لمحفوظه ومراجعة أصوله، حفظًا للسنة النبوية من الخطأ فِيْهَا – بزيادة أَوْ نقص أو تغيير –.
_________________
(١) سورة فاطر: ٣٢.
(٢) هُوَ مُحَمَّد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب القرشي المطلبي، فقيه العصر، صاحب المذهب، لَهُ: " الأم " و" اختلاف الْحَدِيْث " وغيرهما، ولد بغزة سنة (١٥٠ هـ) عَلَى الأصح، وتوفي بمصر سنة (٢٠٤ هـ) . مرآة الجنان ٢/١١ و١٢، ووفيات الأعيان ٤/١٦٣ و١٦٥.
(٣) ديوان الشَّافِعِيّ: ١٦٤.
[ ٩ ]
ومع هَذَا كله فإننا لَمْ نعدم في تاريخنا الحديثي بعض الرُّوَاة الَّذِيْنَ لَمْ يبالوا بمروياتهم، وَلَمْ يولوها الاهتمام الكافي، سواء أهمل الرَّاوِي نفسه تعاهد محفوظاته أَوْ مراجعته كتابه، أو تدخل عنصر بالعبث بمروياته (١)، أو غَيْر ذَلِكَ مِمَّا تكون نتيجته وقوع الوهم في حَدِيْث ذَلِكَ الرَّاوِي، ويؤول بالنهاية إلى حدوث الاختلاف مع روايات غيره، عَلَى أن الخطأ والوهم لَمْ يسلم مِنْهُ كبار الحفاظ مع شدة حرصهم وتوقيهم، لذا قَالَ ابن
معين (٢): «لست أعجب ممن يحدّث فيخطئ، إنما أعجب ممن يحدث فيصيب» (٣) . غَيْر أنّ الأحاديث الَّتِيْ حصل فِيْهَا الوهم تعد قليلة مغمورة في بحر ما رووه عَلَى الصواب.
وبإمكاننا أن نفصل أسباب الاختلاف بما يأتي:
أولًا. الوهم والخطأ:
_________________
(١) كَمَا حصل لسفيان بن وكيع. انظر: ميزان الاعتدال ٢/١٧٣ (٣٣٣٤) .
(٢) يحيى بن معين بن عون الغطفاني، مولاهم، أبو زكريا البغدادي، ثقة حافظ مشهور إمام الجرح والتعديل، لَهُ: " التاريخ " و" السؤالات " وغيرهما، ولد سنة (١٥٨ هـ) وتوفي سنة (٢٣٣ هـ) . تهذيب الكمال ٨/٨٩ و٩٥ (٧٥٢١)، وميزان الاعتدال ٤/٤١٠، والتقريب (٧٦٥١) .
(٣) تاريخ ابن معين (رِوَايَة الدوري) ٣/١٣ (٥٢) .
[ ١٠ ]
الخطأ والوهم أمران حاصلان وواقعان في أحاديث الثقات فضلًا عَنْ وقوعه في أحاديث الضعفاء، ونحن وإن نذكر في حد الصَّحِيْح كون راويه تام الضبط إلا أن ذَلِكَ أمر نسبيٌّ (١)، وإلا فكيف اشترطنا في الصَّحِيْح (٢) أن لا يَكُوْن شاذًا ولا معللًا مع كون راويه ثقة فيتخرج عَلَى هَذَا أن الوهم والخطأ يدخل في أحاديث الثقات؛ لأن كلًا من الشذوذ والعلة داخل بمعنى الوهم والخطأ. ثُمَّ إن الوهم والخطأ من الأسباب الرئيسة للاختلاف بَيْنَ الأحاديث. وبالسبر والنظر إلى كتب السنة النبوية نجد عددًا كبيرًا من الرُّوَاة الثقات قَدْ أخطؤوا في بعض ما رووا، وَهُوَ أمر متفاوت بَيْنَ الرُّوَاة حسب مروياتهم قلة وكثرة وربما كَانَ حظ من أكثر من الرِّوَايَة أكبر خطأً من المقلين؛ لذا نجد غلطات عُدَّتْ عَلَى الأئمة العلماء الحفاظ لكنها لَمْ تؤثر عليهم في سعة ما رووه (٣)، قَالَ الإمام أحمد بن حَنْبَل (٤)
_________________
(١) انظر: مقدمة شرح علل الترمذي، لابن رجب: ٧.
(٢) هُوَ الَّذِيْ يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عَنْ العدل الضابط إلى منتهاه ولا يَكُوْن شاذًا ولا معللًا. مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث طبعة نور الدين: ١٠، وفي طبعتنا:٧٩.
(٣) وهكذا فإنا نجد أن الإمام علي بن المديني قَدْ خرّج علل حَدِيْث سفيان بن عيينة في ثلاثة عشر جزءًا. مع أن سفيان بن عيينة من أساطين هَذَا الفن وجهابذته وفحوله؛ لَكِنْ هَذَا الكم الكبير لَمْ يؤثر عَلَيْهِ لسعة ما رَوَى فهو كحبة القمح من البيدر. وانظر: مَعْرِفَة علوم الْحَدِيْث، للحاكم: ٧١.
(٤) هُوَ أحمد بن مُحَمَّد بن حَنْبَل بن هلال بن أسد الشيباني المروزي ثُمَّ البغدادي، أبو عَبْد الله، أحد الأعلام، صاحب المذهب، لَهُ: " المسند " و" الزهد " و" العلل " وغيرها، ولد سنة (١٦٤ هـ)، وتوفي سنة (٢٤١ هـ) . حلية الأولياء ٩/١٦١ و١٦٢، وطبقات الحنابلة ١/١٠، والعبر ١/٤٣٥.
[ ١١ ]
: «ومن يعرى من الخطأ والتصحيف» (١) . وَقَالَ الإمام مُسْلِم بن الحجاج: «فليس من ناقل خبر وحامل أثر من السلف الماضين إلى زماننا – وإن كَانَ من أحفظ الناس وأشدهم توقيًا وإتقانًا لما يحفظ وينقل – إلا الغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله» (٢) .
وَقَالَ الإمام الترمذي (٣): «لَمْ يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم» (٤)، ثُمَّ ساق الترمذي عددًا وافرًا من الروايات تدلل عَلَى تفاوت أهل العلم بالحفظ وتفاضلهم بالضبط وقلة الخطأ، ثُمَّ قَالَ: «والكلام في هَذَا والرواية عَنْ أهل العلم تكثر، وإنما بيّنا شيئًا مِنْهُ عَلَى الاختصار ليُستدل بِهِ عَلَى منازل أهل العلم وتفاضل بعضهم عَلَى بعض في الحفظ والإتقان، ومن تُكلمَ فِيْهِ من أهل العلم لأي شيء تُكلمَ
فِيْهِ» (٥) .
_________________
(١) مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث، لابن الصَّلاَحِ:: ٢٥٢ طبعة نور الدين، و٤٤٨ طبعتنا.
(٢) التمييز: ١٢٤.
(٣) هُوَ مُحَمَّد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك التِّرْمِذِيّ، أبو عيسى الضرير الحافظ، صاحب " الجامع " وغيره من المصنفات، وَهُوَ تلميذ البخاري، وشاركه في بعض شيوخه، توفي سنة (٢٧٩ هـ) . تهذيب الكمال ٦/٤٦٨ و٤٦٩ (٦١٢٢)، ومرآة الجنان ٢/١٤٤، والتقريب (٦٢٠٦) .
(٤) علل الترمذي الصغير ٦/٢٤٠ آخر الجامع.
(٥) علل الترمذي الصغير ٦/٢٤٤ آخر الجامع.
[ ١٢ ]
ولما كَانَ الخطأ في الرِّوَايَة أمرٌ بدهيٌّ، وأنه لا يسلم إنسان مِنْهُ نجد الأكابر قَدْ وهمّوا الأكابر، فهذه أم المؤمنين عائشة ﵂ قَدْ وهّمت عددًا من الصَّحَابَة في عدد من الأحاديث، وَقَدْ جمع ذَلِكَ الزركشي (١) في جزءٍ (٢)، لذا قَالَ الإمام عَبْد الله بن المبارك (٣): «ومن يسلم من الوهم، وَقَدْ وهّمت عائشة جَمَاعَة من الصَّحَابَة في رواياتهم للحديث» (٤) .
وفيما نقلنا عَنْ الأئمة الأعلام كفاية ودليل عَلَى أن دخول الخطأ والوهم أمرٌ نسبيٌّ ممكن في أحاديث الرُّوَاة ثقاتً كانوا أو غَيْر ذَلِكَ، فالخطأ والوهم والنسيان سجية البشر، وَقَدْ قَالَ الشاعر:
نَسِيتُ وَعْدَكَ والنِّسْيَانُ مُغْتَفَرٌ فَاغْفِرْ فَأوَّلُ نَاسٍ أوَّلُ النَّاسِ (٥)
_________________
(١) هُوَ مُحَمَّد بن بهادر بن عَبْد الله الزركشي، أبو عَبْد الله الشَّافِعِيّ، بدر الدين: عالم بالفقه والأصول، مشارك في الْحَدِيْث والعربية، من مصنفاته " البحر المحيط " و" البرهان في علوم القرآن "، ولد سنة (٧٤٥ هـ)، وتوفي سنة (٧٩٤ هـ) . الدرر الكامنة ٣/٣٩٧، وشذرات الذهب ٦/٣٣٥، والأعلام ٦/٦٠.
(٢) أسماه: الإجابة لما استدركته عائشة عَلَى الصَّحَابَة، طبع مرارًا بتحقيق سعيد الأفغاني.
(٣) هُوَ عَبْد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي، مولاهم، أبو عَبْد الرحمان المروزي، ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد، ولد سنة (١١٨ هـ)، وتوفي سنة (١٨١ هـ) . تهذيب الكمال ٤/٢٥٨ (٣٥٠٨)، ومرآة الجنان ١/٢٩٤، والتقريب (٣٥٧٠) .
(٤) شرح علل الترمذي ١/٤٣٦.
(٥) قائله: أبو الفتح البُستي. انظر: الغيث المسجم في شرح لامية العجم، للصفدي ٢/٢٠٨، وانظر: نكت الزركشي ٣/٥٦٥، وفتح المغيث ٢/١٤٨،وتعليقنا عَلَى مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث، لابن الصَّلاَحِ: ٢٩٤.
[ ١٣ ]
ثانيًا. ظروف طارئة (١):
قَدْ يطرأ عَلَى الرَّاوِي حين تحمله (٢) الْحَدِيْث أَوْ أدائه (٣) ظروف تدخل الوهم في حديثه أو أحاديثه. وهذه الظروف ليست عامة بَلْ هِيَ خاصة تطرأ عَلَى بعض الرُّوَاة في بعض الأحيان دون بعضٍ، تبعًا لاختلاف الأحوال والأماكن والشيوخ؛ إِذْ قَدْ يطرأ الخلل في كَيْفِيَّة تلقّي الأحاديث كَمَا حصل لهشيم بن بشير (٤)
_________________
(١) أعني بالظروف الطارئة ما يحصل عَنْ غَيْر اعتياد وتماثل، ولا يَكُوْن سنة خلقية تقع لعدد كبير من الناس.
(٢) التحمل: هُوَ أخذ الْحَدِيْث عَنْ الشيخ بطريق من طرق التحمل. الاقتراح: ٢٣٨.
(٣) الأداء: هُوَ تبليغ الْحَدِيْث وأدائه لِمَنْ يسمعه. أصول الْحَدِيْث: ٢٢٧.
(٤) هُوَ هشيم بن بشير بن القاسم بن دينار السلمي، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، ولد سنة (١٠٤ هـ)، وتوفي سنة (١٨٣ هـ) . الْمَعْرِفَة والتاريخ ١/٤٧، والجرح والتعديل ٩/١١٥، والتقريب (٧٣١٢) .
[ ١٤ ]
؛ إِذْ إنَّهُ دخل عَلَى الزهري فأخذ عَنْهُ عشرين حديثًا، فلقيه صاحبٌ لَهُ وَهُوَ راجع، فسأله رؤيتها، وَكَانَ ثمة ريح شديدة، فذهبت بالأوراق من يد الرجل، فصار هشيم يحدّث بِمَا علق مِنْهَا بذهنه، وَلَمْ يَكُنْ أتقن حفظها، فوهم في أشياء مِنْهَا،ضعف حديثه بسببها (١) خاصة في الزهري (٢) . فهذا أمر طارئ عَلَى هشيم وَهُوَ ثقةٌ من الثقات الكبار النبلاء أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة (٣) لكنه ضُعِّفَ خاصةً في الزهري لهذا الطارئ الَّذِيْ طرأ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ الحافظ ابن حجر (٤): «أما روايته عَنْ الزهري فليس في الصحيحين مِنْهَا شيءٌ» (٥) .
وكذلك يختلف حال ضبط الرَّاوِي باختلاف الأحوال والأماكن والشيوخ لعدم توفر الوسائل الَّتِيْ تمكنه من ضبط ما سمعه من بعض شيوخه، أو بسبب حدوث ضياعٍ في بعضِ ما كتبه عَنْ بعض شيوخه حَتَّى وَلَوْ كَانَ من أثبت الناس في هَذَا الشيخ خاصة.
ومما يذكر في الظروف الطارئة ما حصل لمؤمل بن إسماعيل (٦)
_________________
(١) هَذِهِ القصة ساقها الْخَطِيْب في تاريخ بغداد ١٤/٨٧، والذهبي في الميزان ٤/٣٠٨، ونقلها السيوطي في تدريب الرَّاوِي ١/١٢٩.
(٢) لذا قَالَ الذهبي في " الميزان " ٤/٣٠٦: «هُوَ ليّن في الزهري» .
(٣) تهذيب الكمال ٧/٤١٨.
(٤) هُوَ أحمد بن علي بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد الكناني العسقلاني الأصل، المصري المولد والمنشأ، علم الأعلام، حافظ العصر، لَهُ: " فتح الباري " و" تهذيب التهذيب " و" تقريبه " وغيرها، ولد سنة (٧٧٣ هـ)، وتوفي سنة (٨٥٢ هـ) . طبقات الحفاظ: ٥٥٢ (١١٩٠)، ونظم العقيان: ٤٥ و٥١، وشذرات الذهب ٧/٢٧٠.
(٥) هدي الساري: ٤٤٩.
(٦) هُوَ مؤمل بن إسماعيل، أبو عَبْد الرحمان البصري، مولى آل عمر بن الخطاب - ﵁ -، حافظ عالم يخطئ، قَالَ عَنْهُ أبو حاتم: صدوق، شديد في السنة، كثير الخطأ، توفي سنة (٢٠٦ هـ) . التاريخ الكبير ٨/٤٩، وميزان الاعتدال ٤/٢٢٨، وسير أعلام النبلاء ١٠/١١٠ و١١١.
[ ١٥ ]
إِذْ كَانَ قَدْ دفن كتبه، ثُمَّ حدث من حفظه فدخل الوهم والاختلاف في حديثه (١) .
ثالثًا. الاختلاط:
الاختلاط لغة: يقال خلطت الشيء بغيره خَلْطًا فاختلط، وخالطهُ مخالطةً وخِلاطًا، واختلط فلانٌ، أي: فسد عقلُهُ، والتخليط في الأمر: الإفساد فِيْهِ والمختلط من الاختلاط، واختلط عقله إذا تغير، فهو مختلط، واختلط عقله: فسد (٢) .
أما في اصطلاح المحدثين: فَقَدْ قَالَ السخاوي (٣)
_________________
(١) تهذيب الكمال ٧/٢٨٤، والكاشف ٢/٣٠٩، وسيأتي الْحَدِيْث تفصيلًا عن أحد أوهامه.
(٢) انظر: الصحاح ٣/١١٢٤،وأساس البلاغة:١٧٢،واللسان ٧/٢٩٥، وتاج العروس ١٩/٢٦٧ (خلط) .
(٣) هُوَ مُحَمَّد بن عَبْد الرحمان بن مُحمد السخاوي، المحدث المؤرخ، حضر إملاء الحافظ ابن حجر، أصله من " سخا " من قرى مصر، ولد سنة (٨٣١ هـ)، وتوفي سنة (٩٠٢ هـ) . نظم العقيان: ١٥٢، وشذرات الذهب ٨/١٥، والأعلام ٦/١٩٤.
[ ١٦ ]
: «وحقيقته فساد العقل وعدم انتظام الأقوال والأفعال، إما بخرف، أو ضرر، أو مرض، أو عرضٍ من موت ابن وسرقة مالٍ كالمسعودي (١)، أو ذهاب كتب كابن لهيعة (٢)، أَو احتراقها كابن الملقن (٣») (٤) .
إذن الاختلاط: آفة عقلية تورث فسادًا في الإدراك، وتصيب الإنسان في آخر عمره، أو تعرض لَهُ بسبب حادث لفقد عزيز أو ضياع مالٍ؛ ومن تصبه هَذِهِ الآفة لكبر سِنّهِ يقال فِيْهِ: اختلط بأخرة، ويقال: بآخره (٥) .
_________________
(١) هُوَ عَبْد الرحمان بن عَبْد الله بن عتبة بن عَبْد الله بن مسعود المسعودي الهذلي، أحد الأئمة الكبار: سيء الحفظ، توفي سنة (١٦٠هـ) . التاريخ الكبير٥/٣١٤، وتاريخ بغداد ١٠/٢١٨، وميزان الاعتدال ٢/٥٧٤.
(٢) هُوَ عَبْد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي، أبو عَبْد الرحمن المصري، القاضي: صدوق، خلط بَعْدَ احتراق كتبه. توفي سنة (١٧٤ هـ) . طبقات ابن سعد ٧/٥١٦ و٥١٧، والضعفاء الكبير، للعقيلي ٢/٢٩٣، والتقريب (٣٥٦٣) .
(٣) هُوَ عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الأندلسي، ثُمَّ المصري، ولد سنة (٧٢٣ هـ)، كَانَ أكثر أهل زمانه تصنيفًا، من مصنفاته " طبقات الْمُحَدِّثِيْنَ " و" البدر المنير " وغيرهما، توفي سنة (٨٠٤ هـ) . طبقات الحفاظ: ٥٤٢ (١١٧٣)، وشذرات الذهب ٧/٤٤و٤٥، والأعلام ٥/٥٧.
(٤) فتح المغيث ٣/٢٧٧.
(٥) يقال: «تغير بآخرهِ» بمد الهمزة وكسر الخاء والراء، بعدها هاء. و«تغيّر بآخِرَة» بمد الهمزة أَيْضًا وكسر الخاء وفتح الراء، بعدها تاء مربوطة. و«تغير بأخرة» بفتح الهمزة والخاء والراء، بعدها تاء مربوطة. أي: اختل ضبطه وحفظه في آخر عمره وآخر أمره. إفادة من تعليق الشيخ عَبْد الفتاح أبو غدة – ﵀ – عَلَى كتاب قواعد في علوم الْحَدِيْث: ٢٤٩. وانظر: لسان العرب ٤/١٤، وتاج العروس ١٠/٣٦، والتعليق عَلَى مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث: ٤٩٤.
[ ١٧ ]
فالاختلاط قَدْ يطرأ عَلَى كثير من رواة الْحَدِيْث النبوي مِمَّا يؤثر عَلَى روايته أحيانًا فيدخل في رِوَايَته الوهم والخطأ مِمَّا يؤدي ذَلِكَ بالمحصلة النهائية إلى وجود الاختلاف بَيْنَ الروايات. ثُمَّ من كَانَ مختلطًا فدخل الوهم في حديثه لا تضر روايتُه رِوَايَةَ الثقات الأثبات؛ إِذْ إنّ الرِّوَايَة الصَّحِيْحَة لا تُعلُّ بالرواية الضعيفة، فرواية المختلط ضعيفة لا تقاوم رِوَايَة الثقات، ولا تصلح للحجية إلا إذا توبع المختلط في روايته أَوْ كَانَتْ روايته مِمَّا حدث بِهِ قَبْلَ الاختلاط. وعلماؤنا الأجلاء أحرقوا أعمارهم شموعًا تضيء لنا الطريق من أجل بَيَان كُلّ ما يدخل الْحَدِيْث من خطأ ووهم واختلاف، إِذْ إنّ مَعْرِفَة المختلطين لَيْسَ بالأمر السهل بَلْ هُوَ أمرٌ شاقٌ عَلَى الْمُحَدِّثِيْنَ للغاية، بَلْ كَانَ الْمُحَدِّثُوْنَ أحيانًا يعيدون سَمَاع الأحاديث نفسها الَّتِيْ سمعوها من ذَلِكَ الشَّيْخ من أجل أن يعرفوا ويحددوا الاختلاط من عدمه، ويحددوا وقت الاختلاط؛ لِذَلِكَ قَالَ حماد بن زيد (١)
_________________
(١) هُوَ حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي، أبو إسماعيل البصري: ثقة ثبت فقيه، مولى آل جرير بن حازم، ولد سنة (٩٨ هـ) وتوفي سنة (١٧٩ هـ) . تهذيب الكمال ٢/٢٧٤ (١٤٦٥)، وسير أعلام النبلاء ٧/٤٥٦، والتقريب (١٤٩٨) .
[ ١٨ ]
: «شعبة كَانَ لا يرضى أن يَسْمَع الْحَدِيْث مرة يعاود صاحبه مرارًا» (١) . ومما يذكر في هَذِهِ الباب ما قَالَهُ حماد ابن زيد: قَالَ: حَدَّثَنِي عمرو بن عبيد الأنصاري، قَالَ: حَدَّثَنِي أبو الزعيزعة (٢)
-كاتب مروان (٣) - أن مروان أرسل إلى أبي هُرَيْرَة، فجعل يسأله، وأجلسني خلف السرير وأنا أكتب، حَتَّى إذا كَانَ رأس الحول، دعا بِهِ فأقعده من وراء الحجاب، فجعل يسأله من ذَلِكَ الكتاب، فما زاد ولا نقص، ولا قدّم ولا أخّر (٤) .
_________________
(١) الجرح والتعديل ١/١٦٨.
(٢) هُوَ سالم أبو الزعيزعة مولى مروان بن الحكم، وكاتبه وكاتب ابنه عَبْد الملك بن مروان، وَكَانَ عَلَى الرسائل لعبد الملك وولاه الحرس. تاريخ دمشق ٢٠/٨٨. وورد في تاريخ البخاري ٩/٣٣ (٢٨٩)، والجرح والتعديل ٩/٣٧٥ (١٧٣٤) أبو الزعزعة.
(٣) هُوَ مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية القرشي الأموي، ولد بَعْدَ الهجرة بسنتين وَقِيْلَ بأربع، وَلَمْ يصح لَهُ سَمَاع عَنْ النَّبِيّ - ﷺ -، توفي سنة (٦٥ هـ) . تهذيب الكمال ٧/٧١ (٦٤٦٢)، والبداية والنهاية ٨/٢٠٦، والتقريب (٦٥٦٧) .
(٤) أخرج هَذِهِ القصة الْحَاكِم في المستدرك ٣/٥١٠، وابن عساكر في تاريخ دمشق ٢٠/٨٩، والذهبي في سير أعلام النبلاء ٢/٥٩٨.
[ ١٩ ]
وروى الحافظ أبو خيثمة زهير (١) بن حرب في " كتاب العلم " (٢) قَالَ: حَدَّثَنَا جرير (٣)، عَنْ عمارة بن القعقاع (٤)، قَالَ: قَالَ لي إبراهيم (٥): حَدِّثنِي عَنْ أبي زرعة (٦) فإني سألته عَنْ حَدِيْث، ثُمَّ سألته عَنْهُ بَعْدَ سنتين فما أخرم (٧) مِنْهُ حرفًا» .
_________________
(١) هُوَ أبو بكر، أحمد بن أبي خيثمة، زهير بن حرب النسائي الأصل، كَانَ ثقة عالمًا متقنًا حافظًا بصيرًا بأيام الناس، راوية للأدب، من مصنفاته كتاب " التاريخ " الَّذِي أحسن تصنيفه وأكثر فائدته، توفي سنة (٢٧٩ هـ) . انظر: تاريخ بغداد ٤/١٦٢، ومعجم الأدباء ٣/٣٥-٣٦، وسير أعلام النبلاء ١١/٤٩٣.
(٢) العلم: ١٦ (٥٦)، ونقله عَنْهُ الترمذي في علله الصغير ٦/٢٤٠ آخر الجامع.
(٣) هُوَ جرير بن عَبْد الحميد بن قرط الضبي الكوفي، نزيل الري: ثقة صَحِيْح الكِتَاب، توفي سنة (١٨٨ هـ) . تهذيب الكمال ١/٤٤٧ و٤٥٠ (٩٠١)، وسير أعلام النبلاء ٩/٩، والتقريب (٩١٦) .
(٤) هُوَ عمارة بن القعقاع بن شبرمة الضبي الكوفي: ثقة. سير أعلام النبلاء ٦/١٤٠، وتهذيب الكمال ٥/٣٢٩ (٤٧٨٥)، والتقريب (٤٨٥٩) .
(٥) هُوَ الإمام الحافظ إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي أبو عمران الكوفي: ثقة، توفي (١٩٦ هـ) . طبقات ابن سعد ٦/٢٧٠ وسير أعلام النبلاء ٤/٥٢٠، والتقريب (٢٧٠) .
(٦) هُوَ أَبُو زرعة بن عمرو بن جرير بن عَبْد الله البجلي الكوفي قِيْلَ اسمه كنيته، وَقِيْلَ: اسمه هرم، وَقِيْلَ: عَمْرو: ثقة. طبقات ابن سعد ٦/٢٩٧، وسير أعلام النبلاء ٥/٨، والتقريب (٨١٠٣) .
(٧) أي: ما نقص وما غير، قَالَ في الصحاح ٥/١٩١٠: «ما خرمت مِنْهُ شَيْئًا، أي: ما نقصت وما قطعت»، وفي المعجم الوسيط ١/٢٣٠: «ويقال: ما خرم من الْحَدِيْث حرفًا: ما نقص، وفي حَدِيْث سعد: ما خرمت من صلاة رَسُوْل الله شَيْئًا» . وانظر: النهاية ٢/٢٧.
[ ٢٠ ]
وهذا نوع من أنواع الكشف عَنْ الخلل المتوقع طرؤه عَلَى المحدّث عِنْدَ تقدم السَّمَاع لَهُ، وكانت ثمة طرق أخرى للمحدّثين يستطيعون من خلالها الكشف عَنْ حال المحدّث، وهل طرأ لَهُ اختلاط في ما يرويه أَوْ بعض ما يرويه أم أنه حافظ ومتقن لما يروي ويحدّث؟
ومن طرق الْمُحَدِّثِيْنَ في مَعْرِفَة اختلاط الرُّوَاة: أن الناقد مِنْهُمْ كَانَ يدخل عَلَى الرَّاوِي ليختبره فيقلب عَلَيْهِ الأسانيد والمتون، ويلقنه ما ليس من روايته، فإن لَمْ ينتبه الشيخ لما يراد بِهِ فإنه يعد مختلطًا ويعزف الناس عَنْ الرِّوَايَة عَنْهُ، ومما يذكر في هَذِهِ البابة ما أسند إلى يحيى بن سعيد قَالَ: «قدمت الكوفة وبها ابن عجلان (١) وبها ممن يطلب الْحَدِيْث: مليح بن وكيع (٢) وحفص بن غياث (٣) وعبد الله بن إدريس (٤) ويوسف بن خالد السمتي (٥)
_________________
(١) هُوَ مُحَمَّد بن عجلان، أبو عَبْد الله القرشي: صدوق إلا أنه اختلطت عَلَيْهِ أحاديث أبي هُرَيْرَة، توفي سنة (١٤٨ هـ) . طبقات خليفة: ٢٧٠، والتاريخ الكبير ١/١٩٦، والجرح والتعديل ٨/٤٩، والتقريب (٦١٣٦) .
(٢) هُوَ مليح بن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي أخو وكيع بن الجراح. التاريخ الكبير ٨/١٠، والثقات ٩/١٩٤..
(٣) هُوَ حفص بن غياث بن طلق، أبو عمر النخعي: ثقة مأمون، توفي سنة (١٩٤ هـ) . التاريخ ليحيى بن معين رِوَايَة الدوري ٢/١٢١، وطبقات ابن سعد ٦/٣٨٩، والجرح والتعديل ٣/١٨٥.
(٤) هُوَ أبو مُحَمَّد عَبْد الله بن إدريس الأودي: ثقة فقيه عابد، توفي سنة (١٩٢ هـ) . تاريخ يحيى بن معين رِوَايَة الدوري ٢/٢٩٥، وطبقات ابن سعد ٦/٣٨٩، والتاريخ الكبير ٥/٤٧.
(٥) هُوَ يوسف بن خالد السمتي، أبو خالد البصري، مولى صخر بن سهل، قَالَ النسائي: بصري متروك الْحَدِيْث، وكذّبه ابن معين، توفي سنة (١٨٩ هـ) . الكامل ٨/٤٩٠، وتهذيب الكمال ٨/١٩٠ (٧٧٢٩)، والتقريب (٧٨٦٢) .
[ ٢١ ]
، فقلنا: نأتي ابن عجلان، فَقَالَ يوسف بن خالد: نقلب عَلَى هَذَا الشيخ حديثه، ننظر تفهُّمه، قَالَ: فقلبوا فجعلوا ما كَانَ عَنْ سعيد عَنْ أبيه، وما كَانَ عَنْ أبيه عَنْ سعيد، ثُمَّ جئنا إِلَيْهِ، لَكِنْ ابن إدريس تورّع وجلس بالبابِ وَقَالَ: لا استحلُّ وجلست مَعَهُ. ودخل حفص، ويوسف بن خالد، ومليح فسألوه فمرّ فِيْهَا، فلما كَانَ عِنْدَ آخر الكتاب انتبه الشيخ فَقَالَ: أعد العرض (١)، فعرض عَلَيْهِ فَقَالَ: ما سألتموني عَنْ أبي فَقَدْ حَدَّثَنِي سعيد بِهِ، وما سألتموني عَنْ سعيد فَقَدْ حَدَّثَنِي بِهِ أبي، ثُمَّ أقبل عَلَى يوسف بن خالد فَقَالَ: إن كُنْتَ أردت شيني وعيبِي فسلبك الله الإسلام، وأقبل عَلَى حفص فَقَالَ: ابتلاك الله في دينك ودنياك، وأقبل عَلَى مليح فَقَالَ: لا نفع الله بعلمك. قَالَ يحيى: فمات مليح وَلَمْ ينتفع بِهِ، وابتلي حفص في بدنه بالفالج (٢) وبالقضاء في دينه، وَلَمْ يمت يوسف حَتَّى اتُّهمَ بالزندقة (٣) .
وعلى الرغم من اختلاف العلماء في جواز ذَلِكَ وعدمه (٤)
_________________
(١) العرض: هُوَ القراءة عَلَى المحدث. انظر: مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث: طبعة نور الدين: ١٢٢، و٢٩٤ طبعتنا.
(٢) قَالَ في المعجم الوسيط ٢/٦٩٩: «شلل يصيب أحد شقي الجسم طولًا»، وانظر: اللسان ٢/١٥٥، وتاج العروس ٦/١٥٩ (فلج) .
(٣) أسنده الرامهرمزي في المحدّث الفاصل: ٣٩٨-٣٩٩ (٤٠٨) .
(٤) قَالَ المعلمي في التنكيل ١/٢٣٦: «والتلقين: هُوَ أن يوقع الشيخ في الكذب ولا يبين، فإن كَانَ إنما فعل ذَلِكَ امتحانًا للشيخ وبيّن ذَلِكَ في المجلس لَمْ يضره» وسيأتي الْحَدِيْث عَنْ هَذَا في الفصل مبحث القلب، الصفحة.
[ ٢٢ ]
، إلاّ أنهم استطاعوا أن يحددوا في كثير من الأحيان الفترة الزمنية الَّتِيْ دخل فِيْهَا الاختلاط عَلَى هَذَا الرَّاوِي، كَمَا حددوا اختلاط إسحاق بن راهويه (١) بخمسة أشهر، فَقَالَ أبو داود (٢): «تغيّر قَبْلَ أن يموت بخمسة أشهر، وسمعتُ مِنْهُ في تِلْكَ الأيام فرميت» (٣) . وكذلك حددوا وقت اختلاط جرير بن حازم (٤)، قَالَ أبو حاتم (٥)
_________________
(١) إسحاق بن إبراهيم بن مُحَمَّد الحنظلي، المروزي، أَبُو يعقوب المعروف بابن راهويه، الإِمَام الحَافِظ الكبير، محدث خراسان سكن نيسابور، قرين أحمد بن حنبل، ولد سنة (١٦١ هـ)، وَقِيْلَ: (١٦٦ هـ)، ومات سنة (٢٣٨ هـ)، لَهُ " المسند ". انظر: حلية الأولياء ٩/٢٣٤، وسير أعلام النبلاء ١١/٣٥٨، وطبقات الفقهاء: ١٠٨.
(٢) هُوَ سليمان بن الأشعث بن شداد الأزدي السجستاني صاحب السنن، وَقَالَ إبراهيم الحربي: ألين لأبي داود الْحَدِيْث كَمَا ألين لداود الحديد، ولد سنة (٢٠٢ هـ)، وتوفي سنة (٢٧٥ هـ) . وفيات الأعيان ٢/٤٠٤، وسير أعلام النبلاء ١٣/٢٠٣، والعبر ٢/٦٠.
(٣) تاريخ بغداد ٦/٣٥٥. وانظر: تهذيب الكمال ٦/٣٥٣، وميزان الاعتدال ١/١٨٣، والمختلطين:
(٤) ، والاغتباط: ٣ (٨)، والكواكب النيرات: ٨٩ (٤) .
(٥) هُوَ جرير بن حازم بن زيد الأزدي، أبو النضر البصري: ثقة لَكِنْ في حديثه عن قتادة ضعف وله أوهام إِذَا حدّث من حفظه. الجرح والتعديل ٢/٥٠٤، وسير أعلام النبلاء ٧/٩٨، والتقريب (٩١١) .
(٦) هُوَ الإمام البارع مُحَمَّد بن إدريس، أبو حاتم الرازي الحنظلي صاحب العلل ولد سنة (١٩٥ هـ)، وتوفي سنة (٢٧٧ هـ) . تاريخ بغداد ٢/٧٣، وسير أعلام النبلاء ١٣/٢٤٧، والعبر ٢/٦٤.
[ ٢٣ ]
: «تغيّر قَبْلَ موته بسنة» (١) . وحددوا وقت اختلاط سعيد بن أبي سعيد المقبري (٢)، قَالَ ابن سعد (٣): «ثقة، إلا أنه اختلط قَبْلَ موته بأربع سنين» (٤) .
وعلى الرغم من احتياطات الْمُحَدِّثِيْنَ وإمعانهم في تحديد وقت الاختلاط، فإنهم لَمْ يتمكنوا من تحديد الساعات الأولى لبدء الاختلاط، فالاختلاط – كَمَا سبق – آفة عقلية تبدأ بسيطة ثُمَّ تكبر شَيْئًا فشيئًا، ويتعاظم أمرها بالتدريج، وفي هَذِهِ الفترة الواقعة بَيْنَ بداية الاختلاط وظهوره وتفشيه، يَكُوْن المختلط قَدْ رَوَى أحاديث تناقلها الرُّوَاة عَنْهُ، من غَيْر أن يعرفوا اختلاطه حين أخذهم عَنْهُ، ولربما كَانَ هَذَا الأمر سببًا في دخول الاختلاف والاضطراب في بعض أحاديث الثقات.
_________________
(١) الجرح والتعديل ٢/٥٠٥ الترجمة (٢٠٧٩)، وانظر: المختلطين: ١٦ (٨)، والاغتباط: ٤٦ (١٧)، والكواكب النيرات: ١١١ (١١) .
(٢) الإِمَام المحدّث الثقة: أبو سعد سعيد بن أبي سعيد كيسان الليثي، مولاهم، المدني المقبري، كَانَ يسكن بمقبرة البقيع ونسب إِلَيْهَا. توفي سنة (٢٢٥ هـ) وَقِيْلَ سنة (٢٢٣ هـ) وَقِيْلَ غَيْر ذَلِكَ وَكَانَ من أبناء التسعين. انظر: تهذيب الكمال ٣/١٦٦، وسير أعلام النبلاء ٥/٢١٦، وميزان الاعتدال ٢/١٣٩.
(٣) مُحَمَّد بن سعد بن منيع، الحَافِظ، أبو عَبْد الله وَقِيْلَ: أبو سعد، البصري، كاتب الواقدي، سكن بغداد وظهرت فضائله، وَكَانَ كَثِيْر الْحَدِيْث والرواية كَثِيْر الكتب صنف كتابًا كبيرًا في طبقات الصَّحَابَة والتابعين والخالفين إِلَى وقته، توفي سنة (٢٣٠ هـ) . تاريخ بغداد ٥/٣٢١، وتهذيب الكمال ٦/٣٢٠ (٥٨٢٨)، وتاريخ الاسلام: ٣٥٥ وفيات (٢٣٠ هـ) .
(٤) الطبقات الكبرى (القسم المتمم): ١٤٧. وانظر: سير أعلام النبلاء ٥/٢١٧، والمختلطين: ٣٩ (١٧)، والاغتباط: ٦١ (٤٤) .
[ ٢٤ ]
غَيْر أن علماء الْحَدِيْث – ﵏ – لَمْ يتركوا قضية الاختلاط والمختلطين عَلَى عواهنها، بَلْ إنهم نقبوا وفتشوا أحوال الرُّوَاة جيدًا، وقسموا الرُّوَاة عَنْ المختلطين عَلَى أربعة أقسام:
الأول: الَّذِيْنَ رووا عَنْ المختلط قَبْلَ اختلاطه.
الثاني: الَّذِيْنَ رووا عَنْهُ بَعْدَ اختلاطه.
الثالث: الَّذِيْنَ رووا عَنْهُ قَبْلَ الاختلاط وبعده، وَلَمْ يميزوا هَذَا من هَذَا.
الرابع: الَّذِيْنَ رووا عَنْهُ قَبْلَ اختلاطه وبعده وميزوا هَذَا من هَذَا.
ووضعوا حكمًا لكل قسم من هَذِهِ الأقسام: فمن رَوَى عَنْ المختلط قَبْلَ الاختلاط قبلت روايته عَنْهُ، ومن رَوَى عَنْهُ قَبْلَ الاختلاط وبعده، وميز ما سَمِعَ قَبْلَ الاختلاط قُبِلَ، وَلَمْ يُقبل ما سَمِعَ بَعْدَ الاختلاط، ومن لَمْ يميز حديثه أو سَمِعَ بَعْدَ الاختلاط لَمْ تقبل روايته (١) .
_________________
(١) مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث: ٣٥٤، وفي طبعتنا: ٤٩٤، والإرشاد، للنووي ٢/٧٨٨، والتقريب، لَهُ: ١٩٨، وطبعتنا: ٢٧٥، والمنهل الروي: ١٣٧، واختصار علوم الْحَدِيْث: ٢٤٤، والشذا الفياح ٢/٧٤٤، والمقنع ٢/٦٦٣، والعواصم ٣/١٠١-١٠٣، وفتح المغيث ٣/٢٧٧، وفتح الباقي ٣/٢٦٤ الطبعة العلمية و٢/٣٢٣ طبعتنا، وتدريب الراوي ٢/٣٧٢، وتوضيح الأفكار ٢/٥٠٢.
[ ٢٥ ]
ولعل الحافظ العراقي كَانَ أشمل في بيان الحكم من غيره، إِذْ قَالَ: «ثُمَّ الحكم فيمن اختلط أنه لا يقبل من حديثه ما حدّث بِهِ في حال الاختلاط، وكذا ما أبهم أمره وأشكل، فَلَمْ ندرِ أحدّث بِهِ قَبْلَ الاختلاط أو بعده؟ وما حدث بِهِ قَبْلَ الاختلاط قُبِلَ، وإنما يتميز ذَلِكَ باعتبار الرُّوَاة عَنْهُمْ، فمنهم من سَمِعَ مِنْهُمْ قَبْلَ الاختلاط فَقَطْ، ومنهم من سَمِعَ بعده فَقَطْ، ومنهم من سَمِعَ في الحالين، وَلَمْ يتميز» (١) .
وَقَدْ قسّم الْمُحَدِّثُوْنَ المختلطين من حَيْثُ تأثير الاختلاط في قبول مروياتهم عَلَى ثلاثة أقسام قَالَ العلائي (٢): «أما الرُّوَاة الَّذِيْنَ حصل لَهُمْ الاختلاط في آخر عمرهم فهم عَلَى ثلاثة أقسام:
أحدها: من لَمْ يوجب ذَلِكَ لَهُ ضعفًا أصلًا، وَلَمْ يحط من مرتبته؛ إما لقصر مدة الاختلاط وقلَّتِهِ كسفيان بن عيينة (٣)، وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه، وهما من أئمة الإسلام المتفق عليهم؛ وإما لأنه لَمْ يروِ شيئًا حال اختلاطه، فسلم حديثه من الوهم كجرير بن حازم، وعفان بن مُسْلِم (٤)، ونحوهما.
_________________
(١) شرح التبصرة والتذكرة الطبعة العلمية ٣/٢٦٤، وفي طبعتنا ٢/٣٢٩.
(٢) هُوَ خليل بن كيكلدي بن عَبْد الله العلائي الدمشقي، محدث فاضل، ولد في دمشق سنة (٦٩٤ هـ)، وتوفي في القدس سنة (٧٦١ هـ)، من مصنفاته " جامع التحصيل " و" نظم الفرائد " وغيرهما. شذرات الذهب ٦/١٩٠، والأعلام ٢/٣٢١-٣٢٢.
(٣) ينظر في هَذَا مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث: ٤٩٧، مع التعليق عَلَيْهِ.
(٤) هُوَ أبو عثمان، عفان بن مُسْلِم بن عَبْد الله الصفار البصري سكن بغداد: ثقة، توفي سنة (٢١٩ هـ)، وَقِيْلَ: (٢٢٠ هـ) . الثقات ٨/٥٢٢، وتهذيب الكمال ٥/١٨٧ (٤٥٥٣)، وتهذيب التهذيب ٧/٢٣٠.
[ ٢٦ ]
ثانيها: من كَانَ مُتَكلَّمًا فِيْهِ قَبْلَ الاختلاط، فَلَمْ يحصل من الاختلاط إلا زيادة في ضعفه؛ كابن لهيعة (١)، ومحمد بن جابر السُّحيمي (٢)، ونحوهما.
ثالثها: من كَانَ محتجًا بِهِ، ثُمَّ اختلط، أو عُمِّر في آخر عمره، فحصل الاضطراب فِيْمَا رَوَى بَعْدَ ذَلِكَ، فيتوقف الاحتجاج بِهِ عَلَى التمييز بَيْنَ ما حدّث بِهِ قَبْلَ الاختلاط عما رَوَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ» (٣) .
رابعًا. ذهاب البصر:
_________________
(١) هُوَ أَبُو عَبْد الرحمان المصري، عَبْد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي الفقيه، قاضي مصر: صدوق، احترقت كتبه فحدّث من حفظه فأخطأ، توفي سنة (١٧٤ هـ) . تهذيب الكمال ٤/٢٥٢ (٣٥٠١)، والعبر ١/٢٦٤، والتقريب (٣٥٦٣) .
(٢) هُوَ مُحَمَّد بن جابر بن سيار السحيمي الحنفي، أَبُو عَبْد الله اليمامي، أصله كوفيٌّ، وَكَانَ أعمى، قَالَ عَنْهُ البخاري: ليس بالقوي، يتكلمون فِيْهِ، رَوَى مناكير، توفي سنة بضع وسبعين ومئة. تهذيب الكمال ٦/٢٥٩-٢٦٠ (٥٦٩٩)، وسير أعلام النبلاء ٨/٢٣٨، والتقريب (٥٧٧٧) .
(٣) كتاب المختلطين: ٣.
[ ٢٧ ]
من المعروف في بَدَائِهِ علم الْحَدِيْث أنّ الضبط شرط أساسي في صحة الْحَدِيْث النبوي الشريف (١)، والضبط: هُوَ إتقان ما يرويه الرَّاوِي بأن يَكُوْن متيقظًا لما يروي غَيْر مغفل، حافظًا لروايته إن رَوَى من حفظه، ضابطًا لكتابه إن رَوَى من الكتاب، عالمًا بمعنى ما يرويه، وبما يحيل المعنى عَنْ المراد إن روى بالمعنى (٢)، حَتَّى يثق المطّلع عَلَى روايته والمتتبع لأحواله بأنه أدى الأمانة كَمَا تحملها، لَمْ يغير مِنْهَا شَيْئًا، وهذا مناط التفاضل بَيْنَ الرُّوَاة الثقات، فإذا كَانَ الرَّاوِي عدلًا ضابطًا سمي ثقةً (٣) . ويعرف ضبطه بموافقة الثقات الضابطين المتقنين إذا اعتبر حديثه بحديثهم، ولا تضر مخالفته النادرة لَهُمْ، فإن كثرت مخالفته لَهُمْ، وندرت الموافقة، اختل ضبطه وَلَمْ يحتج بحديثه (٤) .
والضبط نوعان: ظاهر وباطن.
فالظاهر من حَيْثُ اللغة. والباطن: ضبط معناه من حَيْثُ تعلق الحكم الشرعي بِهِ، وَهُوَ الفقه. ومطلق الضبط الَّذِيْ هُوَ شرط الرَّاوِي، هُوَ الضبط ظاهرًا عِنْدَ الأكثر؛ لأنه يجوز نقل الْحَدِيْث بالمعنى عِنْدَ الكثير (٥) من العلماء (٦) .
_________________
(١) انظر: شرح التبصرة والتذكرة الطبعة العلمية ١/١٢، وفي طبعتنا ١/١٠٣، وفتح المغيث ١/٦٨.
(٢) انظر: تدريب الرَّاوِي ١/٣٠١.
(٣) فتح المغيث ١/٢٨، وتدريب الرَّاوِي ١/٦٣، وتوجيه النظر ١/١٨١.
(٤) هامش جامع الأصول ١/٧٢.
(٥) انظر: في حكم رِوَايَة الْحَدِيْث بالمعنى: الإلماع: ١٧٨، والتقريب: ١٣٤وطبعتنا: ١٨٣، وشرح التبصرة الطبعة العلمية: ٢/١٦٨، وفي طبعتنا ١/٥٠٦-٥٠٧، وفتح المغيث ٢/٢٥٨، وتدريب الرَّاوِي ٢/١١٢.
(٦) جامع الأصول ١/٧٢-٧٣.
[ ٢٨ ]
فمما تقدم نستخلص أن الضبط قسمان: ضبط صدر، وضبط كتاب. وضابط الكتاب يحتاج أن يقرأ كتابه من أجل الرِّوَايَة والمقابلة، وضابط الصدر يحتاج إلى أن يعاود حفظه وكتابه من أجل ضبط مروياته، وربما يمكن أن يحصل هَذَا لبعض الرُّوَاة بمفردهم، وقسم مِنْهُمْ يستعين بمن يثق بِهِ ليعاونه عَلَى ذَلِكَ. إذن فالبصر مهم في ذَلِكَ وله دور كبير في المحافظة على الحفظ؛ لذا فإنّ زوال البصر وذهابه قَدْ يؤدي بالمحصلة النهائية إلى دخول الوهم في بعض روايات الْمُحَدِّثِيْنَ مِمَّا يؤدي إلى حصول اختلاف بَيْنَ الروايات.
ومن الَّذِيْنَ ذهب بصرهم: عَبْد الرزاق بن همام الصنعاني (١) صاحب المصنف
قَالَ الحافظ ابن حجر العسقلاني: «عمي في آخر عمره فتغير» (٢) . وكذا علي بن مسهر (٣)
_________________
(١) هُوَ عَبْد الرزاق بن همام بن نافع الصنعاني أبو بكر الحميري، مولاهم صاحب المصنف: ثقة، حافظ، عمي في آخر عمره فتغير، توفي سنة (٢١١ هـ) . طبقات ابن سعد ٥/٥٤٨، والتاريخ الكبير ٦/١٣٠، والتقريب (٤٠٦٤) .
(٢) التقريب (٤٠٦٤) .
(٣) هُوَ أبو الحسن علي بن مسهر القرشي الكوفي، قاضي الموصل: ثقة لَهُ غرائب بَعْدَ أن أضر، مات سنة (١٨٩ هـ) . طبقات ابن سعد ٦/٣٨٨، وتهذيب الكمال ٥/٣٠١ و٣٠٢ (٤٧٢٦)، والتقريب (٤٨٠٠) .
[ ٢٩ ]
قَالَ العجلي (١): «صاحب سنة ثقة في الْحَدِيْث صالح الكتاب كثير الرِّوَايَة عَنْ الكوفيين» (٢)، وَقَالَ أبو عَبْد الله أحمد بن حَنْبَل لما سئل عَنْهُ: «لا أدري كيف أقول كَانَ قَدْ ذهب بصره فكان يحدّثهم من حفظه» (٣) .
خامسًا. ذهاب الكتب:
قَدْ علمنا مِمَّا سبق أن ضبط الكتاب (٤) هُوَ أحد قسمي الضبط، والعمدة في هَذَا القسم عَلَى كتاب الرَّاوِي، وتطرق الخلل إلى كتابه أمر مضر بالثقة في مرويات ذَلِكَ الرَّاوِي، وَقَدْ يصل الأمر إلى أن يدع الرَّاوِي روايته جملة بسبب فقد كتابه.
إلاّ أن بعض الرُّوَاة قَدْ يعلق في أذهانهم شيء من تِلْكَ المرويات الَّتِيْ دونوها في كتبهم المفقودة، فيحدّثون بِهَا، ولما كَانَ معتمدهم أصلًا في الرِّوَايَة عَلَى كتبهم لا عَلَى حفظهم فإن وجود الخطأ والوهم في تِلْكَ الروايات وارد.
ومن رواة الأحاديث الَّذِيْنَ ذهبت كتبهم مع اعتمادهم عَلَى تِلْكَ الكتب في حفظهم: عَبْد الله بن لهيعة، أبو عَبْد الرحمان الحضرمي، الفقيه قاضي مصر، كَانَ متقنًا لكتابه، قَالَ الإمام أحمد: «ابن لهيعة أجود قِرَاءة لكتبه من ابن وهب (٥)
_________________
(١) هُوَ أحمد بن عَبْد الله بن صالح بن مُسْلِم، العجلي الكوفي، ولد بالكوفة سنة (١٨٢ هـ)، ونزل مدينة طرابلس المغرب، قَالَ يحيى: ثقة ابن ثقة. من تصانيفه: " مَعْرِفَة الثقات " وغيرها، توفي سنة (٢٦١ هـ) . سير أعلام النبلاء ١٢/٥٠٥، وتذكرة الحفاظ ٢/٥٦٠، والبداية والنهاية ١١/٢٨..
(٢) تهذيب التهذيب ٧/٣٨٤.
(٣) المصدر السابق.
(٤) هُوَ اعتماد الرَّاوِي عَلَى كتابه حال تأدية الْحَدِيْث.
(٥) عَبْد الله بن وهب بن مُسْلِم القرشي، الفهري أبو مُحَمَّد المصري، الإمام الحَافِظ ولد سنة (١٢٥ هـ) ومات سنة (١٩٦ هـ) أو (١٩٧ هـ)، لَهُ مصنفات كثيرة مِنْهَا: " الجامع " و" المغازي ". انظر: طبقات خليفة: ٢٩٧، وتهذيب الكمال ٤/٣١٧، وسير أعلام النبلاء ٩/٢٢٣.
[ ٣٠ ]
» (١) .
وَقَدْ كَانَ جل اعتماده في روايته عَلَى كتبه، فلما احترقت ضُعِّف في الرِّوَايَة لكثرة ما وجد من الوهم والخطأ في روايته بَعْدَ ذهاب كتبه. قَالَ إسحاق بن عيسى الطباع (٢): «احترقت كتب ابن لهيعة سنة تسع وستين» (٣) . وَقَالَ البخاري (٤) عَنْ يحيى بن بكير (٥): «احترق منْزل ابن لهيعة وكتبه في سنة سبعين ومئة» (٦) .
_________________
(١) تهذيب الكمال ٤/٢٥٤.
(٢) إسحاق بن عيسى بن نجيح البغدادي، أبو يعقوب المعروف بابن الطباع، ولد سنة (١٤٠ هـ)، وتوفي سنة (٢١٤ هـ) وَقِيْلَ: (٢١٥ هـ)، لَهُ " التاريخ " وغيره. انظر: تاريخ بغداد ٦/٣٣٢، وتهذيب الكمال ١/١٩٥-١٩٦ (٣٦٨)، وتاريخ الإسلام وفيات (٢١٥ هـ): ٦٥-٦٦.
(٣) تهذيب الكمال ٤/٢٥٣.
(٤) الإِمَام حبر الإسلام إمام الْمُحَدِّثِيْنَ، أَبُو عَبْد الله مُحَمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم البُخَارِيّ مولى الجحفيين، ولد سنة (١٩٤هـ)، صاحب"الجامع الصَّحِيْح" و"التاريخ" و"الأدب المفرد" و"الضعفاء"، توفي سنة (٢٥٦هـ) انظر: تاريخ بغداد ٢/٤، وسير أعلام النبلاء ١٢/٣٩٠، وشذرات الذهب ٢/١٣٤-١٣٥.
(٥) الإِمَام الحَافِظ الثقة أبو زكريا يَحْيَى بن عَبْد الله بن بكير القرشي المخزومي، مولاهم، المصري، ولد سنة (١٥٤ هـ) وَقِيْلَ بَعْدَ الثلاثين، وتوفي سُنَّةُ (٢٣١هـ) . انظر: تهذيب الكمال ٨/٥٦ (٧٤٥٣)،وسير أعلام النبلاء ١٠/١٦٢-١٦٤، وتذكرة الحفاظ ٢/٤٢٠.
(٦) تهذيب الكمال ٤/٢٥٤. ويرى بعض العلماء أن كتبه لَمْ تحترق، انظر تفصيل هَذَا في المصدر السابق.
[ ٣١ ]
وربما يَكُوْن لغياب الكتب نَفْسُ أثرِ فَقْدِ الكتب ويكون مدعاة للوهم والخلاف، فإذا حدّث الرَّاوِي - الَّذِيْ يعتمد في الأداء عَلَى كتابه - في حالة غياب كتبه عَنْهُ، وقع الوهم والخطأ في حديثه، وتحديثه في غَيْر بلده - أَيْضًا - مظنة (١) لوقوع ذَلِكَ كَمَا حصل لمعمر بن راشد (٢) قَالَ ابن رجب (٣): «حديثه بالبصرة فِيْهِ اضطراب كثير، وحديثه باليمن جيد» (٤)، وَقَالَ الإمام أحمد في رِوَايَة الأثرم (٥)
_________________
(١) مَظِنَّة - بكسر الظاء عَلَى وزن مَفْعِلَة - الشيء الموضع الَّذِيْ يظن كونه فِيْهِ وَهِيَ معدنه، من الظن بمعنى: العلم، قَالَ ابن الأثير: «وَكَانَ القياس فتح الظاء، وإنما كسرت لأجل الهاء» . انظر: الصحاح ٦/٢١٦٠، والنهاية ٣/١٦٤، ولسان العرب ١٣/٢٧٣ (ظنن)، وتعليقنا عَلَى مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث: ١٠٥.
(٢) هُوَ معمر بن راشد، أبو عروة بن أبي عمرو الأزدي، مولاهم البصري: ثقة ثبت فاضل أحد الأعلام الثقات، توفي سنة (١٥٣هـ) . طبقات ابن سعد ٥/٥٤٦، تاريخ البخاري ٧/٣٧٨، والتقريب (٦٨٠٩) .
(٣) هُوَ عَبْد الرحمان بن أحمد بن رجب السلامي البغدادي، ثُمَّ الدمشقي، ولد سنة (٧٣٦ هـ)، من حفاظ الْحَدِيْث، من مصنفاته " فضائل الشام " و" شرح جامع الترمذي "، توفي سنة (٧٩٥ هـ) . الدرر الكامنة ٢/٣٢١، والمنهج الأحمد ٣/٢٦٣، والأعلام ٣/٢٩٥.
(٤) شرح علل الترمذي ٢/٧٦٧.
(٥) هُوَ الإمام أبو بكر، أحمد بن مُحَمَّد بن هانئ الإسكافي الأثرم، أحد الأعلام، ومصنف " السنن "، توفي بَعْدَ سنة (٢٧١ هـ) . الجرح والتعديل ٢/٧٢،، وسير أعلام النبلاء ١٢/٦٢٣، والمنهج الأحمد ١/١٣١.
[ ٣٢ ]
: «حَدِيْث عَبْد الرزاق عَنْ معمر أحب إليّ من حَدِيْث هؤلاء البصريين، كَانَ يتعاهد كتبه وينظر، يعني باليمن، وَكَانَ يحدّثهم بخطأٍ بالبصرة» (١) . وَقَالَ يعقوب بن شيبة (٢): «سَمَاع أهل البصرة من معمر، حين قدم عليهم فِيْهِ اضطراب؛ لأن كتبه لَمْ تَكُنْ مَعَهُ» (٣) .
ومن هَؤُلاَءِ أَيْضًا: إسماعيل بن عياش (٤) قَالَ مُحَمَّد بن عثمان بن أبي شيبة (٥):
«سَمِعْتُ يَحْيَى بن مَعِيْنٍ يَقُوْل: إسماعيل بن عياش ثقة فِيْمَا رَوَى عَنْ الشاميين، وأما روايته عَنْ أهل الحجاز فإن كتابه ضاع فخلط في حفظه عَنْهُمْ» (٦) .
سادسًا. عدم الضبط:
سبق الكلام أن الضبط من شروط صحة الْحَدِيْث الأساسية؛ ولكن بعض الرُّوَاة
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/٧٦٧.
(٢) هُوَ يعقوب بن شيبة بن الصلت، أبو يوسف السدودسي: ثقة حافظ، صنف " المسند الكبير "، ولد في حدود سنة (١٨٠ هـ)، وتوفي سنة (٢٦٢ هـ) . تاريخ بغداد ١٤/٢٨١، وتذكرة الحفاظ ٢/٥٧٧، والنجوم الزاهرة ٣/٤٧.
(٣) شرح علل الترمذي ٢/٧٦٧.
(٤) هُوَ إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي، أبو عتبة الحمصي: صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم، مات سنة (١٨١ هـ) . تهذيب الكمال ١/٢٤٧ (٤٦٥)، والكاشف ١/٢٤٨- ٢٤٩ (٤٠٠)، والتقريب (٤٧٣) .
(٥) هُوَ مُحَمَّد بن عثمان بن أبي شيبة، أبو جعفر العبسي الكوفي، كَانَ كثير الْحَدِيْث واسع الرِّوَايَة، توفي سنة (٢٩٧ هـ) . تاريخ بغداد ٣/٤٢، والأنساب ٤/١١٦، وتذكرة الحفاظ ٢/٦٦١.
(٦) تهذيب الكمال ١/٢٥٠، وانظر: الكواكب النيرات: ٩٨.
[ ٣٣ ]
-وإن كانوا ضابطين - إلا أنهم في بعض الأحايين يخف ضبطهم لبعض الأحاديث خاصة، وَهُوَ أمرٌ اعتيادي يحصل لبني الإنسان؛ لأن الضبط كَمَا سبق أمرٌ نسبيٌّ. وهذا الباب الَّذِيْ يمكن من خلاله دخول الوهم في بَعْض أحاديث الثقات يعدُّ سببًا من أسباب اختلاف الروايات متنًا وإسنادًا مِمَّا يؤدي بالمحصلة النهائية إِلَى حصول بَعْض الاختلافات في بَعْض الأحاديث. وهذا الأمر نراه جليًا في أحاديث الثقات الَّتِيْ أخطؤوا فِيْهَا. وما يأتي في كَثِيْر من الأمثلة اللاحقة دليل لما أصّلناه في أن الضبط أمرٌ نسبيٌّ ينفك عَنْ بعض الثقات أحيانًا في بعض الأحاديث.
وَكَانَ هناك رواة، لَهُمْ كتب صحيحة متقنة وفي حفظهم شيء وهؤلاء كانوا أحيانًا إِذا حدثوا من حفظهم غلطوا وإذا حدثوا من كتابهم أصابوا، وهذا أمر أولاه العلماء عناية؛ لأن فِيْهِ مزيد ضبط في رِوَايَة هَذَا الرَّاوِي خاصة، ومن الأمثلة عَلَى ذَلِكَ شريك القاضي وَهُوَ شريك بن عَبْد الله النخعي، الكوفي، القاضي بواسط، ثُمَّ الكوفة، أبو عَبْد الله: صدوق يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة (١) .
قَالَ فِيْهِ مُحَمَّد بن عَبْد الله بن عمار الموصلي (٢): «شريك كتبه صحاح فمن سَمِعَ مِنْهُ من كتبه فهو صَحِيْح، قَالَ: وَلَمْ يَسْمَع من شريك من كتابه إلا إسحاق الأزرق (٣)
_________________
(١) التقريب (٢٧٨٧) .
(٢) هُوَ مُحَمَّد بن عَبْد الله بن عمار، أبو جعفر الموصلي، محدث الموصل، ولد بَعْدَ الستين ومئة: ثقة صاحب حَدِيْث، توفي سنة اثنتين وأربعين ومئتين. سير أعلام النبلاء ١١/٤٦٩ - ٤٧٠.
(٣) هُوَ أبو مُحَمَّد إسحاق بن يوسف بن مرداس القرشي الواسطي المخزومي المعروف بالأزرق: ثقة، ولد سنة (١١٧ هـ)، وتوفي سنة (١٩٥ هـ) . تهذيب الكمال ١/٢٠٣ (٣٨٩)، وسير أعلام النبلاء ٩/١٧١، والتقريب (٣٩٦) .
[ ٣٤ ]
» (١) . وَقَالَ فِيْهِ يعقوب بن شيبة: «كتبه صحاح» (٢) . وفي رِوَايَة الْخَطِيْب البغدادي (٣) عَنْ يعقوب في شريك: «ثقة صدوق، صَحِيْح الكتاب، رديء الحفظ مضطربه» (٤) .
ومن الأمور الَّتِيْ يدخل الاختلاف بسببها لعدم الضبط، هُوَ عدم الضبط في بلد معين، وَهُوَ أن يَكُوْن الرَّاوِي ضابطًا إلا أنه في سماعه لحديث أهل بلدٍ معين لا يَكُوْن ضابطًا لحديثهم لعدم تأهبه لِذَلِكَ؛ لأن الضبط كَمَا يَكُوْن في الأداء يَكُوْن في التحمل فإن لَمْ يتحمل جيدًا -لاختلال في السَّمَاع، أو عدم جودةٍ في تقييد الكتاب- لَمْ يؤد جيدًا، ومثل هَذَا قَدْ حصل لعدد من الرُّوَاة، فتجد أحاديثهم جيادًا في روايتهم عَنْ أهل بلد معين، وتجدها دون ذَلِكَ عِنْدَ أهل بلد آخر لخلل طرأ في السَّمَاع والتحمل.
ومن أولئك الرُّوَاة الَّذِيْنَ تضعّف روايتهم في بلد دون آخر إسماعيل بن عياش، وَهُوَ إسماعيل بن عياش بن سليم العَنْسيُّ - بالنون - أبو عتبة الحمصي: صدوق في روايته عَنْ أهل بلده مُخَلِّط في غيرهم (٥) . قَالَ يعقوب بن سفيان (٦)
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/٧٥٩.
(٢) شرح علل الترمذي ٢/٧٥٩.
(٣) أبو بكر أحمد بن عَلِيّ بن ثابت البغدادي، (الحَافِظ الناقد)، ولد سنة (٣٩٢ هـ)، رحل إِلَى البصرة ونيسابور وأصبهان ومكة ودمشق والكوفة والري وصنف قريبًا من مئة مصنف مِنْهَا: " تاريخ بغداد " و" الجامع لأخلاق الرَّاوِي "، توفي سنة (٤٦٣ هـ) . انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/٢٧٠، ومرآة الجنان ٣/٦٧، والبداية والنهاية ١٢/٩١.
(٤) تاريخ بغداد ٩/٢٨٤.
(٥) التقريب (٤٧٣) .
(٦) هُوَ أبو يوسف، يعقوب بن سُفْيَان بن جوان الفارسي، الفسوي، من أهل مدينة فسا، ويقال لَهُ: يعقوب بن أبي معاوية: ثقة حافظ، ولد في حدود سنة (١٩٠ هـ)، وتوفي سنة (٢٧٧ هـ) . الثقات ٩/٢٨٧، وسير أعلام النبلاء ١٣/١٨٠، والتقريب (٧٨١٧) .
[ ٣٥ ]
: «تكلَّم قومٌ في إسماعيل، وإسماعيل ثقة عدلٌ، أعلم الناس بحديث الشام، ولا يدفعه دافع، وأكثر ما تكلموا قالوا: يُغرِبُ عَنْ ثقات المدنيين والمكيين» (١) . وَقَالَ أبو بكر بن أبي خيثمة: سُئِلَ يحيى بن معين عَنْ إسماعيل بن عياش، فَقَالَ: «ليس بِهِ بأس في أهل الشام. والعراقيون يكرهون حديثه» (٢) . وَقَالَ مضر بن مُحَمَّد الأسدي (٣)، عَنْ يَحْيَى: «إذا حدَّث عَنْ الشاميين وذكر الخبر، فحديثه مستقيم، وإذا حدّث عَنْ الحجازيين والعراقيين، خلّط ما شئت» (٤) . وَقَالَ أبو داود: سألت أحمدَ عَنْ إسماعيلَ بنِ عياش فَقَالَ: «ما حدّث عَنْ مشايخهم. قلت: الشاميين؟ قَالَ: نعم. فأما ما حدث عَنْ غيرهم، فعنده مناكير» (٥) . وَقَالَ أبو طَالِب أحمد بن حميد (٦): سَمِعْتُ أحمد بن حَنْبَل يَقُوْل: «إسماعيل بن عيّاش ما رَوَى عَن الشاميين صَحِيْح، وما رَوَى عَنْ أهل الحجاز فليس بصحيح» (٧) .
سابعًا. التدليس (٨)
_________________
(١) الْمَعْرِفَة والتاريخ ٢/٤٢٣، ونقله المزي في تهذيب الكمال ١/٢٤٩.
(٢) تهذيب الكمال ١/٢٥٠.
(٣) هُوَ مضر بن مُحَمَّد بن خالد بن الوليد بن مضر، أبو مُحَمَّد الأسدي، القاضي ولي قضاء واسط، توفي سنة (٢٧٧ هـ) . طبقات الحنابلة ١/٣٣٩.
(٤) تهذيب الكمال ١/٢٥٠.
(٥) سؤالات أبي داود للإمام أحمد: ٢٦٤ (٣٠٠)، وتهذيب الكمال ١/٢٥٠.
(٦) هُوَ أحمد بن حميد أبو طالب المشكاني، المتخصص بصحبة الإمام أحمد، توفي سنة (٢٤٤ هـ) . تاريخ بغداد ٤/١٢٢، وطبقات الحنابلة ١/٤٠، والمنهج الأحمد ١/١٠٠.
(٧) الكامل، لابن عدي ١/٤٧٢.
(٨) انظر في التدليس: مَعْرِفَة علوم الْحَدِيْث: ١٠٣، والمدخل إلى الإكليل: ٣٩، والكفاية (٥٠٨ ت، ٣٥٥ هـ)، والتمهيد ١/١٥، وجامع الأصول ١/١٦٧، ومعرفة أنواع علم الْحَدِيْث: ٦٦ طبعة نور الدين، ١٥٦ طبعتنا، والإرشاد ١/٢٠٥، والتقريب: ٦٣، وطبعتنا: ١٠٩، والاقتراح: ٢٠٩، والمنهل الروي: ٧٢، والخلاصة: ٧٤، والموقظة: ٤٧، وجامع التحصيل: ٩٧، والتذكرة: ١٦، ومحاسن الاصطلاح: ١٦٥، وشرح التبصرة والتذكرة ١/١٧٩ الطبعة العلمية، و١/٢٢٤ طبعتنا، والتقييد والإيضاح: ٩٥، ونزهة النظر: ١١٣، والنكت عَلَى كتاب ابن الصَّلاَحِ ٢/٦١٤، ومقدمة طبقات المدلسين: ١٣، والمختصر: ١٣٢، وفتح المغيث ١/١٩٦، وألفية السيوطي: ٣٣، وتوضيح الأفكار ١/٣٤٦، وظفر الأماني: ٣٧٣، وقواعد التحديث: ١٣٢.
[ ٣٦ ]
:
هُوَ أحد الأسباب الرئيسة الَّتِيْ تدخل الاختلاف في المتون والأسانيد؛ لأن التدليس يكشف عَنْ سقوط راوٍ أحيانًا فيكون لهذا الساقط دور في اختلاف الأسانيد والمتون ولما كَانَ الأمر عَلَى هَذِهِ الشاكلة، فلابدّ لنا من تفصيل القَوْل في التدليس:
فالتدليس لغة: من الدَّلَسِ - بالتحريك - وَهُوَ اختلاط الظلام، والتدليس: إخفاء العيب وكتمانه (١) .
أما في الاصطلاح، فإن التدليس عندهم يتنوع إلى عدة أنواع:
الأول: تدليس الإسناد:
وَهُوَ أن يروي الرَّاوِي عمن لقيه ما لَمْ يسمعه مِنْهُ بصيغة محتملة (٢) .
والمراد من الصيغة المحتملة: أن لا يصرح بالسماع أَوْ الإخبار مثل: حَدَّثَنَا، وأخبرنا (٣) وأنبأنا، وسمعت، وَقَالَ لنا، وإنما يجيء بلفظ يحتمل الاتصال وعدمه، مثل: إن، وعن، وَقَالَ، وحدّث، وروى، وذكر، لذا لَمْ يقبل الْمُحَدِّثُوْنَ حَدِيْث المدلس ما لَمْ يصرِّح بالسماع (٤) .
الثاني: تدليس الشيوخ:
_________________
(١) الصحاح ٣/٩٣٠، ولسان العرب ٦/٨٦، وتاج العروس ١٦/٨٤ مادة (دلس) .
(٢) انظر: مَعْرِفَة علوم الْحَدِيْث: ١٠٣، وجامع الأصول: ١٦٧، ومعرفة أنواع علم الْحَدِيْث: ٦٦ طبعة نور الدين و١٥٧ طبعتنا، وإرشاد طلاب الحقائق ١/٢٠٥، وجامع التحصيل: ٩٧، وشرح ألفية العراقي: ٣٣ للسيوطي، وتوضيح الأفكار ١/٣٤٧، وظفر الأماني: ٣٧٤.
(٣) ثُمَّ شاع تخصيص " أخبرنا " في العصور المتأخرة بالإجازة. انظر: مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث: ٦٦ طبعة نور الدين، و١٥٩ طبعتنا.
(٤) انظر: مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث: ٦٧ طبعة نور الدين و١٥٩ طبعتنا، وإرشاد طلاب الحقائق ١/٢١٠، والتقريب: ٦٥، والمقنع ١/١٥٧، وشرح التبصرة والتذكرة ١/١٨٤ الطبعة العلمية، و١/٢٣٢ طبعتنا، والعواصم والقواصم ٣/٦٠، وطبقات المدلسين: ١٦.
[ ٣٧ ]
وَهُوَ أن يأتي باسم شيخه أَوْ كنيته عَلَى خلاف المشهور بِهِ تعمية لأمره وتوعيرًا للوقوف عَلَى حاله (١) . وهذا النوع حكمه أخف من السابق، وفي هَذَا النوع تضييع للمروي عَنْهُ وللمروي وتوعير لطريق مَعْرِفَة حالهما. ثُمَّ إن الحال في كراهيته يختلف بحسب الغرض الحامل عَلَيْهِ، إِذْ إن من يدلس هَذَا التدليس قَدْ يحمله كون شيخه الَّذِيْ غيّر سمته غَيْر ثقة، أو أصغر من الرَّاوِي عَنْهُ، أو متأخر الوفاة قَدْ شاركه في السَّمَاع مِنْهُ جَمَاعَة دونه، أو كونه كثير الرِّوَايَة عَنْهُ فلا يحب تكرار شخص عَلَى صورة واحدة (٢) .
الثالث: تدليس التسوية (٣):
وَهُوَ أن يروي عَنْ شيخه، ثُمَّ يسقط ضعيفًا بَيْنَ ثقتين قَدْ سَمِعَ أحدهما من الآخر أو لقيه، ويرويه بصيغة محتملة بَيْنَ الثقتين (٤) . وممن اشتهر بهذا النوع: الوليد بن
_________________
(١) مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث: ٦٦ طبعة نور الدين و١٥٨ طبعتنا، وانظر في هَذَا النَّوْع من التدليس: الكفاية: (٥٢٠ ت، ٣٦٥ هـ)، وجامع الأصول ١/١٧٠، والإرشاد ١/٢٠٧، والتقريب: ٦٣-٦٤، والاقتراح: ٢١١-٢١٢، والمنهل الروي: ٧٣، وجامع التحصيل: ١٠٠، واختصار علوم الْحَدِيْث: ٥٥، والمقنع ١/١٥٥، وشرح التبصرة والتذكرة ١/١٨٧ الطبعة العلمية و١/٢٤٠ طبعتنا، وشرح ألفية العراقي للسيوطي: ٣٧، وتوضيح الأفكار ١/٣٥٠، وظفر الأماني: ٣٨٠.
(٢) الإرشاد، للنووي ١/٢١٢.
(٣) وَقَدْ سماه القدماء تجويدًا. فتح المغيث ١/١٩٩،وتدريب الرَّاوِي ١/٢٢٦،وشرح ألفية السيوطي: ٣٦. وسماه صاحب ظفر الأماني: ٣٧٧ بـ: " التحسين ".
(٤) الكفاية (٥١٩ ت، ٣٦٤ هـ)، والإرشاد، للنووي ١/٢٠٦، والمقنع ١/١٦٣، وشرح التبصرة والتذكرة ١/١٩٠ الطبعة العلمية و١/٢٤٢ طبعتنا، وتعريف أهل التقديس: ١٦، وفتح المغيث ١/٢١٣، وشرح ألفية السيوطي: ٣٦، وظفر الأماني: ٣٧٧.
[ ٣٨ ]
مُسْلِم (١)، وبقية بن الوليد (٢) . وهذا النوع من التدليس يشترط فِيْهِ التحديث والإخبار من المدلس إلى آخره (٣) .
الرابع: تدليس العطف:
وَهُوَ مثل أن يقول الرَّاوِي: حَدَّثَنَا فُلاَن وفلان، وَهُوَ لَمْ يَسْمَع من الثاني (٤) .
الخامس: تدليس السكوت:
وَهُوَ كأن يقول الرَّاوِي: حَدَّثَنَا أَوْ سَمِعْتُ، ثُمَّ يسكت برهة، ثُمَّ يقول: هشام بن عروة (٥) أو الأعمش (٦)
_________________
(١) الوليد بن مُسْلِم القرشي مولاهم، أبو العباس الدمشقي: ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية، مولى بني أمية، ولد سنة (١١٩ هـ)، وتوفي سنة (١٩٥ هـ) . انظر: طبقات ابن سعد ٧/٤٧٠-٤٧١، وسير أعلام النبلاء ٩/٢١١-٢٢٠، والتقريب (٧٤٥٦) .
(٢) بقية بن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعي الحمصي، أبو يحمد: صدوق كثير التدليس عَنْ الضعفاء، ولد سنة (١١٠ هـ)، وتوفي سنة (١٩٧ هـ) . انظر: الجرح والتعديل ٢/٤٣٤-٤٣٥، وسير أعلام النبلاء ٨/٥١٨ و٥١٩، والتقريب (٧٣٤) . وانظر الكلام عَنْ تدليس هذين الراويين: الموقظة: ٤٦.
(٣) النكت عَلَى كتاب ابن الصَّلاَحِ ١/٢٩٣.
(٤) تعريف أهل التقديس: ١٦، وفتح المغيث ١/٢٠٢، وألفية السيوطي: ٣٣، وتدريب الرَّاوِي ١/٢٢٦، وظفر الأماني: ٣٧٩، والباعث الحثيث: ٥٥-٥٦.
(٥) هشام بن عروة بن الزبير بن العوام الأسدي، يكنى أبا المنذر: ثقة فقيه ربما دلس، توفي سنة (١٤٦ هـ) . انظر: طبقات خليفة: ٢٦٧، وتهذيب الكمال ٧/٤٠٩-٤١١ (٧١٨٠)، والتقريب (٧٣٠٢) .
(٦) سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، أبو مُحَمَّد الكوفي الأعمش: ثقة حافظ لكنه يدلس، قَالَ الذهبي: ما نقموا عَلَيْهِ إلا التدليس، ولد سنة (٦١ هـ)، وتوفي سنة (١٤٧ هـ) أَوْ (١٤٨ هـ) . انظر: تهذيب الكمال ٣/٣٠٠-٣٠٣ (٢٥٥٥)، وميزان الاعتدال ٢/٢٢٤، والتقريب (٢٦١٥) .
[ ٣٩ ]
موهمًا أنه سَمِعَ منهما، وليس كذلك (١) .
السادس: تدليس القطع:
وَهُوَ أن يحذف الصيغة ويقتصر عَلَى قوله مثلًا: الزهري عَنْ أنس (٢) .
السابع: تدليس صيغ الأداء:
وَهُوَ ما يقع من الْمُحَدِّثِيْنَ من التعبير بالتحديث أَوْ الإخبار عَنْ الإجازة موهمًا للسماع، وَلَمْ يَكُنْ تحمله لِذَلِكَ المروي عَنْ طريق السَّمَاع (٣) .
وهذه الأنواع السبعة ليست كلها مشتهرة إنما المشتهر مِنْهَا والشائع الأول والثاني وعند الإطلاق يراد الأول. وهذا القسم هُوَ الَّذِيْ لَهُ دورٌ في الاختلافات الحديثية متونًا وأسانيد، إِذْ قَدْ يكشف خلال البحث بَعْدَ التنقير والتفتيش عَنْ سقوط رجل من الإسناد وربما كَانَ هَذَا الساقط ضعيفًا أَوْ في حفظه شيءٌ، أو لَمْ يضبط حديثه هَذَا.
ومن الأمثلة عَلَى ذَلِكَ ما رَوَاهُ ابن حبان (٤) من طريق ابن جريج (٥)، عَنْ
_________________
(١) الباعث الحثيث: ٥٥-٥٦.
(٢) تعريف أهل التقديس: ١٦، وفتح المغيث ١/٢٠١-٢٠٢، وظفر الأماني ٣٧٩.
(٣) الباعث الحثيث: ٥٥-٥٦.
(٤) مُحَمَّد بن حبان بن أحمد البستي، أَبُو حاتم التميمي بن حبان، ولد سنة بضع وسبعين ومئتين وله مصنفات شهيرة مِنْهَا: " الثقات " و" الصَّحِيْح "، توفي سنة (٣٥٤ هـ) . انظر: الأنساب ١/٣٦٣، وسير أعلام النبلاء ١٦/٩٢-١٠٤، وشذرات الذهب ٣/١٦.
(٥) عَبْد الملك بن عَبْد العزيز بن جريج، أبو خالد القرشي الأموي المكي صاحب التصانيف: ثقة فقيه فاضل وَكَانَ يدلس ويرسل، توفي سنة (١٥٠ هـ) أو بعدها. انظر: تاريخ بغداد ١٠/٤٠٠، وسير أعلام النبلاء ٦/٣٢٥، والتقريب (٤١٩٣) .
[ ٤٠ ]
نافع (١)، عَنْ ابن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُوْل الله - ﷺ -: «لا تَبُلْ قائمًا» (٢) .
وهذا الإسناد رجاله ثقات إلا أنَّ ابن جريج مدلسٌ (٣) وَقَدْ عنعن هنا وَلَمْ
يصرح بسماعه من نافع، وَهُوَ قَدْ سَمِعَ من نافع أحاديث كثيرة، فهُوَ معروف
بالرواية عَنْهُ، وروايته عَنْهُ في الكتب الستة (٤) . ولكن النقاد ببصيرتهم الناقدة
ونظرهم الثاقب كشفوا أنَّ في هَذَا السند واسطة بَيْنَ ابن جريج ونافع، وأن ابن
جريج لَمْ يسمعه من نافع مباشرة، بَلْ سمعه من عَبْد الكريم بن أبي المخارق الضعيف (٥)، وَقَدْ صرّح ابن جريج في بعض طرق الْحَدِيْث بهذا الساقط، فبان تدليسه؛ فَقَدْ رَوَى
_________________
(١) هُوَ أَبُو عَبْد الله نافع المدني، مولى ابن عمر القرشي العدوي، ثقة ثبت فقيه، توفي سنة (١١٧ هـ) . انظر: تهذيب الكمال ٧/٣١٣، وسير أعلام النبلاء ٥/٩٥، والتقريب (٧٠٨٦) .
(٢) صَحِيْح ابن حبان (١٤٢٠)، وطبعة الرسالة (١٤٢٣) .
(٣) طبقات المدلسين: ٤١، ونقل فِيْهِ عَنْ الدَّارَقُطْنِيّ: «شر التدليس تدليس ابن جريج؛ فإنه قبيح التدليس، لا يدلس إلا فِيْمَا سمعه من مجروح» .
(٤) تهذيب الكمال ٤/٥٦٠.
(٥) قَالَ عَبْد الله بن أحمد بن حَنْبَل: سألت أبي عَنْ عَبْد الكريم أبي أمية، فَقَالَ: بصريٌّ نزل مكة، وَكَانَ معلمًا، وَهُوَ ابن أبي المخارق، وَكَانَ ابن عيينة يستضعفه قلت لَهُ: ضعيف؟، قَالَ: نعم، وَقَالَ عباس الدوري، عَنْ يحيى بن معين: حَدَّثَنَا هشام بن يوسف، عَنْ معمر، قَالَ: قَالَ أيوب: لا تأخذوا عَنْ عَبْد الكريم أبي أمية، فإنه ليس بثقة. انظر: تهذيب الكمال ٤/٥٤٣.
[ ٤١ ]
عَبْد الرزاق (١)، ومِنْ طريقه ابن ماجه (٢)، وأبو عوانة (٣)، وابن عدي (٤)، وتمام
الرازي (٥)، والحاكم (٦)، والبيهقي (٧)
_________________
(١) مصنفه (١٥٩٢٤) .
(٢) هُوَ مُحَمَّد بن يزيد الرَّبعي، مولاهم أبو عَبْد الله القزويني الحافظ، من مصنفاته: " السنن " و"التاريخ" و" التفسير "، ولد سنة (٢٠٩ هـ)، وتوفي سنة (٢٧٣ هـ) وَقِيْلَ سنة (٢٧٥ هـ) . تهذيب الكمال ٦/٥٦٨ (٦٣٠٢)، وسير أعلام النبلاء ١٣/٢٧٧، وشذرات الذهب ٢/١٦٤. والحديث في سننه (٣٠٨) .
(٣) في مسنده ٤/٢٥.
(٤) هُوَ عَبْد الله بن عدي بن عَبْد الله الجرجاني، أبو أحمد الحافظ، صاحب كتاب " الكامل في الضعفاء "، ولد سنة (٢٧٧ هـ)، وتوفي سنة (٣٦٥ هـ) . سير أعلام النبلاء ١٦/١٥٤، وتاريخ الإسلام: ٣٣٩-٣٤١ وفيات (٣٦٥هـ)، والرسالة المستطرفة: ١٤٥. والحديث في: الكامل ٧/٤٠.
(٥) هُوَ الإِمَام تمام بن مُحَمَّد بن عَبْد الله البجلي، أبو القاسم الرازي، صاحب كتاب " الفوائد "، ولد سنة (٣٣٠ هـ)، وتوفي سنة (٤١٤ هـ) . انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/٢٨٩-٢٩٢، وتذكرة الحفاظ ٢/١٠٥٦ و١٠٥٨، وشذرات الذهب ٣/٢٠٠. والحديث في: الروض البسام بترتيب وتخريج فوائد تمام ١/٢٠٣ (١٤٨) .
(٦) هُوَ مُحَمَّد بن عَبْد الله بن مُحَمَّد النيسابوري أبو عَبْد الله، ولد سنة (٣٢١ هـ)، وله تصانيف مِنْهَا: " المستدرك عَلَى الصحيحين " و" مَعْرِفَة علوم الْحَدِيْث "، توفي سنة (٤٠٥ هـ) . انظر: تاريخ بغداد ٥/٤٧٣، وسير أعلام النبلاء ١٧/١٦٢-١٧٧، وشذرات الذهب ٣/١٧٦. والحديث في: المستدرك ١/١٥٨.
(٧) هُوَ أحمد بن الحسين بن علي الخراساني، أَبُو بكر، ولد سنة (٣٨٤ هـ)، وله عدة تصانيف مِنْهَا: " السنن الكبرى " و" شعب الإيمان "، توفي سنة (٤٥٨ هـ) . انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/١٦٣-١٧٠، والعبر ٣/٢٤٢، وشذرات الذهب ٣/٣٠٤-٣٠٥. والحديث في السنن الكبرى ١/١٠٢.
[ ٤٢ ]
، عَنْ ابن جريج، عَنْ عَبْد الكريم بن أبي المخارق، عَنْ نافع، بِهِ.
ومن بدائه علم الْحَدِيْث أن حَدِيْث الثقة ليس كله صحيحًا (١)، كَمَا أنّ حَدِيْث الضعيف ليس كله ضعيفًا (٢)، ومعرفة كلا النوعين من أحاديث الفريقين ليس بالأمر اليسير إنما يطلع عَلَى ذَلِكَ الأئمة النقاد الغواصون في أعماق ما يكمن في الروايات من صحة أو خطأ، لذا فتّش العلماء في حَدِيْث ابن أبي المخارق هل توبع عَلَيْهِ، أم أخطأ فِيْهِ؟ وخالف الثقات الأثبات أم انفرد؟ فنجدهُمْ قَدْ صرّحوا بخطأ ابن أبي المخارق لمخالفته الثقات الأثبات في ذَلِكَ، قَالَ البوصيري (٣) في مصباح الزجاجة - بَعْدَ أن ضعّف حَدِيْث ابن أبي المخارق -: «عارضه خبر عبيد الله بن عمر العمري (٤) الثقة المأمون المجمع عَلَى ثقته، ولا يُغتر بتصحيح ابن حِبّان هَذَا الخبر من طريق هشام بن يوسف (٥)
_________________
(١) لذا نجد في حَدِيْث الثقات الشذوذ والعلة، وكثير من مباحث هَذِهِ الرسالة شاهدة عَلَى ذَلِكَ.
(٢) لذا نجد كثيرًا من الأحاديث يتابعون عَلَيْهَا من طريق الثقات.
(٣) هُوَ أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري الشَّافِعِيّ، لَهُ كتاب " زوائد ابن ماجه عَلَى الكتب الخمسة " وغيره، ولد سنة (٧٦٢ هـ)، سكن القاهرة ولازم العراقي عَلَى كبر فسمع مِنْهُ الكثير، ولازم ابن حجر فكتب عَنْهُ " لسان الميزان " وغيره، توفي سنة (٨٤٠ هـ) . طبقات الحفاظ: ٥٥١، وشذرات الذهب ٧/٢٣٣، والأعلام ١/١٠٤.
(٤) هُوَ عبيد الله بن عمر بن حفص القرشي العدوي العمري، أبو عثمان المدني ينتهي نسبه إِلَى عمر بن الخطاب، ثقة ثبت، توفي سنة بضع وأربعين ومئة. انظر: الثقات ٧/١٤٩، وتهذيب الكمال ٥/٥٤ ترجمة (٤٢٥٧)، والتقريب (٤٣٢٤) .
(٥) هُوَ هشام بن يوسف الصنعاني، أبو عَبْد الرحمان الأبناوي، قاضي صنعاء: ثقة، توفي سنة (١٩٧ هـ) . انظر: التاريخ الكبير ٨/١٩٤، وتهذيب الكمال ٧/٤١٧ ترجمة (٧١٨٧)، والتقريب (٧٣٠٩) .
[ ٤٣ ]
، عَنْ ابن جريج عَنْ نافع، عَنْ ابن عمر. فإنه قَالَ بعده: أخاف أن يَكُوْن ابن جريج لَمْ يسمعه من نافع، وَقَدْ صحّ ظنُّه، فإنّ ابن جريج إمّا سمعه من ابن أبي المخارق كَمَا ثبت في رِوَايَة ابن ماجه هَذِهِ والحاكم في المستدرك واعتذر عَنْ تخريجه أنه إنّما أخرجه في المتابعات» (١) .
وَقَالَ الترمذي: «إنما رفع هَذَا الْحَدِيْث عَبْد الكريم بن أبي المخارق، وَهُوَ ضعيف عِنْدَ أهل الْحَدِيْث، ضعّفه أيوب السختياني (٢) وتكلم فِيْهِ. وروى عبيد الله، عَنْ نافع عَنْ ابن عمر قَالَ: قَالَ عمر - ﵁ -: ما بلتُ قائِمًا منذُ أسلَمْتُ. وهذا أصح من حَدِيْث عَبْد الكريم» (٣) .
أقول: رِوَايَة عبيد الله الموقوفة أخرجها ابن أبي شيبة (٤)، والبزار (٥)
_________________
(١) مصباح الزجاجة ١/٤٥ ووقع تصحيف في هَذَا النص من المطبوع.
(٢) هُوَ الإمام أيوب السختياني، أبو بكر بن أبي تميمة كيسان العنَزي: ثقة ثبت حجة، ولد سنة (٦٨ هـ) وتوفي سنة (١٣١ هـ) . طبقات ابن سعد ٧/٢٤٦، والأنساب ٣/٢٥٥، وسير أعلام النبلاء ٦/١٥.
(٣) الجامع الكبير للترمذي ١/٦١-٦٢ عقيب (١٢) .
(٤) هُوَ عَبْد الله بن مُحَمَّد بن إبراهيم العبسي مولاهم، أبو بكر بن أبي شيبة الكوفي: ثقة حافظ صاحب التصانيف مِنْهَا: " المصنف " و" المسند "، توفي سنة (٢٣٥ هـ) . انظر: تهذيب الكمال ٤/٢٦٤-٢٦٦ (٣٥١٤)، وسير أعلام النبلاء ١١/١٢٢-١٢٧، والتقريب (٣٥٧٥) . والرواية في مصنفه (١٣٢٤) .
(٥) هُوَ الإِمَام الحَافِظ أحمد بن عمرو بن عَبْد الخالق، البصري البزار، قَالَ الدارقطني: ثقة، يخطئ ويتكل عَلَى حفظه، ولد سنة نيف عشرة ومئتين، لَهُ مصنفات منها: "المسند"، توفي سنة (٢٩٢ هـ) . تاريخ بغداد ٤/٣٣٤-٣٣٥، سير أعلام النبلاء ١٣/٥٥٤-٥٥٧، وشذرات الذهب ٢/٢٠٩.
[ ٤٤ ]
في مسنده (١) من طريق عبيد الله بن عمر، عَنْ نافع، عَنْ ابن عمر، عَنْ عمر موقوفًا، وَهُوَ الصواب.
ومما يدل عَلَى عدم صحة حَدِيْث ابن أبي المخارق أن الحافظ ابن حجر قَالَ:
«وَلَمْ يثبت عَنْ النَّبِيّ - ﷺ - في النهي عَنْه شيء» (٢) .
بَعْدَ هَذَا العرض السريع بان لنا واتضح أن التدليس سبب من أسباب الاختلاف لدى الْمُحَدِّثِيْنَ؛ إِذْ إنه قَدْ يسفر عَنْ سقوط رجلٍ من الإسناد فيخالف الرَّاوِي غيره من الرُّوَاة.
ثامنًا. الانشغال عَنْ الْحَدِيْث:
الْحَدِيْث النبوي الشريف أحد المراجع الرئيسة للفقه الإسلامي، لذا كَانَ علم الْحَدِيْث رِوَايَة ودراية من أشرف العلوم وأجلها، بَلْ هُوَ أجلها عَلَى الإطلاق بَعْدَ العلم
_________________
(١) وَهُوَ المسمى بـ: البحر الزخار (١٤٩)، والحديث أيضًا في كشف الأستار (٢٤٤) .
(٢) فتح الباري ١/٣٣٠.
[ ٤٥ ]
بالقرآن الكريم الَّذِيْ هُوَ أصل الدين ومنبع الطريق المستقيم، فالحديث هُوَ المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، بعضه يستقل بالتشريع، وكثيرٌ مِنْهُ شارح لكتاب الله تَعَالَى مبينٌ لما جاء فِيْهِ. قَالَ تعالى ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (١) من هَذَا أدرك المسلمون أهمية الْحَدِيْث النبوي الشريف فعانوا ما عانوا من أجل حفظ الْحَدِيْث النبوي الشريف، فتخلوا عَنْ كُلّ شيء أمام هَذَا الهدف العزيز الغالي، وَهُوَ حَدِيْث النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ تَعَالَى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (٢) . وللحرص الشديد عَلَى حفظ السنة، اهتمَّ المسلمون بمذاكرة الْحَدِيْث ومدارسته من أجل حفظه وضبطه وإتقانه، فكان الْمُحَدِّثُوْنَ يكتبون بالنهار ويعارضون (٣) بالليل ويحفظون بالنهار ويتذاكرون بالليل. وهكذا شأن الْمُحَدِّثِيْنَ، ومن لَمْ يَكُنْ كذلك فلا يسمى من أهل الْحَدِيْث، وأسند الإمام مُسْلِم في مقدمة صحيحه (٤) عَنْ أبي الزناد (٥)
_________________
(١) النحل: ٤٤.
(٢) الأحزاب: ٦.
(٣) المعارضة: هِيَ مقابلة الطالب كتابه بكتاب شيخه الَّذِيْ يروي عَنْهُ، سماعًا أَوْ إجازةً، أو بأصل شيخه المقابل بِهِ أصل شيخه. وَقَدْ سأل عروة ابنه هشامًا فَقَالَ: عرضت كتابك؟ قَالَ: لا. قَالَ: لَمْ تكتب. انظر: الكفاية (٣٥٠ ت، ٢٣٧ هـ)، وجامع بَيَان العِلْم ١/٧٧، والإلماع: ١٦٠،ومعرفة أنواع علم الْحَدِيْث ١٢٢ طبعة نور الدين و٢٥٤ طبعتنا، وشرح التبصرة ٢/١٣٣ طبعة دار الكتب العلمية، وطبعتنا ١/٤٧٨، وفتح المغيث ٢/١٦٤.
(٤) الصَّحِيْح ١/١١ طبعة إستانبول، و١/١٥ طبعة مُحَمَّد فؤاد.
(٥) هُوَ عَبْد الله بن ذكوان القرشي، أبو عَبْد الرحمان المدني، المعروف بأبي الزناد: ثقة فقيه، توفي سنة (١٣٠ هـ) وَقِيْلَ: (١٣١ هـ) . انظر: الثقات ٧/٦، وتهذيب الكمال ٤/١٢٥ (٣٢٤١)، والتقريب (٣٣٠٢) .
[ ٤٦ ]
قَالَ: «أدركت بالمدينة مئة، كلهم مأمونون ما يؤخذ عَنْهُمْ الْحَدِيْث يقال: ليس من أهله» (١) .
وَقَالَ مالك بن أنس (٢): «أدركت مشايخ بالمدينة أبناء سبعين وثمانين لا يؤخذ عَنْهُمْ، ويقدم ابن شهاب وَهُوَ دونهم في السن فتزدحم الناس عَلَيْهِ» (٣) .
وهناك أمور جعلت عددًا من جهابذة الْمُحَدِّثِيْنَ لا يأخذون عَنْ عدد كبير من الرُّوَاة هي أن هؤلاء الرُّوَاة كانوا يتشاغلون عَنْ الْحَدِيْث. والتشاغل عَنْ الْحَدِيْث مدعاة لعدم ضبط الْحَدِيْث وعدم إتقانه وربما كَانَ مآل ذَلِكَ إلى دخول بعض الوهم والعلل والاختلافات؛ لأن المذاكرة والمراجعة يعينان عَلَى ضبط الْحَدِيْث وإتقانه. والانشغال في بعض الأمور ربما يحول دون المذاكرة والمراجعة مِمَّا يؤدي إلى عدم ضبط الروايات. ومن تِلْكَ الأمور:
أولاية القضاء:
إنّ ولاية القضاء من الأمور الدينية المهمة، والمجتمع الإسلامي بحاجة لازمة إلى هَذَا المنصب قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ (٤) . ولمكانة هَذِهِ الوظيفة في الإسلام وأهميتها البالغة فالأمر يستدعي من القاضي توفيرًا واسعًا لمزيدٍ من الوقت، وتهيئة جوٍّ ملائم للقضاء؛ لأن القضاء مسؤولية دينية ودنيوية، وَقَدْ قَالَ - ﷺ -:
_________________
(١) وكذلك أسنده الرامهرمزي في المحدّث الفاصل: ٤٠٧ (٤٢٥)، والخطيب في الكفاية (١٥٩ هـ، ٢٤٧ ت) جميعهم من طريق الأصمعي، عَنْ ابن أبي الزناد، عَنْ أبيه، بِهِ.
(٢) هُوَ مالك بن أنس بن مالك الأصبحي، أبو عَبْد الله المدني، نجم السنن وإمام دار الهجرة صاحب الموطأ والمذهب المعروف، توفي سنة (١٧٩ هـ) . انظر: حلية الأولياء ٦/٣١٦، وتهذيب الكمال ٧/٦ (٦٣٢٠)، والتقريب (٦٤٢٥) .
(٣) الكفاية (١٥٩ هـ، ٢٤٨ ت) .
(٤) البقرة: ١٧٩.
[ ٤٧ ]
«مَنْ وُلِّيَ القَضَاءَ، أو جُعِلَ قاضِيًا بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيرِ سِكِّين» (١) . إذن فهذه المسؤولية تستدعي تفرغًا وتفكُّرًا ومراجعة، والحديث النبوي يحتاج كَذَلِكَ إِلَى تفرُّغٍ نِسبِيٍّ للمراجعة والمذاكرة من أجل الحِفَاظ عَلَى الضبط. وَقَدْ وجدنا حِيْنَ استقرأنا حال كَثِيْر من الرُّوَاة الَّذِيْنَ ولوا القضاء أنهم قَدْ خفّ ضبطهم لانشغالهم بهذا المنصب الوظيفي، ومن أولئك: شريك بن عَبْد الله النخعي الْقَاضِي، حدّد ابن حِبّان تَخليطه بَعْدَ عام خمسين ومئة حِيْنَ تولى قضاء الكُوفَةِ (٢) . وكذلك مُحَمَّد بن عَبْد الرحمان بن أبي ليلى (٣) قَالَ أبو حاتم الرازي: «شغل بالقضاء فساء حفظه» (٤) .
بالاشتغال بالفقه:
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٢٩٧٧)، وأحمد ٢/٢٣٠ و٣٦٥، وأبو داود (٣٥٧١)، وابن ماجه
(٢) ، والترمذي (١٣٢٥)، والنسائي في الكبرى (٥٩٢٥)، والطبراني في الأوسط (٢٦٩٩) و(٣٦٦٩)، وفي الصغير (٤٩١)، وابن عدي في الكامل ١/٣٦١، والدارقطني ٤/٢٠٤، والحاكم ٤/٩١، والبيهقي ١٠/٩٦ من حَدِيْث أبي هُرَيْرَة. قَالَ الترمذي: «حسن غريب» .
(٣) ثقات ابن حبان ٦/٤٤٤، وانظر التعليق عَلَى الكاشف ١/٤٨٥.
(٤) هُوَ أبو عَبْد الرحمان مُحَمَّد بن عَبْد الرَّحْمَان بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي الْقَاضِي، ولد سُنَّة نيف وسبعين، وتوفي سنة (١٤٨ هـ): صدوق سيء الحفظ جدًا. وفيات الأعيان ٤/١٧٩-١٨١، وسير أعلام النبلاء ٦/٣١٠ و٣١٥، والتقريب (٦٠٨١) .
(٥) الجرح والتعديل ٧/٣٢٣ الترجمة (١٧٣٩) .
[ ٤٨ ]
الفقه الإسلامي يمثل الشريعة الإسلامية الغراء وذلك لما احتواه من الأصول العظيمة الَّتِيْ تصلح لكل زمان ومكان، والفقه الإسلامي واسع في أصوله وفروعه. ومن يشتغل بهذا العلم العظيم يحتاج إلى خلفيات بعدة علوم. وهذا يستدعي وقتًا واسعًا وتفرغًا كبيرًا، ومن كَانَ الفقه أكبر همه ربما قصَّر في ضبط بعض أحاديثه؛ لأن ذَلِكَ ربما شغله عَنْ مراجعة حديثه. وكثير من الَّذِيْنَ يشتغلون بعلم من العلوم ويستفرغون العمر في تخصصهم يَكُوْن ذَلِكَ مدعاة للتقصير بالعلوم الأخرى.
وَقَدْ وجدنا بعض جهابذة الْحَدِيْث تَكَلَّمَ في بعض الرُّوَاة لِقَصْرِ تهممهم (١) عَلَى الفقه، ومن أولئك حماد بن أبي سليمان (٢) من كبار الفقهاء وشيخ أبي حَنِيْفَة النعمان (٣) قَالَ عَنْهُ أبو إسحاق الشيباني (٤)
_________________
(١) التهمم: الطلب، يقال: ذهبت اتهممه، أي: أطلبه، وتهمّم الشيء: طلبه، أَوْ الاهتمام والعناية، يقال: اهتم الرجل بالأمر: عني بالقيام بِهِ. انظر: لسان العرب ١٢/٦٢٢، والمعجم الوسيط: ٩٩٥، وحاشية محاسن الاصطلاح: ٥٧٨.
(٢) هُوَ الإمام حماد بن أبي سليمان، فقيه العراق، أبو إسماعيل بن مُسْلِم الكوفي مولى الأشعريين: صدوق لَهُ أوهام، توفي سنة (١٢٠ هـ) . انظر: طبقات ابن سعد ٦/٣٣٢، والتاريخ الكبير ٣/١٨، وسير أعلام النبلاء ٥/٢٣١.
(٣) هُوَ الإمام فقيه الملة، عالم العراق، النعمان بن ثابت التيمي الكوفي مولى بني تيم الله بن ثعلبة، قَالَ يحيى ابن معين: كَانَ أبو حَنِيْفَة ثقة في الْحَدِيْث، ولد سنة (٨٠ هـ)، وتوفي سنة (١٥٠ هـ) . تاريخ بغداد ١٣/٣٢٣، وتهذيب الكمال ٧/٣٣٩ (٧٠٣٤)، وسير أعلام النبلاء ٦/٣٩٠.
(٤) هُوَ سليمان بن أبي سليمان، فيروز، ويقال خاقان، أبو إسحاق، مولى بني شيبان، قَالَ أبو حاتم: هُوَ شيخ ضعيف، واختلف في سنة وفاته فقيل: (١٢٩ هـ) وَقِيْلَ: (١٣٨ هـ) وَقِيْلَ: (١٣٩ هـ) . الجرح والتعديل ٤/١٢٢، وتذكرة الحفاظ ١/١٥٣، وشذرات الذهب ١/٢٠٧.
[ ٤٩ ]
: «ما رأيت أحدًا أفقه من حماد» (١) . ومع هَذَا فَقَدْ نقل عَبْد الرحمان بن أبي حاتم (٢) عَنْ أمير المؤمنين في الْحَدِيْث شعبة بن الحجاج قوله: «كَانَ حماد - يعني: ابن أبي سليمان - لا يحفظ» . ثُمَّ عقّب ابن أَبِي حاتم عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ:
«يعني: إن الغالب عَلَيْهِ الفقه وإنه لَمْ يرزق حفظ الآثار» (٣) . وَقَالَ أبو حاتم: «هُوَ صدوق ولا يحتج بحديثه، هُوَ مستقيم في الفقه، وإذا جاء الآثار شوّش» (٤) .
ومن هنا وضع علماء الجرح والتعديل قواعد في أنّ الفقهاء غَيْر الْمُحَدِّثِيْنَ يغلب عليهم الفقه دون حفظ المتون، قَالَ ابن رجب الحنبلي: «الفقهاء المعتنون بالرأي حَتَّى يغلب عليهم الاشتغال بِهِ، لا يكادون يحفظون الْحَدِيْث كَمَا ينبغي، ولا يقيمون أسانيده ولا متونه، ويخطئون في حفظ الأسانيد كثيرًا، ويروون المتون بالمعنى، ويخالفون الحفاظ في ألفاظه» (٥) . وابن رجب مسبوق بهذا التنظير فَقَدْ قَالَ ابن حِبّان: «الفقهاء الغالب عليهم حفظ المتون وأحكامها وأداؤها بالمعنى دون حفظ الأسانيد وأسماء الْمُحَدِّثِيْنَ، فإذا رفع محدث خبرًا، وَكَانَ الغالب عَلَيْهِ الفقه، لَمْ أقبل رفعه إلا من كتابه؛ لأنه لا يعلم المسند من المرسل، ولا الموقوف من المنقطع، وإنما همته إحكام الْمَتْن فَقَطْ» (٦) .
ج. الاشتغال بالعبادة:
_________________
(١) الجرح والتعديل ٣/١٤٩ الترجمة (٦٤٢) .
(٢) هُوَ العلامة الحافظ عَبْد الرحمان بن أبي حاتم، أبو مُحَمَّد، لَهُ مصنفات مِنْهَا: " المسند " و" العلل "، ولد سنة (٢٤٠ هـ)، وتوفي سنة (٣٢٧ هـ) . تذكرة الحفاظ ٣/٨٢٩، وميزان الاعتدال ٢/٥٨٧، وسير أعلام النبلاء ١٣/٢٦٣،وشذرات الذهب ٢/٣٠٨.
(٣) الجرح والتعديل ٣/١٤٧.
(٤) الجرح والتعديل ٣/١٤٧-١٤٨.
(٥) شرح علل الترمذي ٢/٨٣٣-٨٣٤.
(٦) الإحسان ١/٦٤.
[ ٥٠ ]
سبق لنا أن ذكرنا مرارًا أن الْحَدِيْث النبوي يحتاج إلى متابعة ومذاكرةٍ وتكرارٍ من أجل حفظ الروايات وصونها من الخطأ والزيادة والنقص، وأن ترك ذَلِكَ يؤول في نهاية المطاف إلى عدم ضبط الأحاديث ودخول الوهم والاختلاف فِيْهَا فِيْمَا بعد. ومن الأمور الَّتِيْ حَدَتْ ببعض الْمُحَدِّثِيْنَ للتقصير في ضبط مروياتهم انشغال بعضهم بالعبادة وصرف غالب أوقاتهم بِذَلِكَ دون متابعة ضبط رواياتهم. وَقَدْ أصل ابن رجب في ذَلِكَ قاعدة فَقَالَ: «الصالحون غَيْر العلماء يغلب عَلَى حديثهم الوهم والغلط» (١) .
والحافظ ابن رجب إنما أخذ ذَلِكَ من أقوال أئمة هَذَا الشأن العارفين بعلله الغواصين في معانيه وأسراره قَالَ نجم العلماء (٢) مالك بن أنس: «أدركت بهذا البلد
- يعني الْمَدِيْنَة - مشيخة لَهُمْ فضلٌ وصلاحٌ وعبادة يحدِّثون، ما سَمِعْتُ من واحد مِنْهُمْ حديثًا قطُّ، فقيل لَهُ: وَلِمَ يا أبا عَبْد الله؟ قَالَ: لَمْ يكونوا يعرفون ما يحدِّثون» (٣) . وَقَالَ أَيْضًا: «لا يؤخذ العلم من أربعة، ويؤخذ ممن سوى ذَلِكَ، لا يؤخذ من سفيه مُعلن بالسَفه وإن كَانَ أروى الناس، ولا يؤخذ من كذاب يكذب في أحاديث الناس، إذا جرب ذَلِكَ عَلَيْهِ، وإن كَانَ لا يُتَّهَمُ أن يكذب عَلَى رَسُوْل الله - ﷺ -، ولا من صاحب هوىً يدعو الناس إلى هواه، ولا من شيخٍ لَهُ فضلٌ وعبادة إذا كَانَ لا يعرف ما يحدّث بِهِ» (٤) .
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/٨٣٣.
(٢) أطلق عَلَيْهِ ذَلِكَ الإمام الشَّافِعِيّ قَالَ المزي في تهذيب الكمال ٧/١٣: «وَقَالَ يونس بن عَبْد الأعلى: سَمِعْتُ الشَّافِعِيّ يقول: إذا جاء الأثر فمالك النجم» .
(٣) العلل للإمام أحمد رِوَايَة المروذي: ١٨٦ (٣٢٨) .
(٤) المحدث الفاصل: ٤٠٣ (٤١٨) .
[ ٥١ ]
وَقَالَ ابن منده (١): «إذا رأيت في حَدِيْث (فُلاَن الزاهد) فاغسل يدك مِنْهُ» (٢) .
وممن كانت حاله عَلَى ما قدمنا: أبان بن أبي عياش: فيروز البصري، أبو إسماعيل العبدي، قَالَ فِيْهِ الإمام المبجل أحمد بن حَنْبَل: «متروك» (٣) .
قَالَ ابن رجب الحنبلي: «ذكر الترمذي من أهل العبادة المتروكين رجلين: أحدهما أبان بن أبي عياش» (٤) .
وقَالَ الإمام الترمذي: «رَوَى عَنْ أبان بن أبي عياش غَيْر واحد من الأئمة (٥)، وإن كَانَ فِيْهِ من الضعف والغفلة ما وصفه أبو عوانة (٦)
_________________
(١) هُوَ الحافظ الجوال أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن إسحاق بن مُحَمَّد بن يحيى بن منده، واسم منده: إبراهيم بن الوليد، قَالَ الباطرقاني: حَدَّثَنَا ابن منده إمام الأئمة في الْحَدِيْث، ولد سنة (٣١١ هـ)، وَقِيْلَ سنة:
(٢) ، وتوفي سنة (٣٩٥ هـ) . سير أعلام النبلاء ١٧/٢٨، وميزان الاعتدال ٣/٤٧٩، وتذكرة الحفاظ ٣/١٠٣١.
(٣) شرح علل الترمذي ٢/٨٣٣.
(٤) الكاشف ١/٢٠٧ (١١٠)، وانظر: التقريب (١٤٢) .
(٥) شرح علل الترمذي ١/٣٩٠.
(٦) ساق المزي في تهذيب الكمال ١/٩٥ من رَوَى عَنْهُ فبلغ بِهِمْ ثلاثة وثلاثين راويًا.
(٧) هُوَ الوضاح بن عَبْد الله اليشكري، أبو عوانة، الواسطي البزار مولى يزيد بن عطاء محدّث البصرة: ثقة ثبت، صاحب " المسند "، توفي سنة (١٧٦ هـ) . التاريخ الكبير ٨/١٨١، وسير أعلام النبلاء ٨/٢١٧ و٢٢١، والتقريب (٧٤٠٧) . وحكايته نقلها المزي في تهذيب الكمال ١/٩٦ ونصها: «لما مات الحسن، اشتهيت كلامه فجمعته من أصحاب الحسن، فأتيت أبان بن أبي عياش، فقرأه عليّ عَنْ الحسن، فما أستحِلُّ أن أرويَ عَنْهُ شَيْئًا» .
[ ٥٢ ]
وغيره (١) فلا يغتر برواية الثقات عَنْ الناس؛ لأنه يروي عَنْ ابن سيرين أنه قَالَ: إن الرجل ليحدِّثني، فما أتهمه، ولكن أتهم من فوقه.
وَقَدْ رَوَى غَيْر واحد (٢) عَنْ إبراهيم النخعي عَنْ علقمة عَنْ عَبْد الله بن مسعود: أن النَّبِيّ - ﷺ - كَانَ يقنتُ في وتره قَبْلَ الركوع. وروى أبان بن أبي عياش، إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عَبْد الله بن مسعود: «إن النَّبِيّ - ﷺ - كَانَ يقنت في وتره قَبْلَ الركوع» . هكذا رَوَى سفيان الثوري عَنْ أبان بن أبي عياش (٣)، وروى بعضهم (٤) عَنْ أبان بن أبي عياش بهذا الإسناد نحو هَذَا، وزاد فِيْهِ: قَالَ عَبْد الله بن مسعود:
«أخبرتني أمي أنها باتت عِنْدَ النَّبِيّ - ﷺ - فرأت النَّبِيّ - ﷺ - قنت في وتره قَبْلَ الركوع» .
وأبان بن أبي عياش وإن كَانَ قَدْ وصف بالعبادة والاجتهاد، فهذا حاله في الْحَدِيْث والقوم كانوا أصحاب حفظ، فرب رجل وإن كَانَ صالحًا لا يقيم الشهادة ولا يحفظها » (٥) .
الدكتور ماهر ياسين الفحل
_________________
(١) انظر: تهذيب الكمال ١/٩٥-٩٦.
(٢) مِنْهُمْ: حماد بن زيد عِنْدَ ابن أبي شيبة (٦٩١١) .
(٣) عِنْدَ ابن أبي شيبة في المصنف (٦٩١٣)، والدارقطني ٢/٣٢.
(٤) مِنْهُمْ: يزيد بن هارون عِنْدَ ابن أبي شيبة (٦٩١٢)، والدارقطني ٢/٣٢.
(٥) العلل آخر الجامع ٦/٢٣٥.
[ ٥٣ ]
الكشف عن الاختلاف
الكشف عن الاختلافات الحديثية الواقعة في الأسانيد والمتون ليس بالأمر الهيّن اليسير، بَلْ هُوَ أمر شاق للغاية، ولا يتمكن لَهُ إلا من رزقه الله فهمًا واسعًا واطلاعًا كبيرًا. ومعرفة الاختلافات الواقعة في المتون والأسانيد لا يمكن الوصول إليها إلا بجمع الطرق والنظر فِيْهَا مع الْمَعْرِفَة التامة بالرواة والشيوخ والتلاميذ، وكيفية تلقي التلاميذ من الشيوخ والأحوال والوقائع وطرق التحمل وكيفية الأداء من أجل مَعْرِفَة الخطأ من الصواب وكيفية وقوع الخلل والخطأ في الرِّوَايَة. وهذا يستدعي جهدًا جهيدًا، قَالَ الحافظ ابن حجر: «هَذَا الفن أغمض أنواع الْحَدِيْث وأدقها مسلكًا، ولا يقوم بِهِ
إلا مَنْ منحه الله تَعَالَى فهمًا غائصًا، واطلاعًا حاويًا وإدراكًا لمراتب الرواة ومعرفة
ثاقبة» (١) .
وَقَالَ ابن رجب الحنبلي: «حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث، ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كُلّ واحد مِنْهُمْ، لَهُمْ فهم خاص يفهمون بِهِ أن هَذَا الْحَدِيْث يشبه حَدِيْث فُلاَن، ولا يشبه حَدِيْث فُلاَن فيعللون الأحاديث بِذَلِكَ» (٢) .
ويشترط فيمن يتكلم في العلل ويكشف عن اختلافات المتون والأسانيد أن يَكُوْن ملمًا بالروايات مطالعًا للكتب واسع البحث كثير التفتيش، لذا قَالَ ابن رجب الحنبلي: «ولابدَّ في هَذَا العلم من طول الممارسة، وكثرة المذاكرة، فإذا عدم المذاكرة بِهِ فليكثر طالبه المطالعة في كلام الأئمة العارفين كيحيى القطان، ومن تلقى عَنْهُ كأحمد وابن المديني (٣)
_________________
(١) النكت عَلَى كتاب ابن الصَّلاَحِ ٢/٧١١.
(٢) شرح علل الترمذي ٢/٨٦١.
(٣) هُوَ علي بن عَبْد الله بن جعفر السعدي، أبو الحسن البصري، إمام العلل الناقد الهمام، قَالَ البخاري: «ما استصغرت نفسي عِنْدَ أحد إلا عِنْدَ علي بن المديني»، له: " العلل "، توفي سنة (٢٣٤ هـ) . الجرح والتعديل ٦/١٩٣، وتهذيب الكمال ٥/٢٦٩ (٤٦٨٥)، وتاريخ الإِسْلاَم وفيات سنة (٢٣٤ هـ): ٢٧٦ فما بعدها
[ ٥٤ ]
وغيرهما، فمن رزق مطالعة ذَلِكَ، وفهمه وفقهت نفسه فِيْهِ وصارت لَهُ فِيْهِ قوة نفس وملكة، صلح لَهُ أن يتكلم فِيْهِ» (١) . ويشترط فيمن يريد الكشف عن الاختلافات الحديثية أن يعرف الأسانيد الصحيحة والواهية. والثقات الذِيْن ضعفوا في بعض شيوخهم، والثقات الَّذِيْنَ تقوّى أحاديثهم بروايتهم عن بعض الشيوخ؛ لأنه مدار الترجيح وبه يعرف تعيين الخطأ من الصَّحِيْح.
وبالإمكان تنظير نقاط ندرك من خلالها الاختلافات سواء أكانت في المتون أم في الأسانيد، يستطاع من خلالها كشف الوهم والاختلافات، وكيفية التعامل مع ذَلِكَ تصحيحًا أَوْ تضعيفًا وكما يأتي:
أولًا. مَعْرِفَة من يدور عَلَيْهِ الإسناد من الرُّوَاة (٢):
إنّ مَعْرِفَة من يدور عليهم الإسناد من الرُّوَاة المكثرين الَّذِيْنَ يكثر تلامذتهم وتتعدد مدارسهم الحديثية، فِيْهِ فائدة عظيمة لناقد الْحَدِيْث الَّذِيْ من همه مَعْرِفَة الاختلافات وكيفية التوفيق بينها؛ لأن هَذَا يعطي صورة واضحة للأسانيد الشاذة أَوْ المنكرة، واختلاف الناقلين عن ذَلِكَ المصدر.
وإنا نجد علماء الْحَدِيْث الأجلاء يهتمون بهذا أيما اهتمام، فَقَدْ سأل عَبْد الله بن الإمام أحمد (٣)
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/٦٦٤.
(٢) الْحَدِيْث المعلل: ٥٠.
(٣) هُوَ عَبْد الله بن أحمد بن حَنْبَل الشيباني، أبو عَبْد الرحمان البغدادي، مولده سنة (٢١٣ هـ)، قَالَ الْخَطِيْب: كَانَ ثقة ثبتًا فهمًا، وَهُوَ راوي المسند والمسائل عن أبيه، توفي سنة (٢٩٠ هـ) . تاريخ بغداد ٩/٣٧٥، والمنتظم ٦/٣٩، وتهذيب الكمال ٤/٨٤ (٣١٤٥) .
[ ٥٥ ]
أباه: «أيما أثبت أصحاب الأعمش؟ فَقَالَ: سُفْيَان الثوري أحبهم إليَّ، قلت لَهُ: ثُمَّ من؟ فَقَالَ: أبو معاوية (١) في الكثرة والعلم - يعني: عالمًا بالأعمش - قلت لَهُ: أيما أثبت أصحاب الزهري؟ فَقَالَ: لكل واحد مِنْهُمْ علة إلا أن يونس (٢) وعقيلًا (٣) يؤديان الألفاظ وشعيب بن أبي حمزة (٤)، وليس هم مثل معمر، معمر يقاربهم في الإسناد. قلت: فمالك؟ قَالَ: مَالِك أثبت فِي كُلّ شيء » (٥) .
وَقَدْ اهتم الإمام عَلِيّ بن المديني بهذا الباب، فذكر فِي علله من يدور عَلَيْهِمْ
_________________
(١) هُوَ مُحَمَّد بن خازم أبو معاوية الكوفي الضرير، عمي وَهُوَ صغير: ثقة من أحفظ الناس لحديث الأعمش، وإذا حدّث عن غيره وهم، توفي سنة (١٩٥ هـ) . التاريخ الكبير ١/٧٤ (١٩١)، ونكت الهميان: ٢٤٧، والتقريب (٥٨٤١) .
(٢) هُوَ يونس بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي أبو يزيد مولى آل أبي سفيان، أحد الأثبات عن الزهري وغيره، مات في سنة (١٥٩ هـ) . الجرح والتعديل ٩/٢٤٧، والكاشف ٢/٤٠٤ (٦٤٨٠)، وتهذيب التهذيب ١١/٤٥٠.وقارن بتقريب التهذيب (٧٩١٩) .
(٣) هُوَ عقيل بن خالد بن عقيل الأيلي، أبو خالد الأموي مولاهم، روى عن الزهري فأجاد، قَالَ يونس بن يزيد: ما أحد أعلم بحديث الزهري من عقيل، توفي سنة (١٤٢ هـ) . الكامل في التاريخ ٥/٥٢٨، وسير أعلام النبلاء ٢/٣٠١، وتهذيب التهذيب ٧/٢٥٥.
(٤) هُوَ شعيب بن أَبِي حمزة - واسم أبيه دينار - الأموي مولاهم أبو بشر الحمصي: ثقة عابد، قَالَ ابن معين: هُوَ مثل عقيل ويونس في الزهري، مات سنة (١٦٢هـ) عَلَى الأصح. الجرح والتعديل ٤/٣٤٤، ومشاهير علماء الأمصار: ١٨٢، وتهذيب الكمال ٣/٣٩٦ (٢٧٣٣) .
(٥) العلل للإمام أحمد برواية عَبْد الله ١/٣٨٢-٣٨٣ (٢٤٥١) .
[ ٥٦ ]
الإسناد (١)، وبهذا الاهتمام البالغ استطاع الْعُلَمَاء مَعْرِفَة من يدور عَلَيْهِمْ الإسناد، ومَنْ أَكْثَر الناسُ عَنْهُمْ جمعًا ورواية، وَقَدْ طبقوا هَذَا المنهج عَلَى الرُّوَاة كافة حَتَّى تعرَّفوا عَلَى أوثق النَّاس فِيْهِ وأدناهم، كَمَا ثبَّتوا حماد بن سَلَمَة (٢) فِي ثابت
البناني (٣)، وهشام بن حسان (٤) في ابن سيرين (٥) . وهذه الأمور تعين الناقد عَلَى مَعْرِفَة الاختلافات، ثُمَّ كيفية الترجيح والتوفيق بَيْنَ الروايات.
ثانيًا. مَعْرِفَة الرُّوَاة (٦):
_________________
(١) انظر: العلل، لابن المديني: ٣٦-٣٩.
(٢) هُوَ حماد بن سلمة بن دينار البصري أبو سلمة البزاز. وَهُوَ ابن أخت حميد الطويل، قَالَ ابن معين: أثبت الناس في ثابت البناني حماد بن سلمة، توفي سنة (١٦٧ هـ) . الطبقات الكبرى ٧/٢٨٢، وتاريخ الإسلام وفيات سنة (١٦٧ هـ):١٤٤، وبغية الوعاة ١/٥٤٨.
(٣) هُوَ ثابت بن أسلم البناني - وبنانة بطن من العرب - أبو مُحَمَّد البصري: ثقة كَانَ من أعبد أهل البصرة، أدرك عددًا من الصَّحَابَة ولازم أنس بن مالك وأكثر عنه، توفي سنة (١٢٧ هـ)، وَقِيْلَ: (١٢٦ هـ) . الأنساب ١/٤١٨، وتهذيب الكمال ١/٤٠٢ (٧٩٧)، وتقريب التهذيب (٨١٠) .
(٤) هُوَ هشام بن حسان الأزدي أبو عَبْد الله البصري، الإمام محدث البصرة، قَالَ ابن المديني: هشام أثبت من خالد الحذّاء في ابن سيرين، توفي سنة (١٤٦ هـ) وَقِيْلَ: (١٤٧ هـ) . تاريخ خليفة: ٤٢٤، وتهذيب الكمال ٧/٣٩٧ (٧١٦٧)، وسير أعلام النبلاء ٦/٣٥٥.
(٥) هُوَ مُحَمَّد بن سيرين بن أبي عمرة الأنصاري أبو بكر البصري: ثقة ثبت عابد فقيه، كَانَ مولى لأنس بن مالك، ولد في خلافة عثمان أدرك عدة من الصَّحَابَة، مات سنة (١١٠ هـ) . الْمَعْرِفَة والتاريخ ٢/٥٤، وتذكرة الحفاظ ١/٧٣، والنجوم الزاهرة ١/٢٦٨.
(٦) الْحَدِيْث المعلل: ٥٠.
[ ٥٧ ]
وهذه النقطة تتفرع إلى صور:
أ. مَعْرِفَة وفيات الرُّوَاة ومواليدهم: وهذه الصورة لها خصيصة كبيرة؛ إِذْ بمعرفة الولادة والوفاة تتضح صورة اتصال التلميذ بالشيخ، وإمكانية المعاصرة من عدمها.
ب. مَعْرِفَة أوطان الرُّوَاة: وهذه الصورة لها أَيْضًا خصيصة عالية إذ إن بعض الرُّوَاة ضُعِّفُوا في روايتهم عن بعض أصحاب المدن خاصة كَمَا في إسماعيل بن عياش فهو
غاية في الشاميين (١)، مخلط عن المدنيين (٢)، وَقَالَ الْحَاكِم في " مَعْرِفَة علوم
الْحَدِيْث " (٣): «الكوفيون إذا رووا عن المدنيين زلقوا» .
ج. مَعْرِفَة شيوخ الرُّوَاة وتلاميذهم (٤): وهذه الصورة لها أهمية بالغة؛ إذ بِهَا يعرف السند المتصل من المنقطع من المدلس. ويستطاع من خلال ذَلِكَ التمييز بَيْنَ المجملين (٥) في السند.
_________________
(١) قَالَ إمام الصنعة مُحَمَّد بن إسماعيل البُخَارِيّ: «إنما حَدِيْث إسماعيل بن عياش عن أهل الشام» . الجامع الكبير للترمذي ١/١٧٥ عقيب (١٣١) .
(٢) انظر: الكاشف ١/٢٤٩ (٤٠٠) . وتقدم الْحَدِيْث عَنْهُ.
(٣) الصفحة: ١١٥.
(٤) الْحَدِيْث المعلل: ٥١.
(٥) المجمل: هُوَ أن يَكُوْن في السند راوٍ يروي عن شيخ ولا يصرح باسم أبيه أَوْ بلقبه أو ما يميزه من غيره من الرُّوَاة الَّذِين رووا عن هَذَا الشيخ، وَقَدْ عقد الذهبي فصلًا بديعًا في التمييز بَيْنَ السفيانيين والحمادين= =وغيرهما في كتابه " السير " ٧/٤٦٣-٤٦٧، وهذا ما رأيناه في تعريفنا للمجمل وقارن في ذَلِكَ الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم ١/٤٢، والتعريفات، للجرجاني: ١١٤.
[ ٥٨ ]
د. مَعْرِفَة السابق واللاحق من الرُّوَاة (١): وحقيقته مَعْرِفَة من اشترك في الرِّوَايَة عَنْهُ راويان متقدم ومتأخر تباين وقت وفاتيهما تباينًا شديدًا فحصل بينهما أمد بعيدٌ، وإن كَانَ المتأخر منهما غَيْر معدود من معاصري الأول وذوي طبقته (٢) . ومعرفة هَذَا النوع من علوم الْحَدِيْث لَهُ أهمية كبيرة حَتَّى لا يظن انقطاع ما ليس بمنقطع ولا يجعل الصواب خطأً.
هـ. مَعْرِفَة الثقات ودرجاتهم ومراتبهم وضبطهم وأيهم الَّذِيْ يقدم عِنْدَ الاختلاف (٣): وهذا الأمر مهم للغاية ومن خلاله يتم الترجيح بَيْنَ الرُّوَاة.
و. مَعْرِفَة المتشابه من الأسماء وكذا الكنى: وهذا الأمر لَهُ أهمية بالغة في مَعْرِفَة الاختلافات. ومن خلال مَعْرِفَة المتشابه يتنبه الناقد إلى عدم الخلط بَيْنَ الرُّوَاة إِذْ قَدْ تتفق الأسماء ويختلف الشخص وعدم الْمَعْرِفَة والتمييز يؤدي إلى الخلط.
ز. لابد من مَعْرِفَة من اشتهر بالتدليس من الرُّوَاة: وكذلك من يرسل، وكذا من ضعِّف حديثه لآفة صحية أَوْ تَغَيَّرَ اوِ اختلط (٤) .
ثالثا. جمع الأبواب (٥):
_________________
(١) الْحَدِيْث المعلل: ٥٢.
(٢) انظر: مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث: ٢٨٦ طبعة نور الدين، وطبعتنا: ٤٢٤، وانظر في هَذَا النوع من علوم الْحَدِيْث: الإرشاد ٢/٦٤٠-٦٤٢، والتقريب: ١٧١، وفي طبعتنا: ٢٣٥، واختصار علوم الْحَدِيْث: ٢٠٥، والشذا الفياح ٢/٥٧٠-٥٧٢، ومحاسن الاصطلاح: ٤٩١، والمقنع ٢/٥٤٧-٥٤٨، وشرح التبصرة والتذكرة طبعة دار الكتب العلمية ٣/١٠١، وفي طبعتنا ٢/١٩٣، ونُزهة النظر: ١٦٢ وطبعة عتر: ٦٢، وفتح المغيث ٣/١٨٣-١٨٦، وتدريب الرَّاوِي ٢/٢٦٢-٢٦٣،وفتح الباقي ٢/٢٣٢، وتوضيح الأفكار ٢/٤٨٠-٤٨١.
(٣) الْحَدِيْث المعلل: ٥٢.
(٤) الْحَدِيْث المعلل: ٥٣.
(٥) الْحَدِيْث المعلل: ٥٤.
[ ٥٩ ]
لا يمكن للبصير الناقد أن يكشف عن الاختلافات ويقارن بينها إلا بَعْدَ جمع طرق حَدِيْث الباب والموازنة والمقارنة والنظر الثاقب، قَالَ علي بن المديني: «الباب إذا لَمْ تجمع طرقه لَمْ يتبين خطؤه» (١) .
الدكتور
ماهر ياسين الفحل
العراق /الأنبار/الرمادي/ص.ب ٧٣٥
al-rahman@uruklink.net
_________________
(١) الجامع لأخلاق ٢/٢١٢ (١٦٤١) .
[ ٦٠ ]