[ص ٢٢] الشبهة الأولى: قال الله ﷿: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩].
وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [خاتمة يوسف].
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٤].
وقال ﷿ في شأن موسى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥].
وقد قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨].
وإذا كانت التوراة فيها تفصيل كل شيء، مع أنها إنما أُنزِلت لدعوة أمة صغيرة، وإلى أجل محدود؛ فكيف لا يكون القرآن كذلك، وهو مهيمن على التوراة، ومنزَّل لدعوة الأمم كلها، ومُعَدٌّ لهدايتها إلى يوم القيامة؟
[ص ٢٣] الشبهة الثانية: أنه قد يستبعد أن يقصَّ الله ﷿ في كتابه من أخبار الأمم السالفة، ويكرر القصة الواحدة منها في عدة سور، وينصّ على فروع من الأحكام التي يبدو للناظر أنها ليست بعظيمة الأهمية، كالأمر بكتابة الدين، ومع ذلك لا يذكر فيه الأمور العظيمة، كعدة ركعات الصلاة وأركانها، وصفة الحج، وغير ذلك.
[ ١٩ / ٨ ]
والجواب: أن الحجة قائمة على فرضية اتباع السنة، وأن فيها ما ليس في القرآن، وإذا ثبت وقوع ما يستبعد الإنسان وقوعه لم يبق موضع للاستبعاد، وإنما هو بعد ذلك أحد رجلين:
إما مرتابٌ يعدّ جهلَه بالحكمة دليلًا على عدمها، ثم يطعن في الدين من أصله.
وإما مؤمن يعلم أنه لا نسبة لعقله وفهمه وعلمه ومعرفته إلى علم رب العالمين وحكمة أحكم الحاكمين، فإما أن لا يُتعِب نفسه في البحث عن الحكمة؛ لعلمه بأنه لا بدّ من حكمة بالغة، ولا يضره جهلها، والأولى به أن يصرف أوقاته فيما كلِّف به من الطاعات. وإما أن يتضرع إلى الله ﷿ أن يُفهِّمه، ويتدبر ويتفكر لعله يعرفها، فإن عرفها حمِدَ الله ﷿ على ذلك، وإلا لم يَرتَبْ ولم يتزلزل يقينه بأنه لا بد من حكمة بالغة.
فأما المؤمن أو من يدعي الإيمان فهذا يكفيه، ولستُ بصدد التفحص عن الحكم، وأما المرتاب فحقه أن تقام عليه الحجج على أصل الإسلام، ولا يُتشاغل معه بالنظر في الجزئيات؛ لوجوه:
الأول: أنها كثيرة، فإذا أثبتَّ له الحكمة في شيء أورد عليك غيره، وهكذا.
الثاني: أن أحدنا لا يحيط بحِكَم الله ﷿، فلا بد أن يقف عند بعضها.
الثالث: أن من قبِلَ حجج الإسلام واطمأن بها حصل له الجواب عن تلك الأمور كما قدمنا، ومن لم يقبلها ولم يطمئن بها فلا يرجى أن ينتفع بما
[ ١٩ / ٩ ]
دونها من إثبات الحكمة في بعض الجزئيات. ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد: ٣٣].
واعلم أن هذا الاشتباه ناشئ عن الجهل بحكمة الله ﷿ في الخلق والتكليف، وقد بحثتُ عنها في موضع آخر، وأكتفي هنا بالإشارة إليه، فأقول مستعينًا بالله ﷿: إن كمال جوده سبحانه اقتضى أن يجود بالكمال إلى الحد الممكن، فخلق الجن والإنس صالحين لاكتساب الكمال. وأقرب كمالٍ يُعدُّ كمالًا للمخلوق هو ما كان باكتسابه باختياره، مع عناء ومشقة. فجعل الله سبحانه خلقه وأمره على الحال الموافقة لذلك.
ثم أمرهم سبحانه بكل ما هو كمال لهم، ونهاهم عن كل ما ينافي الكمال. وامتثال أمره ونهيه هو طاعته، وطاعته هي عبادته، فعبادته هي الكمال الذي خلقوا له. قال الله ﵎: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
ولم يجعل الله سبحانه حجج الحق بغاية الظهور؛ لأنها لو كانت كذلك لكانت معرفتها سهلة، ولكان الخلق كالمجبورين على قبولها، ألا ترى أن ألدَّ الخصوم إذا اتفق أن تقام عليه حجة بغاية الظهور لم يسعه إلا التسليم. ومثل هذا التسليم لا يُعدُّ فضيلة. وكذلك معرفة ما لا صعوبة في معرفته البتة. والمطلوب من الخلق أن يعرفوا الحق معرفةً تكون كمالًا لهم.
فمن الحجج ما هو في نفسه على الحال الموصوفة من عدم سهولة معرفته، وعدم كونه بغاية الظهور.
ومنها ما ليس في نفسه كذلك، ولكن الله ﵎ قدر معه شبهات
[ ١٩ / ١٠ ]
يصير معها على تلك الحال، [ص ٢٤] فإن الشبهة تُرِيب في ما هو في نفسه بغاية الظهور القطعي.
واعتبرْ ذلك بأن تأخذ تفاحة وتنظر إليها وتمسَّها وتشمَّها وتذوقَها، ثم تفكّر هل عندك أدنى أدنى شبهة في كونها تفاحة على الحقيقة، ثم فكِّرْ هل هذا العلم القاطع خاص بك أم بكل من يعرف التفاح ويختبر التفاحة كاختبارك أو دونه؟
ثم ادعُ بدويًّا وناوِلْه التفاحة، وقل له: تأملْ فيها، ثم تقول: مسَّها، ثم تقول: شمَّها، ثم تقول: ذُقْها، ثم سله: هل يرتاب في أنها تفاحة؟ فيوشك أن تراه قد عرض له بعض الارتياب. فدَعْه مدة ثم قل له: إن في محل كذا رجلًا ساحرًا ربما أخذ الحصاة، ثم يناولها الحاضرين فيرون أنها خاتم من ذهب، وربما أخذ البعرة أو ما هو أخبث منها، ثم يناولها الحاضرين فيرونها قطعة سكَّر أو شيئًا من الفاكهة.
ثم اذهبْ بذلك البدوي إلى رجل تُوهِمه أنه ذلك الساحر، وقد تواطأتَ معه أن يناولكم تفاحًا! فماذا ترى حال البدوي إذا ناوله ذلك الرجل تفاحة؟ ألا تراه يُحجِم عن تناولها، وإن تناولها وجدته متقذرًا لها، فإذا أُمر بشمِّها لم يكد يدنيها من أنفه، وإن أُمر بذوقها أنكر ذلك ولم يطقه!
ولهذا كان علماء السلف يتباعدون عن سماع الشبهات، وينهون الناس عن مجالسة أهلها، أو سماع كلامهم. وإنما ذلك لأنهم عرفوا أنهم وعامة المسلمين قد حصل لهم اليقين الكامل بصحة الدين وأصوله، ولا يرجى من سماع الشبهات فائدة ما، بل يُخشى منها أن تُزلزِل ذلك اليقين.
[ ١٩ / ١١ ]
والمقصود أن الله ﵎ جعل الشبهات لِتَعرِض لمن شاء من عباده، فمنهم من تَعرِض له فيُعرِض عنها ثقةً بما عنده من الحجة، فيكون هذا كمالًا له.
ومنهم من تعرض له قبل معرفة الحجة، فيبذل وسعه في النظر حتى يرزقه الله معرفة الحجة، ويكون ذلك كمالًا له.
ومنهم من تعرض له وقد عرف الحجة، ويحس من نفسه قوة على حل الشبهة، فيسعى في ذلك نصيحة لخلق الله ﷿، فيكون ذلك كمالًا له.
ومنهم من يكون له هوى في خلاف الحجة، فإذا بغتَتْه الحجة كرهها، فعرضت له الشبهة فاستراح إليها، فبقي على الحال التي تليق به، إذ لولا الشبهة لربما قهرته الحجة فيقبلها مكرهًا، وليس ذلك بكمال.
ومنهم من لا يكون له رغبة في الكمال، ولكنه يأنف من الاعتراف بالجهل، فحاول النظر فعرضت له شبهة، فقنعَ بها، ولم يُتعِب نفسه في طلب الحق.
ومنهم من يكون قد عرف الحق ولكنه لا يريد الخضوع له، ويأنف من أن يقال: إنه يردُّ الحق مع علمه به، فتعرِض له الشبهة فيتمسك بها ويدعي أنها الحق.
إلى غير ذلك من حِكَم الله ﷿، وقد يجمعها أو غالبها اسم "الابتلاء".
وقال الله ﵎: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾
[ ١٩ / ١٢ ]
[الملك: ١]. وقال ﷿: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً﴾ [الحج: ٥٣]، وقال سبحانه: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥].
وراجع آيات الفتنة والابتلاء في القرآن، فإنها كثيرة.
وقال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦].
فهذا حال هذه الشبهة ونظائرها.
[ص ٢٥] الشبهة الثالثة: أن يقال: إذا كانت السنة مفروضًا اتباعُها كالقرآن فلماذا لم يأمر النبي - ﵌ - بكتابتها؟ بل نقل عنه النهي عن ذلك. ولماذا لم يعتنِ الخلفاء بجمعها؟ بل جاء عنهم ما يخالف ذلك.
أقول: أما نهيه - ﵌ - عن الكتابة فإنما ورد بذلك حديث واحد أخرجه مسلم (^١)، وأعله البخاري وغيره فقالوا: الصحيح أنه من قول أبي سعيد الخدري (^٢).
وقد جاءت في الإذن أحاديث، وأكثر الصحابة لم يكونوا يرون بها بأسًا.
_________________
(١) برقم (٣٠٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري.
(٢) انظر "فتح الباري" (١/ ٢٠٨) و"تقييد العلم" للخطيب (ص ٣٢).
[ ١٩ / ١٣ ]
فأما ما روي عن عمر (^١): فاستشار الصحابة فأشاروا عليه بكتابة السنن، فطفق يستخير الله تعالى شهرًا، ثم عزم أن لا يفعل، وقال: "إني ذكرت قومًا كانوا قبلكم كتبوا كتبًا فأكبُّوا عليها، وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أَلبِس كتابَ الله بشيء أبدًا".
ففي هذا الأمر اتفاقهم على أنها حجة، ثم اتفقوا على الكتابة، إلا أن عمر خشي مفسدة أن تؤدي كتابتها إلى إعراض الناس عن القرآن. وليس في هذا ما يخدش في معرفته بأنها حجة، ولاسيما مع ما تواتر عنه من التدين بها والحكم بها.
والذي أرى أن الله ﷿ إنما خار له عدم الكتابة، لأنه إن كتب كان الغالب أن لا يستوعب؛ لكثرة السنة، ولغيبة كثير ممن سمع كثيرًا منها، ولنسيان كثير منهم لبعض ما سمعه أو شاهده، فلعل أحدهم إنما كان يذكر عند حدوث واقعة تشبه الواقعة في عهده - ﵌ -، ونحو ذلك. ولعله أن يظهر لهم من بعض الأقوال أو الأفعال أنه لا حكم فيه، فلا يكتبونه، وقد أعدَّه الله ﷿ لمن يفهمه ممن بعدهم إذا دعت الحاجة إليه، كما يشير إليه حديث: "فربَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع" (^٢).
فالحاصل أن عمر لو كتب لم يستوعب، ولكان ذلك ذريعة إلى رد كثير
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في "المصنّف" (١١/ ٢٥٧ - ٢٥٨) ومن طريقه الخطيب في "تقييد العلم" (٤٩) وابن عبد البر في "جامع بيان العلم" (٣٤٣). ورواه الخطيب من غير وجه.
(٢) أخرجه البخاري (١٧٤١) ومسلم (١٦٧٩) من حديث أبي بكرة ضمن خطبته - ﷺ - يوم النحر.
[ ١٩ / ١٤ ]
من السنن، بأن يقول من يأتي بعدُ: لا أقبل من السنة إلا ما في كتاب عمر، ولو كانت هذه السنة صحيحة لما ترك عمر كتابتها، وأشباه ذلك.
فأما عدم أمر النبي - ﵌ - بكتابتها فلأمور:
منها: خشية التباسها بالقرآن.
ومنها: أنه لا يتيسر الاستيعاب، لأن جميع حركاته - ﵌ - وسكناته من السنة. ولو كُتِب مع [عدم] الاستيعاب كان ذلك ذريعة إلى ردِّ ما لم يكتب، كما مرّ.
ومنها: كراهية أن يتقاعد الناس عن طلب السنة وتلقِّيها من أهلها، فيكتفي كل واحد بكتاب ينسخ له فيضعه في بيته، وهو جاهل لأكثر ما فيه.
وفي ترك الكتابة مصلحة عظيمة، بأن يحتاج المسلم إلى الطلب والسماع والحفظ، وبذلك لا ينال العلم إلا مَن هو مِن أهله. ولهذا لما أطبق الناس على الكتابة اشترط العلماء للرواية أن يكون الرجل قد سمع، واشترط بعضهم الحفظ، ومن لم يشترطه فقد نوَّه بفضل الحفظ وعلو درجته.
ووراء هذا كله ما تقدم من حكمة الخلق والتكليف، فتدبر. وحِكَم أخرى يطول بيانها، وقد شرحتُ بعضها في موضع آخر.
الشبهة الرابعة: ما جاء عن ابن عباس: "لما اشتدَّ بالنبي - ﵌ - وجعه قال: ائتوني بكتابٍ أكتبْ لكم كتابًا لا تضلّوا بعده. قال عمر: إن النبي - ﵌ - غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسْبُنا، فاختلفوا وكثر اللغطُ، قال: قوموا عني " (^١).
_________________
(١) أخرجه البخاري (١١٤) ومسلم (١٦٣٧).
[ ١٩ / ١٥ ]
يقال: فهذا عمر يقول: "عندنا كتاب الله حسبنا"، ثم يقرُّه النبي - ﵌ -؛ إذ لم ينقل أنه - ﵌ - أنكر عليه هذه الكلمة.
أقول: يقع لي أن عمر كان يستحضر حينئذٍ قول الله ﷿: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فرأى أن الدين قد كمل، فلم يبق موضع للزيادة فيه.
غاية الأمر أن يريد النبي - ﵌ - أن يذكِّرهم ببعض ما قد علموه، أو يؤكِّد عليهم أمره، أو نحو ذلك.
فكأنه يقول: إن كان بقي شيء من أمر الدين لم يعلِّمناه رسول الله - ﵌ - فلا بد أن يكون في القرآن؛ بدليل أن الدين قد كمل، فلماذا نَشُقُّ على النبي - ﵌ - في شدة وجعه؟ وهذا رأي رآه، وقد كان مأذونًا لهم إذا أمرهم النبي - ﵌ - بأمر أن يراجعوا، فإذا أعاد عليهم الأمر كان لهم أن يراجعوه الثانية، فإذا أمرهم الثالثةَ تعين الامتثال، كما صرح به جابر في حديثه. "مسند أحمد" () (^١).
والمراجعة ثابتة في أحاديث كثيرة:
منها مما وقع لعمر نفسه: مراجعته النبي - ﵌ - في الصلاة على عبد الله بن أُبي (^٢).
_________________
(١) ترك المؤلف بياضًا بين القوسين، وتصريح جابر بجواز مراجعة النبي - ﷺ - مرتين ورد ضمن إحدى روايات قصة أمر النبي - ﷺ - له ببيع جمله في "المسند" (٣/ ٣٥٨ - ٣٥٩) من الطبعة القديمة، وبرقم (١٤٨٦٤) ط. مؤسسة الرسالة. وأصله في "صحيح مسلم" (٣/ ١٢٢٢ برقم ٧١٥).
(٢) أخرجه البخاري (١٢٦٩، ٤٦٧٠، ٤٦٧٢، ٥٧٩٦) ومسلم (٢٤٠٠، ٢٧٧٤) من حديث ابن عمر.
[ ١٩ / ١٦ ]
ومراجعته له لما أمر أبا هريرة أن يبشر الناس (^١). [ص ٢٦] وغير ذلك.
ومع هذا فقد كان عمر يعتقد أن النبي - ﵌ - لا يموت من وجعِه ذلك، كما صرح بذلك بعد موته - ﵌ -.
وبالجملة، فقد تواتر عن عمر امتثالُه سنةَ النبي - ﵌ - وتديُّنه بها في حياة النبي - ﵌ - وبعدها، فلا بد من حمل كلمته تلك على ما لا يخالف ذلك.
يُعيِّن ذلك أن فرض اتباع السنة متواتر عن النبي - ﵌ - وأصحابه، فلو فهموا من كلمة عمر ما يخالف ذلك لاشتد نكيرهم عليه، ولو كان لهذا الحديث أهمية عظيمة كما يتوهمه كثير من الناس لكثر ناقلوه من الصحابة الذين حضروا القصة، ولم ينفرد بنقله أصغرهم سنًّا يومئذ، وهو ابن عباس.
وليس مقصودي من هذا توهين رواية ابن عباس كما مال إليه بعض المتأخرين، وإنما مقصودي أن غيره من أكابر الصحابة لم يروا لذلك أهمية فسكتوا عنه. وقد كان ابن عباس يُجِلُّ عمر ويُبجِّلُه في حياته وبعد مماته، وشهادته له بعد أن أصيب مشهورة (^٢)، وكذلك قوله بعد موت عمر بمدة: "حدثني أناس مرضيُّون وأرضاهم عندي عمر" (^٣) إلى غير ذلك.
وقوله - ﵌ -: "لا تَضِلُّوا بعده"، أراد ــ والله أعلم ــ إذا عملتم بما فيه؛ إذ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣١) من حديث أبي هريرة ضمن قصته.
(٢) فقد قال لعمر: "أبشِرْ بالجنة، صاحبتَ رسولَ الله - ﷺ - فأطلتَ صحبتَه، ووليتَ أمر المؤمنين فقويتَ وأديتَ الأمانة". أخرجه أحمد في "المسند" (٣٢٢) وابن سعد في "الطبقات" (٣/ ٣٥٣)، وإسناده صحيح.
(٣) أخرجه البخاري (٥٨١).
[ ١٩ / ١٧ ]
قد علم - ﵌ - وأخبر بأن أناسًا وفرقًا من أمته سيضلون. والأخبار بذلك كثيرة متواترة في المعنى. وإذ كان الأمر كذلك فهذا المعنى ــ أعني عدم الضلال بشرط العمل بما فيه ــ ثابت للقرآن بلا ريب.
وبقيتْ أشياء تتعلق بالحديث ليس هذا موضعها.
وقد قدَّر الله ﷾ أن تكون تلك القضية من جملة الشبه التي يُضِلّ بها سبحانه من يشاء من عباده، كما تقدم.
ومما يذكر هنا ما جاء عن عمر أنه بعث قومًا إلى الكوفة فأوصاهم، قال (^١):
[إنكم تأتون الكوفة، فتأتون قومًا لهم أزيزٌ بالقرآن، فيقولون: قدم أصحاب محمد، قدم أصحاب محمد، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث، فأقِلُّوا الروايةَ عن رسول الله - ﷺ - وأنا شريككم فيه].
وليس في هذا إلا الإقلال من الرواية عندما يخاف أن يُعرض الناس عن القرآن، ويشتغلوا بها. وهذا حق؛ لأن تعلُّم كتاب الله تعالى أهم وأقدم، وليس في ذلك منعٌ من ذكرِ الحديث عندما يحتاج إليه، أو تحديثِ من قد حفظ كتاب الله وتعلَّمه.
فأما ما جاء عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن عمر قال لابن مسعود، ولأبي الدرداء، ولأبي ذر: "ما هذا الحديث عن رسول الله - ﵌ -؟، وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى أصيب" ("المستدرك" ١/ ١١٠) = فإنما أنكر عليهم الإكثار، فإن الإكثار مظنة الزلل، ومظنة أن يَشْغَل عن تعلم القرآن، كما مرّ.
_________________
(١) ترك المؤلف بعده فراغًا، والنصّ من "سنن الدارمي" (٢٨٦) ..
[ ١٩ / ١٨ ]
وقوله: "وأحسبه حبسهم بالمدينة" حُسبانٌ فقط، قد يصح وقد لا يصح، ثم المراد بالحبس بالمدينة إبقاؤهم فيها ومنعهم من الخروج منها، لا السجن كما قد يُتوهَّم. مع أن في منعهم من الخروج من المدينة نظرًا، فقد بعث عمر ابن مسعود إلى الكوفة، وأقام بها مدة. وليراجع التاريخ وتراجم هؤلاء.
وقد كان عمر نفسه يحدِّث عن النبي - ﵌ -، وحديثه في كتب الحديث كثير.
* * * *
[ ١٩ / ١٩ ]