قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. والذكر يتناول السنة، إن لم يكن بلفظه فبمعناه؛ لأن المقصود من حفظ القرآن هو أن تبقى الحجة قائمة، بحيث ينالها من طلبها إلى يوم القيامة؛ لأن الله تعالى إنما خلق الخلق ليعبدوه، ولذلك بعث الأنبياء، وأنزل الكتب، وجعل محمدًا - ﵌ - خاتم الأنبياء، فلا بد أن تُحفظ شريعته إلى يوم القيامة.
وقد قيل لابن المبارك (^١): هذه الأحاديث المصنوعة؟ فقال: تعيش لها الجهابذة، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
وقال الله ﷿: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٧ - ١٩]. فالبيان الذي تكفَّل الله تعالى به يعمُّ البيانَ للنبي - ﵌ - بأن يُفهِمه ما يَغمُض من معاني القرآن بإلهام أو وحي، والبيانَ للناس بلسانه - ﵌ -، وتلك السنة.
_________________
(١) تقدم.
[ ١٩ / ١٥٣ ]
قال ابن جرير: "ثم إنَّ علينا بيان ما فيه من حلاله وحرامه وأحكامه لك مفصلةً عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ يقول: حلاله وحرامه، فذلك بيانه، عن ابن عباس: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ قال: تبيانه بلسانك". "تفسيره" (٢٩/ ١٠٣) (^١).
وإذ كان كذلك، فمن المحال أن يُلصَق بالشريعة ما ليس منها على وجهٍ لا يمكن أهلَ العلم نفيُه عنها؛ لأن ذلك منافٍ للحفظ الذي تكفّل الله ﷿ به.
غاية الأمر أنه قد يشتبه الأمر على بعض أهل العلم، ويبينه الله تعالى لغيره.
فإذا استمر الحال على توثيق رجل ولم يطعن فيه أحد بحجة، فقد يقال: إنه من المحال أن يكون ذلك الرجل ممن قد يكذب في الحديث. إذ لو كان كذلك لفضحَه الله تعالى؛ لِما يلزم من سَترِه من التصاقِ مرويِّه بالشريعة، وهو خلاف ما تكفَّل الله ﷿ به من حفظِهَا.
نعم، يبقى احتمال الغلط في بعض ما روى، ولكنه لا بد أن ينبه الله ﷿ عليه بعض أهل العلم. فإن استمر الحال على إثبات حديث ولم يتبين فيه خطأ فقد يقال: إنه صار مقطوعًا بصحته.
وهذا بخلاف الشهادة؛ فإنها قد تكون باطلة في نفس الأمر ولا يفضحها الله ﷿؛ لأنها في واقعة واحدة لا تقتضي الحكمة أن لا يقع الحكم بها، كما في الحديث عن النبي - ﵌ -: "إنكم تختصمون إليَّ [ولعلَّ بعضكم ألحنُ بحجته من بعض، فمن قضيتُ له بحقّ أخيه شيئًا بقوله فإنما أقطعُ له
_________________
(١) (٢٣/ ٥٠٤) ط. هجر.
[ ١٩ / ١٥٤ ]
قطعةً من النار، فلا يأخذْها"] (^١).
فأما ما ورد من تسديد الله ﷿ للقاضي العدل (^٢) فهو حق، ولكنه إنما يقتضي أن لا يقع منه ما يأثم به، وغايته أن لا يقع منه غلطٌ في الحكم، والقاضي إذا تداعى عنده رجلان ولم تكن للمدعي بيِّنة، فقضى القاضي بيمين المدعى عليه، فحلف، فهذا حكمه حق قطعًا، سواء أكانت يمين المدعى عليه بارَّة أو فاجرة. فهكذا إذا شهد عنده رجلان وعُدِّلا، فقضى بشهادتهما، فحكمه حق قطعًا، سواء أكان الشاهدان صادقين في نفس الأمر أم لا. والله الموفق.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٦٨٠) ومسلم (١٧١٣) من حديث أم سلمة. وترك المؤلف بياضًا بين المعكوفتين.
(٢) انظر: "نصب الراية" (٤/ ٦٨)، و"البدر المنير" (٩/ ٥٢٨).
[ ١٩ / ١٥٥ ]
[ص ١٣] الباب الثاني