قسم بعض الأصوليين (^١) الأخبار إلى مقطوع بكذبه، ومقطوع بصدقه، وغيرهما.
فذكروا من المقطوع بكذبه ما قام البرهان القاطع على خلافه.
أقول: الشأن كل الشأن في البرهان القاطع، فإذا صح فالحديث المخالف له لا يخلو عن وجهين:
الأول: أن يكون في إسناده خلل.
الثاني: أن يكون وقع تغيير في متنه بزيادة أو نقص، أو تقديم أو تأخير، أو تبديل لفظ بآخر، أو نحو ذلك مما يغير المعنى.
ولن تجد إن شاء الله تعالى برهانًا قاطعًا يقينيًّا (^٢) مخالفًا لحديث إلا وجدت ــ إن كنت من أهل الحديث والفهم ــ ما يدلك على أحد الوجهين المذكورين.
قال بعضهم: ومن المقطوع بكذبه ما نُقِّب عنه فلم يوجد عند أهله. وردَّه بعضهم.
وأقول: له وجه إذا كان يتضمن حكمًا شرعيًّا لم يثبت بغيره، فإن الله ﵎ متكفل بحفظ الشريعة؛ لأن محمدًا - ﵌ - خاتم الأنبياء،
_________________
(١) انظر: "المستصفى" (١/ ١٤٠ وما بعدها) و"إرشاد الفحول" (ص ٤٠، ٤١) ط. المنيرية ١٣٤٧ هـ.
(٢) في الأصل: "يقينًا".
[ ١٩ / ٢٠ ]
وشريعته خاتمة الشرائع، فلا يجوز أن يذهب حكم من أحكامها بحيث لا يبقى في ما حفظ منها حجة عليه.
والحق أنه إذا وجد خبر منسوب إلى النبي - ﵌ - فلا يخلو عن واحد من أربعة أوجه:
الأول: أن يكون هو
_________________
(١) أو حجةٌ توافق معناه موجودًا في المحفوظ من الشريعة بنقلٍ تقوم به الحجة. الثاني: أن يكون كان شيء فنُسِخ. الثالث: أن يكون وقع في متنه تغيير، كما تقدم. الرابع: أن يكون كذبًا، عمدًا أو خطأً. فإذا قامت الحجة على نفي الثلاثة الأولى تعين الكذب. والله أعلم. قالوا: ومنه المنقول آحادًا، والعادة قاضية بأنه لو صح لنُقِل بالتواتر، لتوفر الدواعي على نقله. وأقول: ينبغي التثبت في هذا، فقد تقع القضية ولا يحضرها إلا الواحد أو الاثنان، وقد يحضر جماعة ولا ينتبه لها منهم إلا الواحد أو الاثنان، وقد يشاهدونها ولا يرون لها أهمية فلا ينقلونها. ومثال هذا: اليوم الذي توفي فيه النبي - ﵌ -، فالخلاف فيه بين المتأخرين كثير، ولا يكاد يصح فيه شيء. وقد يشاهدونها ويرون لها أهمية، ولكن لا يرون لنقلها أهمية، إما لاعتقادهم [أنها] قد نُقِلت نقلًا كافيًا في بيانها، وليس هناك من ينكرها، كما في انشقاق القمر؛ لأنهم يرونه مع الشهرة بينهم مذكورًا في القرآن، ولم يبق من العرب من يرتاب في القرآن. وإما لاعتقادهم أنها أمر معلوم
[ ١٩ / ٢١ ]
مكشوف لا يحتاج إلى أن يُذكر، ومن هذا ــ والله أعلم ــ معنى "الإله" و"العبادة"، فقد كان واضحًا عند المشركين فضلًا عن المسلمين، ثم صار بعد القرون الأولى مشتبهًا، كما أوضحته في رسالة "العبادة".
وقد يخلو عن هذه كلها، ولكن يتواطؤون على الكتمان.
نعم، هذه الأمور كلها لا تحتمل فيما مثَّلوا به، وهي دعوى بعض الشيعة أن النبي - ﵌ - جمع أصحابه وبيَّن لهم بيانًا قاطعًا أن عليًّا ﵁ ولي عهده، وولي أمرهم من بعده. ولكن قد يحتمل بعضها في غير هذا المثال.
وقد أشار الحازمي في "الاعتبار" (^١) إلى ذلك في بحث الجهر بالبسملة، وإن كان فيه نظر.
وقد ثبت أن الأئمة في عهد عثمان تجوَّزوا في الجهر بتكبيرات الصلاة، ومضى على ذلك زمان حتى جهله كثير من الناس، فصلى عكرمة خلف أبي هريرة، فجهر أبو هريرة بالتكبيرات، فذهب عكرمة إلى مولاه ابن عباس فقال: صليت خلف شيخ أحمق، فكبر ، فقال ابن عباس: ثكلتك أمك، تلك سنة أبي القاسم - ﵌ - (^٢).
وصلى علي ﵁ بالكوفة، فجهر بالتكبيرات، فقال عمران بن حصين: قد ذكَّرني هذا صلاةَ محمد - ﵌ - (^٣).
_________________
(١) (ص ٥٨).
(٢) أخرجه البخاري (٧٨٨).
(٣) أخرجه البخاري (٧٨٤، ٧٨٦) ومسلم (٣٩٣) من حديث مطرف بن عبد الله. وفي الرواية الأولى للبخاري أنه صلاها بالبصرة. وفي "المسند" (١٩٨٤٠، ١٩٨٦٠) بالكوفة.
[ ١٩ / ٢٢ ]