وممن وصفها بالانقطاع: سفيان بن عيينة، وشعبة بن الحجاج.
والتحرير: أن قبول والعمل بها صحيح معتبر، بشرط حصول الثقة بالموجود.
ومذهب السلف في الرواية بها مشهورة، ولم يكد ينقل المنع من ذلك عن أحد، إلا ما تقدم عن ابن سيرين.
قال الخطيب: " لا فرق بين أن يوصي العالم لرجل بكتبه، وبين أن يشتريها ذلك الرجل بعد موته، في أنه لا يجوز له الرواية منها، إلا على سبيل الوجادة، وعلى ذلك أدركنا كافة أهل العلم، اللهم إلا أن يكون تقدمت من العالم إجازة لهذا الذي صارت الكتب له، بأن يروي عنه ما يصح عنده من
سماعاته، فيجوز أن يقول فيما يرويه من الكتب: (أخبرنا) أو (حدثنا)، على مذهب من أجاز أن يقال ذلك في أحاديث الإجازة " (١).
وفي حكم الوجادة: الوصية بالكتب، يوصي الشيخ بكتبه لشخص معين، فعلها أبو قلابة الجرمي من التابعين أوصى بكتبه لأيوب السختياني (٢).
وهذان مثالان محرران من أمثلة الرواية بالوجادة:
المثال الأول: رواية الحسن البصري عن سمرة بن جندب.
قال العلائي: " قد روى عنه نسخة كبيرة، غالبها في السنن الأربعة " (٣).
وقد اختلفوا فيها على أربعة أقوال:
الأول: أنه لم يسمع من سمرة.
_________________
(١) الكفاية (ص: ٥٠٤).
(٢) ذكرت الرواية بذلك، وعامة ما لم أعزه من النقل في بيان طُرق التحمل إلى الجزء المفرد في ذلك.
(٣) جامع التحصيل، للعلائي (ص: ١٩٨ - ١٩٩).
[ ١ / ١٥٥ ]
وهذا حكي عن علي بن زيد بن جدعان (١)، وهو قول شعبة بن الحجاج، قال: " لم يسمع الحسن من سمرة " (٢).
وجرى على إطلاقه بعض من جاء من بعد، كابن حبان (٣) وغيره.
والثاني: أنه لم يسمع من سمرة، إنما حديثه عنه من كتاب سمرة.
قال يحيى بن سعيد القطان في أحاديث سمرة التي يرويها الحسن: " سمعنا أنها من كتاب " (٤).
وهو ظاهر ما حكي عن بهز بن أسد، فقد سأله جرير بن عبد الحميد عن الحسن: على من اعتماده؟ قال: " كتب سمرة " (٥).
قال يحيى بن معين: " لم يسمع من سمرة حرفًا قط " (٦).
وسأله عثمان الدارمي: الحسن لقي سمرة؟ قال: " لا " (٧).
وبين في رواية الدوري أكثر من ذلك، فقال: " لم يسمع الحسن من سمرة شيئًا، هو كتاب " (٨).
والثاني: أنه لم يسمع من سمرة إلا حديث العقيقة (٩)، وسائر حديثه عنه من كتاب سمرة.
_________________
(١) ذكره يحيى بن معين في " تاريخه " (النص: ٤٠٥٤) دون إسناد.
(٢) رواه يحيى بن معين في " تاريخه " (النص: ٤٠٥٣) وإسناده صحيح.
(٣) صحيحه (٥/ ١١٣ بعد رقم: ١٨٠٧).
(٤) أخرجه يعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " (٣/ ١١) وإسناده صحيح.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في " المراسيل " (ص: ٣٢) عن شيخه محمد بن سعيد بن بلج الرازي، ولم أقف له على ترجمة.
(٦) معرفة الرجال، رواة ابن مُحرز (١/ ١٣٠)، وروى الدقاق عنه: " الحسن لم يَسمع من سمُرة " (من كلام أبي زكريا، النص: ٣٩٠).
(٧) تاريخ الدارمي (النص: ٢٧٧)، المراسيل، لابن أبي حاتم (ص: ٩٦).
(٨) تاريخ يحيى بن معين (النص: ٤٠٩٤).
(٩) يعني حديث: " الغلام مُرْتهنٌ بعقيقته. . " ساق لفظه الترمذي (رقم ١٥٢٢) وغيره.
[ ١ / ١٥٦ ]
وهو قول النسائي، قال: " الحسن عن سمرة كتاب، ولم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة " (١).
وهذا يستند إلى ما رواه قريش بن أنس، عن حبيب بن الشهيد، قال: أمرني ابن سيرين أن أسأل الحسن: ممن سمع حديث العقيقة. فسألته؟ فقال: من سمرة بن جندب (٢).
والثالث: أنه سمع من سمرة.
قال علي بن المديني: " سماع الحسن من سمرة صحيح " (٣).
وقال وقد ذكر رواية الحسن: " أما أحاديث سمرة فهي صحاح " (٤).
وقال: " وقد روى سمرة أكثر من ثلاثين حديثًا مرفوعًا وغيرهما،
_________________
(١) السنن، للنسائي (بعد رقم: ١٣٨٠).
(٢) أخرجه البُخاري (رقم: ٥١٥٥) قال: حدثنا عبد الله بنُ أبي الأسود، وفي " التاريخ الكبير " (١/ ٢ / ٢٩٠) - وعنه: الترمذي في " جامعه " (عقب رقم: ١٨٢) - قال: قال لي عليٌّ (يعني ابن المديني)، والترمذي كذلك قال: حدثنا محمد بن المثنى، والنسائي (رقم: ٤٢٢١) قال: أخبرنا هارون بن عبد الله، وعبد الله بن أحمد في " العلل " (النص: ٤٠٤٤) قال: حدثني أبو خيثمة، والبيهقي في " الكبرى " (٩/ ٢٩٩) والمزيُّ في " التهذيب " (٢٣/ ٥٨٧ - ٥٨٨) من طريق أبي قلابة الرقاشي، قالوا جميعًا: حدثنا قريشُ بن أنس به، وفي رواية أبي خيثمة وأبي قلابة عنه قال: حدثنا حَبيب بن الشهيد. وقد ذكروا أن قريشًا اختلط وتغير قبل موته بستِّ سنين، وذكر الحافظ ابن حجر في " الفتح " (٩/ ٥٩٣) أن الأثرم حكى أن الإمام أحمد بن حنبل ضعَّف حديث قريش هذا، وقال: " ما أراه بشيء "، وردَّه ابنُ حجر أنَّ لحديثه المذكور في العقيقة طريقًا آخر، وقال: " وأيضًا فسماع علي بن المديني وأقرانه من قريش كان قبل اختلاطه، فلعل أحمد إنما ضعفه؛ لأنه ظنَّ أنه إنما حدث به بعد الاختلاط ". قلت: ويؤيد صحة رواية ابن المديني عنه، أنه قال في رواية البُخاري لحديث العقيقة عنه في " التاريخ ": " حدثنا قريش بن أنس وكان ثقة ".
(٣) نقله عنه البخاري في " التاريخ الأوسط " (١/ ٣٩٣)، و" التاريخ الكبير " (١/ ٢ / ٢٩٠)، وحكاه الترمذي عن البُخاري عنه في " الجامع " (بعد حديث رقم: ١٨٢)، وفي " العلل الكبير " (٢/ ٩٦٣ - بترتيب أبي طالب القاضي).
(٤) رواه عنه يعقوب بن سفيان في " المعرفة والتاريخ " (٢/ ٥٢).
[ ١ / ١٥٧ ]
والحسن قد سمع من سمرة؛ لأنه كان في عهد عثمان ابن أربع عشرة وأشهر، ومات سمرة في عهد زياد " (١).
وتبعه على ذلك الترمذي، فصحح أحاديثه عنه في " الجامع " (٢)، وكذلك صنع ابن خزيمة في " صحيحه " (٣)، والحاكم في " المستدرك " (٤).
والقول الأول أشد هذه الأقوال، فإن تسليم ظاهره يقضي بأن حديث الحسن عن سمرة منقطع، لكن أصحاب القول الثاني جاءوا بزيادة علم عليه، لا يجوز إهمالها، وهي أن ما رواه الحسن عن سمرة فإنما أخذه من كتاب سمرة.
قال العلائي: " وذلك لا يقتضي الانقطاع " (٥).
وقد جاء في بعض ما رواه الحسن عن سمرة قوله: " قرأت في كتاب سمرة " (٦).
بل صح عن عبد الله بن عون، قال: " دخلنا على الحسن، فأخرج إلينا كتابًا من سمرة، فإذا فيه: أنه يجزئ من الاضطرار صبوح أو غبوق " (٧).
فهذا دليل شاهد أن الحسن كان عنده عن سمرة كتاب.
على أن القول بإثبات سماعه من سمرة أصح وأقوى، وذلك لوجوه ثلاثة:
الأول: تصريحه حين سئل عن حديث العقيقة بكونه سمعه من سمرة.
_________________
(١) العلل، لابن المديني (ص: ٥٣).
(٢) انظر الأحاديث: (رقم: ١٨٢، ١٢٣٧، ١٢٩٦).
(٣) انظر الحديثين: (رقم: ١٧١٠، ١٧٥٧).
(٤) انظر " المستدرك " (١/ ٢١٤ بعد رقم: ٧٨٠).
(٥) جامع التحصيل (ص: ١٩٩).
(٦) العلل، لابن المديني (ص: ٥٣) وذكر أنه وقع في حديث واحد رواه الحسن عن سمُرة.
(٧) أخرجه أحمد في " العلل " (النص: ٢١٨٧) وإسناده صحيح.
[ ١ / ١٥٨ ]
والرواية بذلك صحيحة، ولذا احتج بها البخاري وغيره، وهذا يحيى بن معين حين أوردت عليه هذه الرواية سكت مع ما تقدم عنه أن الحسن لم يسمع من سمرة، بل لم يلقه.
فقد قال أبو قلابة الرقاشي، وقد روى قصة حديث العقيقة عن قريش: فسمعت يحيى بن معين يقول: لم يسمع الحسن من سمرة، قال: فقلت: على من تطعن؟ على قريش بن أنس؟ على الحبيب بن الشهيد؟ فسكت (١).
فهذا الذي حدث به قريش حجة أن الحسن سمع من سمرة في الجملة.
والثاني: روي حميد الطويل قال: عن الحسن قال: جاءه رجل فقال: إن عبدًا له أبق، وإنه نذر إن قدر عليه أن يقطع يده، فقال الحسن: حدثنا سمرة قال: قلما خطب النبي ﷺ خطبة إلا أمر فيها بالصدقة، ونهى فيها عن المثلة (٢).
وهذه رواية صحيحة عن الحسن.
والثالث: أن سمرة كان بالبصرة، وحديثه في أهلها، وكان فيها بعد مقتل علي وأثناء خلافة معاوية، وبقي فيها حتى مات في آخر خلافة معاوية سنة (٥٩) أو (٦٠) قيل: كانت وفاته بالبصرة، وقيل: بالكوفة، والحسن قدم البصرة بعد مقتل علي، ﵁، فإذا كان قد اتفق مع سمرة في الزمان والمكان، فما الذي منع اللقاء؟ بل كيف يمتنع ذلك وسمرة والٍ
_________________
(١) أورد ذلك المزِّي في " التهذيب " (٢٣/ ٥٨٨) بعد رواية قصِّة حديث العقيقة، وإسناده إلى أبي قلابة صحيح.
(٢) إسناده صحيح. أخرجه أحمد (٣٣/ ٣١٦ رقم: ٢٠١٣٦)، وعلق محققه بالتشكيك إن كان حُميد حفظ تصريح الحسن بالسماع، وذلك من أجل أن يزيد ين إبراهيم التُّستَري رواه عن الحسن قال: (عن سمرة)، وجعل المحقق ذلك مخالفةً لحميد، وهذا عجيب، فلم يزل هذا المحقق وغيره يجعلون ذكر السماع من راوٍ من قبيل زيادة الثقة، وهو الأمر عليه إطباق عامة أهل العلم بالحديث، والعنعنة لا تُنافي السماع.
[ ١ / ١٥٩ ]