هو لقب شاع للمتأخرين فيما يرويه النبي ﷺ عن ربه.
وتعريفه المحقَّقُ له أنه: الحديث المرفوع القولي المسند من النبي ﷺ إلى الله.
وهذه ميِّزه عن القرآن، من جهة أن قرآن لا يقال فيه (حديث مرفوع)، و(القولي) ميَّزه من سائر أنواع المرفوع، والنسبة إلى الله أخرجته من عموم المرفوعات القولية التي هي مما أنشأه النبي ﷺ بألفاظه.
مثاله: حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " قال الله: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار " (١).
ومن المتأخرين من قال في تعريف (القدسي): (ما كان معناه من الله تعالى، ولفظه من النبي صلى لله عليه وسلم)، وهذا فيما أرى خطأ لا مستند له إلاِّ إرادة تمييزه عن القرآن حاصل بالتعريف الذي ذكرته آنفًا، وهو المتفق مع صريح عبارة الرفع النَّبويِّ، فإن النبي ﷺ يقول في الحديث القدسي: (قال الله)، وهذا صريح منه ﷺ في نسبة القول والذي هو الألفاظ ذاتها إلى الله، ولم يردنا في شيء من النقل أن النبي ﷺ كان يتصرف في ألفاظ ما يقول فيه: (قال الله عز جل) ممَّا يحدث به عن ربه سوى القرآن.
ثم إنه يرد على قولهم: (ومعناه من الله) دخول عموم السنة في ذلك، فإن
_________________
(١) متفق عليه: أخرجه البخاري (رقم: ٤٥٤٩، ٥٨٢٧، ٥٨٢٨، ٧٠٥٣) ومسلم (رقم: ٢٢٤٦).
[ ١ / ٣٧ ]
السنن شرائعُ الله أوحاها إلى النبي ﷺ غير القرآن، عبر عنها النبي ﷺ بألفاظ نفسه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوى * إِنْ هُو إِلاَّ وحي يوحى﴾ [النجم: ٤، ٣]، فإن جعلنا الحديث القدسي كذلك لم نميزه عن سائر نصوص السنن المنشأة ألفاظها من قبل النبي ﷺ وألغينا فائدة التميز الحاصلة من قبل قوله ﷺ في القدسي: (قال الله).
تنبيهات حول الحديث القدسي:
التنبيه الأول: قد تأتي صيغة الإضافة في الرواية غير صريحة، وذلك مثل:
ما رواه بعض الرواة من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ، رفعه: " إن المؤمن عندي بمنزلة كل خير: يحمدني وأنا أنزع نفسه من بين جنبيه " (١).
التنبيه الثاني: لكون الأحاديث القدسية منقولة بطريق الآحاد، فإنها يعتريها ما يعتري سائر ألفاظ أحاديث الآحاد من أداء بعض الألفاظ بالمعنى، أو باختلاف يسير في اللفظ، وبزيادة بعض الرواة على بعض فيها، وليس ذلك بالكثير.
_________________
(١) أخرجه البزار (رقم: ٧٨١ - كشف) قال: حدثنا أحمد بن أبان القرشي، حدثنا عبد العزيز بن مُحمد الدراورْدي، عن عمْرو بن أبي عمرو، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي هريرة، وبه. قلت: وإسناده حسن، وقال ابنُ حجر في " النُّكت على ابن الصلاح " (٢/ ٥٣٩): " حديث حسنٌ، رُواته من أهل الصدق ". والحديث أخرجه أحمد (١٤/ ٣٤٥ رقم: ٨٧٣١) قال: حدثنا أبو أسامة (وهو منْصور بن سلمة). والحارث بن أبي أسامة في " مسنده " (رقم: ٢٥٥_ بُغية) قال: حدثنا خالد بن خِداش، كلاهما عن عبد العزيز ، به. لكن فيه: (قال الله عزوجل) بدل (رفعه). وكذلك أخرجه أحمد (١٤/ ١٩٠ / ١٩١ رقم: ٨٤٩٢) والبيهقي في " الشعب " (٤/ ١١٨ رقم: ٤٤٩٤) من طريق يزيد بن الهاد، عن عمْرو به.
[ ١ / ٣٨ ]
التنبيه الثالث: يغلب على صفة الحديث القدسي التذكير والموعظة، لا إثبات الأحكام، وإن كان ربما دلَّ على الحكم.
التنبيه الرابع: الأحاديث القدسية الصحيحةُ ليست كثيرة، وصنِّف في جمعها مصنَّفات، اشتملت على الصحيح والسقيم من جهة الإسناد، ولما كان بابها المواعظ كثر فيها الواهي والموضوع.