رابع عشر: (ص ٣٢): قالا: «هذا الموقف المضطرب من توثيق ابن حبان والعجلي وابن سعد وأضرابهم، والذي يمكن تقديم عشرات الأمثلة عليه لا يمكن إحالته على سبب من الأسباب، سوى الابتعاد عن المنهج وخلو الكتاب منه، ومثله مثل مئات التراجم التي لم يحررها تحريرًا جيدًا، بحيث ضعَّف ثقات، ووثق ضعفاء، وقبل مجاهيل، واستعمل عبارات غير دقيقة في المختلف فيهم مما سيجده القارئ الباحث في مئات الانتقادات والتعقبات التي أثبتناها في " تحرير أحكام التقريب "» .
أما القاعدة الصحيحة في الموقف من توثيق ابن حبان، فهي كما يلي:
١- ما ذكره في كتابه " الثقات " وتفرد بالرواية عنه واحد - سواء أكان ثقة أم غير ثقة - ولم يذكر لفظًا يفهم منه توثيقه، ولم يوثقه غيره، فهو يعد مجهول العين، وهي القاعدة التي سار عليها ابن القطان الفاسي وشمس الدين الذهبي، ولهما فيها سلف عند الجهابذة، فقد قال علي ابن المديني في جري بن كليب السدوسي البصري: «مجهول لا أعلم روى عنه غير قتادة»، وقال في جعفر بن يحيى بن ثوبان: «شيخ مجهول لم يرو عنه غير أبي عاصم (الضحاك بن مخلد النبيل»)، وقال أبو حاتم الرازي في حاضر بن المهاجر الباهلي: «مجهول» مع أن شعبة بن الحجاج روى عنه.
٢- إذا ذكره ابن حبان وحده في " الثقات " وروى عنه اثنان، فهو مجهول الحال.
٣- إذا ذكره ابن حبان وحده في " الثقات " وروى عنه ثلاثة، فهو مقبول في المتابعات والشواهد.
٤- إذا ذكره ابن حبان وحده في " الثقات " وروى عنه أربعة فأكثر، فهو صدوق حسن الحديث.
٥ - إذا صرح ابن حبان بأنه مستقيم الحديث أو لفظة أخرى تدل على التوثيق فمعنى هذا أنه فتش حديثه فوجده صحيحًا مستقيمًا موافقًا لأحاديث الثقات، فمثل هذا يوثق مثله مثل أي توثيق لواحد من الأئمة الكبار، لما لابن حبان من المنزلة الرفيعة في الجرح والتعديل.
[ ٢٨٨ ]
٦- أما تضعيفه، فينبغي أن يعد مع الجهابذة المجودين، لما بينه في كتابه من الجرح المفسر، وربما يعترض معترض علينا في عدم اعتبار ذكر ابن حبان لراو تفرد عنه الواحد والاثنان في " الثقات "، فنقول: إن ابن حبان ذكر في " الثقات " كل من لم يعرف بجرح، وإن كان لا يعرفه، وهذا لا يدل على توثيق أصلًا، فقد قال في " الثقات " مثلًا: «سلمة، يروي عن ابن عمر، روى عنه سعيد بن سلمة، لا أدري من هو ولا ابن من هو» ! وقال في موضع آخر: «جميل، شيخ يروي عن أبي المليح بن أسامة روى عنه عبد الله بن عون، لا أدري من هو ولا ابن من هو» وقال في ترجمة الحسن بن مسلم الهذلي: «يروي عن مكحول روى عن شعبة، إن لم يكن ابن عمران فلا أدري من هو» .
أقول مستعينًا بالله: انطوى كلامهما هذا بطوله على جملة من التوهمات والقواعد الباطلة والتناقضات الواضحة، أقتصر الرد فيها على الأمور الآتية:
أولًا: وصفهما لكتاب ابن حجر بالخلو من المنهج والابتعاد عنه، تهمة قذفا بها الحافظ وهي بهما أحق، ومن خلال تتبعي لتراجم تحريرهما وقفت على جملة أشياء، تثبت بما لا يقبل الشك، خلو تحريرهما من المنهج، وافتقارهما إلى سبيل واضحة يسيران عليها، الأمر الذي نجم عنه ظهور ما يأتي:
١- من بدهيات علم التحقيق: أن المحقق يسير على طريق واضحة، يتخذها نهجًا له في الكتاب كله، والمحرران تجردا في تحقيقهما لنص التقريب من أي منهج، ومن الأمثلة على هذا أنهما اضطربا في مسألة إثبات الصواب في المتن أو الهامش، وسأجلي لك عظم هذا الاضطراب من الإحصائية الآتية:
أ. أثبتا الصواب في الأصل، وأشارا إلى الخطأ في الهامش، في مئة وثمان وعشرين (١٢٨) ترجمة، وإليك أرقامها:
[ ٢٨٩ ]
عقيب: ٨٥، ٣٩٥، ٥٣٥، ٥٤٩، ٥٥٨، ٥٩٨، ٦٠١، ٦٠٩، ٧٧٣ ٨٨٢، عقيب: ٩٠١، ٩٠٧، ١٠٩٢، ١٤٥٩، ١٥٢١، ١٥٨٠ ١٥٩٩، ١٦١٨، ١٦٢٠، ١٦٦٤، ١٨٧٥، ١٩٩٧، ٢٠٢٤، ٢٢٠٧ ٢٤٤٢، ٢٦٠٠، ٢٦٦٩، ٢٧٦٣، ٢٨٢٣، ٢٩٠٠، ٢٩١٢، ٢٩٤٩ ٣٢٨٨، ٣٣٢٧، ٣٣٨٨، ٣٤٣٦، ٣٥٠٣، ٣٥١٠، ٣٥٣٩، ٣٥٧٧ ٣٦١٦، ٣٦٥٤، ٣٧٦٠، ٣٧٩٥، ٤٠٣٥، ٤٢١٧، ٤٢٧٨، ٤٣٨٣ ٤٥٩٨، ٤٦٢٩، ٤٦٣٠، ٤٨٢٧، ٤٨٨٦، ٤٩٤١، عقيب: ٥٢٦٢ ٥٥٣١، ٥٧٣٥، ٥٧٤٦، ٥٨٢٢، ٥٨٦٢، ٥٩١٣، ٥٩٣٤، ٥٩٩٢ ٦٠١٩، ٦٠٦٥، ٦٠٩٨، ٦١٣٩، ٦١٤٠، ٦٢٢٥، ٦٢٢٩، ٦٢٤١ ٦٣١٢، ٦٤١٢، ٦٤٤٠، ٦٤٤٨، ٦٤٩١، ٦٤٩٨، ٦٤٩٩، ٦٥٤٦ ٦٥٧٦، ٦٥٩٢، ٦٦٤٨، ٦٦٧٣، ٦٧٠٠، ٦٧٢٢، ٦٧٥٠، ٦٧٧٧ ٦٧٧٨، ٦٨٢٢، ٦٩٢٦، ٦٩٥٤، ٦٩٨٨، ٧٠٧٠، ٧٠٨١، ٧٢٤١ ٧٣٤٩، ٧٣٥٩، ٧٣٨٦، ٧٤٢٧، ٧٤٧٢، ٧٤٩٧، ٧٦٠٣، ٧٦٢٦ ٧٦٢٧، ٧٦٣٩، ٧٦٨٢، ٧٧٥٦، ٧٧٨٣، ٧٨٨٣، ٧٨٨٨، ٧٩٣٢ ٧٩٤٦، ٨٠٤٩، ٨١٠٢، ٨١٤٨، ٨١٧٤، ٨٢٣٧، ٨٢٣٩، ٨٣٢٧ ٨٣٣٩، ٨٣٤٩، ٨٤٢١، ٨٤٤٧، ٨٦٨٥، ٨٨٠١، عقيب: ٨٨٠٧ عقيب: ٨٨١٣، ٨٨٢٢.
ب. أثبتا الخطأ في الأصل، وأشارا إلي الصواب في الهامش، في مئة وأربع وأربعين (١٤٤) ترجمة، وإليك أرقامها:
[ ٢٩٠ ]
٣٨، ٤٤، ٥٦، ١٤٦، ١٧٦، ١٩٣، ٢٢٣، ٢٦٢، ٣٣٦، ٣٦٨ ٤١٨، ٤٤٤، ٥٦٨، ٥٧٣، ٥٨٩، ٦٠٧، ٦٤٣، ٦٧٠، ٧٨٣ ٨١٥، ٨٣٦، ٨٦١، ٨٩٤، ٩١٠، ٩٤٦، ٩٥٢، ٩٥٤، ٩٦٢ ٩٦٧، ١٠٠٧، ١٠٢٨، ١٠٧٠، ١١٢٤، ١١٥٠، ١١٥٤، ١٥٩١ ١٦١٩، ١٦٢٨، ١٨٥٩، ١٩٧٤، ٢٠٥٩، ٢١٠٨، ٢٤٦٦، ٢٤٩٠ ٢٥٨٩، ٢٦٠٢، ٢٨٠٢، ٢٨٣٣، ٢٩٦٤، ٣٠٤٤، ٣١٣٦، ٣٢٦٤ ٣٣٠٣، ٣٣١٤، ٣٣٢٥، ٣٣٤٨، ٣٣٩٦، ٣٣٩٨، ٣٤٥٤، ٣٤٥٧ ٣٤٨٦، ٣٤٩١، ٣٥٠٠، ٣٥١٧، ٣٥٢٤، ٣٥٣٤، ٣٥٨٥، ٣٦٠٧ ٣٦١٥، ٣٦٤٨، ٣٦٦٧، ٣٦٧٧، ٣٦٨٩، ٣٧٢٤، ٣٧٢٨، ٣٧٦٦ ٤٠٦٠، ٤١٢٧، ٤٢٧٧، ٤٣٠٠، ٤٣٠٤، ٤٣١٤، ٤٣١٥، ٤٣٣٣ ٤٣٣٦، ٤٣٧٨، ٤٣٨٤، ٤٣٩٧، ٤٤١٦، ٤٤١٧، ٤٤٤٠، ٤٤٨٢ ٤٤٩١، ٤٨١٧، ٤٨٧٩، ٥٠٠٤، ٥٣٢٩، ٥٤٦٥، ٥٦٧٩، ٥٩٧٠ ٦٠٧٩، ٦١١٤، ٦١٧٨، ٦٣١٤، ٦٥٦٩، ٦٨٦٧، ٦٨٩٠، ٦٩٩٣ ٧١١٠، ٧١٥٠، ٧١٦٢، ٧٢٠٣، ٧٢٢٤، ٧٢٢٦، ٧٢٤٤، ٧٣٠٤ ٧٣٣٤، ٧٣٤٧، ٧٣٥٤، ٧٤١٤، ٧٤٥٦، ٧٥٣٢، ٧٥٥٣، ٧٥٦٥ ٧٦١٦، ٧٦٨٠، ٧٧٤٩، ٧٨٤٧، ٧٨٥٩، ٧٨٧٢، ٧٨٧٣، ٨٠١٣ ٨٢٧٥، إحالة ٤ / ٢٤٣ (أبو عمر الندبي)، ٨٢٨٣، إحالة ٤ / ٣٤٤ (العائذي)، إحالة ٤ / ٣٥٣ (الهجري)، إحالة ٤ / ٣٦٥ (زوج درة) إحالة ٤ / ٣٦٦ (سابق العرب)، ٨٥٢٢، ٨٥٧٣، ٨٧٤٥، ٨٧٩٩.
أفليس هذا من الابتعاد عن المنهج وعدم الالتزام به؟! .
٢ - ومن الأمثلة على فقدان المنهج عند المحررين، أنهما أضافا ترجمتين ادعيا أنهما من عندهما - ولست أريد هنا أن أدخل في نقاش معهما في ذلك فقد تناولت ذلك مفصلًا في موضعه من كتابي " كشف الإيهام "- ولكن الذي تجدر الإشارة إليه أنهما لما أضافا ترجمة (زياد بن عمرو بن هند الجملي) كررا رقم الترجمة التي قبله وأعقباها بحرف (ب) ولما أضافا ترجمة (عبد الله بن عبد الرحمن الجمحي) كررا أيضًا رقم الترجمة التي قبله، وأعقباها بحرف (م) .
[ ٢٩١ ]
فهل هذا من المنهج في شيء؟ ولو كان لديهما منهج لظهر هنا، إذ الأمر في منتهى اليسر فليست سوى ترجمتين، فأي الكتابين أبعد عن المنهج؟!
وقس أنت الأمور واحكم، فلئن أخلا بالمنهجية في هذه الجزئية الصغيرة، فما بقي كان أعظم؟!
ثانيا: وضعا جملة من المباحث أسموها «قاعدة صحيحة» في الموقف من توثيق ابن حبان، وهي أمور في المنتهى من الغرابة، أوجز الرد عليها بما يأتي:
١- إن مَنْ يُنَظِّر شيئًا ينبغي عليه أن يكون أول العاملين به، وهذا مما أخل به المحرران، فقد نصا في الفقرة الأخيرة من كلامهما على: «أن ابن حبان ذكر في " الثقات " كل من لم يعرف بجرح، وإن كان لا يعرفه، وهذا لا يدل على توثيق أصلًا» والمحرران بهذا يرميان إلى التفريق بين ذكر ابن حبان للراوي فقط دون النص على توثيقه، وبين ذكره مع النص على توثيقه، وهذا أمر نتفق معهم على بعضه؛ لكن المحررين نسيا هذه القاعدة البتة أثناء عملهما في المجلد الأول من تحريرهما، ولم تخطر هذه القاعدة لهما على بالٍ إلا في ثلاثة تراجم (٤٢٠، ٩٦٤، ١٦٩٤) وستجد الكثير مما أشرت إليه في كتابي" كشف الإيهام "، وكذلك نسيا هذه القاعدة في كثير من المواضع للمجلدات الأخرى، عزبت عن التنبيه إليها هنا خشية الإطالة.
٢- تكلم المحرران في الفقرة (٦) عن تضعيف ابن حبان فقالا: «أما تضعيفه فينبغي أن يعد مع الجهابذة المجودين، لما بينه في كتابه من الجرح المفسر»
أقول: إن كان ابن حبان في جرحه للرواة في مصاف الجهابذة المجودين، فهل يصح أن نهمل أو نغمر جرح من هو جهبذ مجود، كلما عنَّ ذلك لسبب أو لغير سبب؟! وإليك نماذج لتراجم تركا فيها قول ابن حبان، فقالا بغير قوله من غير ما التفات إلى ما ذكرا:
أ- الترجمة (٢٧٢٣) لم يعتدا بجرح ابن حبان وغمزا قوله: «ربما خالف»
ب- الترجمة (٣٢٨٢) وصفا جرحه بالتعنت، وقرعا بالحافظ لاعتداده بجرحه.
[ ٢٩٢ ]
ج- الترجمة (٣٣٣٦) غمزا فيها جرح ابن حبان.
د- الترجمة (٣٧٤٥) ردا فيها جرح ابن حبان.
فكيف سيكون قولك إذا علمت أن ابن حبان لم ينفرد بجرحه؟ بل جرح المترجمَ سيدُ النقاد الإمام البخاري بالصفة نفسها التي جرحه بها ابن حبان والمحرران يلمحان إلى رد نقدهما فقالا: «أما قول ابن حبان في " الثقات ": يخطئ ويهم، فنظنه أخذه من البخاري»، فكيف الأمر وقد ردا جهبذين مجودين؟!!!
هـ- الترجمة (٤٢٧٥) أقذعا القول فيها لابن حبان، فقالا: «فهذا - يردان جرحه للراوي - من قعقة ابن حبان» .
والترجمة (٥٨٤٦) غمزا ابن حبان، فقالا: «وذكره ابن حبان وحده في " الثقات "، وقال: يخطئ ويخالف، وهذا من عجائبه!» .
فحتى وإن سلمنا جدلًا بأن ابن حبان أخطأ في بعض هذا فلسنا ندعي عصمته، فقد كان لازمًا عليهما أن يتحدثا عنه بكل أدب واحترام.
٣- اضطرب موقف المحررين من توثيق ابن حبان - حسب ما يستجد لهما من قرائن، وليت استقراء القرائن عندهما كان دقيقًا، فهما يعميان الأمر على القارئ، فإذا أرادا توثيق الراوي قالا: وثقه ابن حبان، وحقيقة الأمر أنه إنما ذكره فقط، وإذا تكلما في الراوي ضربا عن توثيقه صفحًا، وإليك مثُل ذلك:
أ- الترجمة (٢٩٠٦) قالا: «ولم يوثقه سوى ابن حبان، وتوثيقه شبه لا شيء» .
ب- الترجمة (٣٣٤٣) قالا: «ولم يوثقه سوى العجلي وابن حبان وتوثيقه شبه لا شيء عند انفرادهما» .
ج- الترجمة (٣٣٤٩) جهلا الراوي وقالا: «حينما ذكره ابن حبان وحده في " الثقات " قال: يخطئ» .
د- الترجمة (٣٣٦٠) اعتدا فيها بذكر ابن حبان له في الثقات.
هـ- الترجمة (٣٦١٧) ضعفا الراوي ثم قالا: «وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: يخطئ ويخالف» وهذا اعتداد منهما بالجرح دون التوثيق.
[ ٢٩٣ ]
٤- بخصوص نص ابن حبان على توثيق الرواة، قالا: «إذا صرح ابن حبان بأنه مستقيم الحديث أو لفظة أخرى تدل على التوثيق، فمعنى هذا أنه فتش حديثه ووجده صحيحًا مستقيمًا موافقًا لأحاديث الثقات، فمثل هذا يُوثق مثله مثل أي توثيق لواحد من الأئمة الكبار، لما لابن حبان من المنزلة الرفيعة في الجرح والتعديل» .
أقول: من أسس قاعدة ثم هدمها بمعول مخالفته لها، حريٌّ بمن بعده عدم الأخذ بها، وأكتفي هنا بمثالين، جاءت إدانتهما فيه من قلميهما، فقد قال الحافظ ابن حجر في الترجمة (٣٦٦٠): «عبد الله بن نافع الكوفي، أبو جعفر الهاشمي مولاهم: صدوق، من الثالثة. د عس» .
فتعقباه بقولهما: «بل مجهول، تفرد بالرواية عنه الحكم بن عتيبة، وذكره ابن حبان في " الثقات " وقال: صدوق» فأين المنزلة الرفيعة؟ وأين أنزلا توثيق ابن حبان من توثيق الأئمة الكبار؟؟ وهل الأمر سوى محاولة تعقب الحافظ ابن حجر؟ نسأل الله السلامة.
والمثال الثاني: قال الحافظ (١٢٢١) الحسن بن جعفر البخاري: «ثقة» وقد تعقباه بقولهما: «بل مقبول، روى عنه اثنان ولم يوثقه سوى ابن حبان» .
أقول: وابن حبان قد صرح بتوثيقه (٨ / ١٧٣) فقال: «الحسن بن جعفر من أهل بخارا، ثقة» وتصريح ابن حبان في توثيقه للمترجم نقله الإمام المزي في " تهذيب الكمال " (٦ / ٧٣)، وابن حجر في " تهذيب التهذيب " (٢ / ٢٦٠) .
[ ٢٩٤ ]
ثالثًا: مسألة كثرة الرواة عن الشخص هل تعني توثيقًا؟ أو تحسن من حال الراوي؟ وهي مسألة أحب الدخول معهم بصددها في نقاش علمي، ولذا سيتمحور ردي في كل فقرة منه على محورين، الأول: إبطال ما قعداه، الثاني إيراد أمثلة عملا فيها بخلاف ما قعداه؛ ولكنني وقبل الولوج في هذا أود أن أتناول قاعدة لهج بها المحرران كثيرًا في كتابهما، ألا وهي رواية الجمع، فقد كررا القول مرارًا: «روى عنه جمع» فهل رواية الجمع تنفع الراوي أم لا؟ .
أقول: لا بد في كل راوٍ – لكي تقبل روايته – من معرفة حاله، وخبرة سيرته حتى يتسنى للناقد الحكم بقبول رواية ذلك الراوي أو ردها، إلا أن بعض الرواة لم يستطع العلماء أن يتعرفوا حالهم، وهم الذين يدعون (بالمجاهيل) وليسوا في طبقة واحدة، بل المشهور أنهم ثلاثة: مجهول العدالة ظاهرًا وباطنًا، ومجهول العدالة باطنًا وهو الذي يسمى (مجهول الحال)، ومجهول العين.
وقد نصت كتب المصطلح أن من روى عنه شخص واحد، ولم يعلم حاله فهو مجهول العين فإن روى عنه آخر صار مجهول الحال، فزيادة العدد هنا قد حسنت من حال الراوي، لكن ينبغي التنبه لثلاثة أمور:
الأول: إن هذه الزيادة لم تخرجه عن حيز الجهالة، بل غاية نفعها أن أزالت عنه شيئًا من جهالته، فنقلته من مرتبة جهالة إلى مرتبة جهالة أخرى أخف منها.
الثاني: إن هذه الزيادة حتى وإن عظمت فبلغت أكثر من اثنين غير مقتضية لإثبات العدالة، وقد نص الخطيب البغدادي وغيره على ذلك، فقال: أقل ما ترتفع به الجهالة – يعني: جهالة العين – أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدًا من المشهورين بالعلم كذلك؟ إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه» (الكفاية: ص:١٥٠) .
[ ٢٩٥ ]
الثالث: إن العبرة أصلًا ليست بكثرة الرواة وقلتهم، بل بالمعرفة والسبر وللحافظ ابن القطان الفاسي كلام نفيس في كتابه " بيان الوهم والإيهام " (٤ / ١٣ عقيب ١٤٣٢) حول قبول رواية المستور فقال – ﵀ -: «والحق في هذا أنه لا تقبل روايته، ولو روى عنه جماعة، ما لم تثبت عدالته، ومن يذكر في كتب الرجال برواية أكثر من واحد عنه مهملًا من الجرح والتعديل، فهو غير معروف الحال عند ذاكره بذلك، وربما وقع التصريح بذلك في بعضهم» .
وقال الإمام السيوطي في شرحه لألفية العراقي (ص ٢٤٤): «الرواية تعريف له – [يعني: للراوي] والعدالة بالخبرة، وبأنه قد لا يعلم عدالته ولا جرحه»
وقال أحد الباحثين: «ذكرت في المبحث السابق عن عدد من أئمة النقد أنهم قد يعدون الراوي مجهولًا إذا لم يرو عنه إلا راوٍ واحد، وقد يعدّونه ثقة، وقد يجهلون من روى عنه جماعة، وقد يوثقونه، أو يذكرون أنه معروف، وهذا يعني أن العبرة عندهم ليست في عدد الرواة عن الشيخ، وإنما العبرة بمعرفته واستقامة روايته» (رواة الحديث الذين سكت عليهم أئمة الجرح والتعديل بين التوثيق والتجهيل ص (١٩٤» .
والآن حان الوقت للدخول في مناقشة كلام المحررين:
١- إن من ذكره ابن حبان في ثقاته، وكان له راوٍ واحد، فهو مجهول العين وهذه قاعدة تكاد تكون محل اتفاق المحدثين، إلا أن المحررين لم يلتزما ذلك رغم كونها عميقة الأصالة لدى المحدثين، وسأسوق أمثلة على ذلك:
أ- الترجمة (١٨٨)، تفرد بالرواية عنه الأوزاعي، وذكره ابن حبان في الثقات (٦ / ٢١)، وقال ابن حجر: مجهول، تعقباه بأنه: ثقة!!
ب- الترجمة (١٣٨٥)، تفرد بالرواية عنه الزهري، وذكره ابن حبان في الثقات (٤/١٥٩) وقال ابن حجر: صدوق الحديث، ولم يتعقباه!!
[ ٢٩٦ ]
ج- الترجمة (١٧٢٢) تفرد بالرواية عنه محمد إسحاق، وذكره ابن حبان في الثقات (٦/٢٧١) وقال ابن حجر: مقبول، فتعقباه بأنه: ثقة!!
د- الترجمة (٣٥٦٩) تفرد بالرواية عنه أبو سعيد جعثل بنص الذهبي في الميزان (٢ / ٤٨٣ و٤٩٩) وذكره ابن حبان في الثقات (٥ / ٥١) قال عنه ابن حجر: صدوق، فتعقباه بأنه: ثقة!!
هـ- الترجمة (٣٦٦٩)، تفرد بالرواية عنه عبد الله بن أبي مليكة بنصهما وذكره ابن حبان في ثقاته (٥ / ٤٧)، وقال عنه ابن حجر: وثقه النسائي، فتعقباه بأنه: ثقة!!
والترجمة (٥٠٩١) تفرد بالرواية عنه أبو إسحاق السبيعي بنصهما وذكره ابن حبان في الثقات (٥ / ١٨٠)، قال الحافظ عنه: مقبول فتعقباه بأنه: ثقة!!
ز- الترجمة (٥٢١٤)، تفرد بالرواية عنه عمرو بن دينار، ذكره ابن حبان في الثقات (٥ / ٢٨١) قال الحافظ: ليس بمشهور، تعقباه بأنه: صدوق حسن الحديث!!
ح- الترجمة (٥٨٧٨) تفرد بالرواية عنه سليمان بن حرب، وذكره ابن حبان في الثقات (٧ / ٤٢٢)، قال الحافظ: مقبول، فتعقباه بأنه: ثقة!!
ط- الترجمة (٧٢٠٠) تفرد بالرواية عنه الأوزاعي، ذكره ابن حبان في الثقات (٧ / ٥٤٥) قال الحافظ: ثقة، فتعقباه بأنه: صدوق حسن الحديث!!
ي- الترجمة (٧٣٣٨) تفرد بالرواية عنه عبد الله بن عون، ذكره ابن حبان في الثقات (٧/٥٧٣) قال الحافظ: مجهول، فتعقباه بأنه: ثقة!!
ك- الترجمة (٨٣٤٩) تفرد بالرواية عنه أبو مجاهد سعد الطائي، ذكره ابن حبان في الثقات (٥ / ٧٢)، قال الحافظ: مقبول، فتعقباه بأنه: صدوق حسن الحديث!!
[ ٢٩٧ ]
وبهذا القدر أكتفي خشية الإطالة وإملال القارئ؛ لكن المحررين ربما اعتذرا عن بعض ذلك بوجود من وثقه، وهذا العذر لا يسعفهم في شيء، فقد أكثرا من الذهاب إلى تجهيل من انفرد عنه بالرواية واحد، وإن وثقه الجمع أما الحافظ ابن حجر فربما عدّل من حاله هكذا لقرينة خاصة كصحة أحاديث الراوي أو غيرها.
٢- من ذكره ابن حبان في الثقات وروى عنه اثنان، فهو مجهول الحال، أود الإشارة هنا إلى أن المحررين لم يعتدا هنا بذكر ابن حبان للراوي في الثقات وذلك لأن رواية الاثنين عن الشيخ رافعة لجهالة العين مبقية على جهالة الحال، وهو أمر شاع بين المحدثين، فما قيمة ذكر ابن حبان عندهما هنا؟!
وقول المحررين قول شاذ غريب؛ لأننا لم نعهد عن أحد من العلماء المتقدمين إهمال ذكر ابن حبان للراوي في ثقاته بالكلية، وإنما كانوا يفصلون في ذلك فيفرقون بين شيوخه وبين من عرفهم وبين غيرهم كما سيأتي إيضاحه، فلا يحكمون لأول وهلة بل يوازنون ويقارنون.
٣- من ذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه ثلاثة، فهو مقبول في المتابعات والشواهد، أقول: هذا تنظير غير صحيح، فكيف يختلف لديهما الحكم من اثنين إلى ثالث، وقد سبق الكلام على أن رواية الجمع لا تؤثر في التوثيق وكيف يفرقان بين هذه الفقرة وبين التي قبلها في الحكم، والمحصلة النهائية لحكمهما واحد، إذ إن كلًا منهما مقبول في المتابعات والشواهد.
وهذا التنظير يعدم بالكلية الفائدة من ذكر ابن حبان للرواة في الثقات بالمرة إذ إن المخشي من توثيق ابن حبان توثيق المجاهيل، فإذا كان المترجم من شيوخه أو شيوخ شيوخه، أو ممن عرفهم وجالسهم فما المانع من قبول توثيقه؟!
٤- من ذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه أربعة فأكثر، فهو صدوق حسن الحديث.
[ ٢٩٨ ]
أقول: ما بال زيادة راوٍ واحد نقلت الشيخ من فلك إلى فلك آخر، ومن رتبة إلى أخرى، وقد سبق قولي: إن العدد لا يؤثر في توثيق الراوي، وما يَرِدُ على الفقرة السابقة يَرِدُ هنا، فقد يكون الراوي من شيوخه أو شيوخ شيوخه أو من أهل بلده أو ممن عرفهم!!
ويحسن بنا ونحن في هذا المقام أن نعرض لما قرره العلامة المعلمي اليماني – ﵀ – وشاع بين كثير من الناس، إذ قال في التنكيل (٢ / ٤٥٠ – ٤٥١) (مجلة الحكمة العدد السابع عشر ص ٣٩٣): «والتحقيق أن توثيقه على درجات:
الأولى: أن يصرح به، كأن يقول: «كان متقنًا» أو «مستقيم الحديث» أو نحو ذلك.
الثانية: أن يكون الرجل من شيوخه الذين جالسهم وخبرهم.
الثالثة: أن يكون الرجل من المعروفين بكثرة الحديث بحيث يعلم أن ابن حبان وقف له على أحاديث كثيرة.
الرابعة: أن يظهر من سياق كلامه أنه عرف ذلك الرجل معرفة جيدة.
الخامسة: ما دون ذلك.
فالأولى لا تقل عن توثيق غيره من الأئمة، بل لعلها أثبت من توثيق كثير منهم والثانية قريب منها، والثالثة مقبولة، والرابعة صالحة، والخامسة لا يؤمن فيها الخلل – والله أعلم -» .
وقال العلامة الشيخ ناصر الدين الألباني – ﵀ - معقبًا على كلام المعلمي: «هذا تفصيل دقيق يدل على معرفة المؤلف المعلمي – ﵀ – وتمكنه من علم الجرح والتعديل وهو مما لم أره لغيره فجزاه الله خيرًا.
غير أنه قد ثبت لدي بالممارسة أن من كان منهم من الدرجة الخامسة فهو على الغالب مجهول لا يعرف، ويشهد بذلك صنيع الحفاظ كالذهبي والعسقلاني وغيرهما من المحققين، فإنهم نادرًا ما يعتمدون على توثيق ابن حبان وحده ممن كان في هذه الدرجة، بل والتي قبلها أحيانا» .
[ ٢٩٩ ]
والحق في ذلك أن ما قرره العلامتان المعلمي والألباني إطلاق يفتقر إلى تقييد، لتصحح هذه القاعدة، وقد أجاد بعض الباحثين في تفصيل ذلك، إذ قسم الرجال الذين ترجم لهم ابن حبان في ثقاته إلى قسمين:
القسم الأول: الذين انفرد بالترجمة لهم.
القسم الثاني: الذين اشترك مع غيره بالترجمة لهم، وهم على قسمين أيضًا:
الأول: الرواة الذين أطلق عليهم ألفاظ الجرح والتعديل، وهؤلاء الرواة لم يكونوا على درجة واحدة، بل كان فيهم الحافظ والصدوق والمجروح والضعيف والمجهول.
الثاني: الرواة الذين سكت عنهم، وفيهم الحافظ والصدوق والمستور والمجهول والضعيف ومنكر الحديث.
وختامًا نص الباحث نفسه فقال: «والفصل في الرواة الذين سكت عليهم ابن حبان هو عرضهم على كتب النقد الأخرى، فإن وجدنا فيها كلامًا أخذنا بما نراه صوابًا مما قاله أصحاب كتب النقد، وإن لم نجد فيها كلامًا شافيًا طبقنا قواعد النقاد عليهم، وقواعد ابن حبان نفسه.
وأغلب الرواة الذين يسكت عليهم ابن حبان، ويكون الواحد منهم قد روى عنه ثقة، وروى عن ثقة، يكونون مستورين، يقبلون في المتابعات والشواهد ولذلك فإنني قلت في رسالتي عن ابن حبان في الرواة الذين ترجمهم ساكتًا عليهم: بأنهم على ثلاث درجات:
١- فمنهم الثقات وأهل الصدق.
٢- ومنهم رواة مرتبة الاعتبار.
٣- ومنهم الرواة الذين لا تنطبق عليهم شروط ابن حبان النقدية في المقبول، وهؤلاء ذكرهم للمعرفة – والله أعلم -» (رواة الحديث الذين سكت عليهم أئمة الجرح والتعديل بين التوثيق والتجهيل (ص٧٢» .
[ ٣٠٠ ]
والذي أميل إليه: أن ما ذهب إليه المحرران من تقييد ذلك بعدد الرواة خطأ محض نشأ عن تسرع في الأحكام وعجلة كان ينبغي بمن مثلهما أن لا يقع فيها وأن ما ذهب إليه اليماني وتابعه عليه العلامة الألباني وما نظره الباحث جيد؛ غير أن الأولى أن يقال أن ذلك لا يناط تحت قاعدة كلية مطردة بل الأمر يختلف من راوٍ إلى راوٍ حسب المرجحات والقرائن المحيطة التي تحف الراوي، فعندها يحكم على ذلك، وعليه يحمل صنيع الإمامين الجهبذين الذهبي وابن حجر، إذ إنهما لم يعملا ذلك تحت قاعدة كلية، بل مرجع ذلك إلى القرائن المحيطة وحال الراوي وقرب عهده من بُعْدِه، وكونه من المعروفين أو غير المعروفين، وكونه من أهل بلد ابن حبان من غيرهم، ولو أدرك المحرران لما وصفا صنيع الحافظ باضطراب المنهج وخلو كتابه من المنهجية، نسأل الله الستر والعافية.
[ ٣٠١ ]