وأجاب (^١) بأن القرآن معجزة الرسول، فالمطلوب منه إقامة الحجة القاطعة على رسالته.
أقول: بل نلتزم وجوب قبول الحديث الصحيح في هذا أيضًا. وقد كان في أول الإسلام يثبت القرآن بخبر الواحد، فقد كان الرجل يسلم ويتعلم سورًا من القرآن، ثم يذهب إلى قبيلته فيدعوهم، ويعلِّم من يُسلِم منهم (^٢) تلك السور، ويتلونها، ويصلّون بها، ويعملون بها.
ولو ذهب الآن رجل مسلم إلى جزيرة منقطعة فدعا أهلها إلى الإسلام، فأسلموا، وعلَّمهم سورًا من القرآن، فتلَوها، وصلَّوا بها، وعملوا بها= لكانوا محسنين.
فإن فُرِض أنه أدخل في القرآن ما ليس منه، وكانوا قد اختبروه
_________________
(١) أي الآمدي في "الإحكام" (٢/ ٧٤).
(٢) في الأصل: "منه".
[ ١٩ / ٧٧ ]
فظنوه ثقةً، فلا إثم عليهم، إلا أن تقوم عليهم الحجة، أو يتحقق تقصيرهم.
وأما قول أهل العلم: لا يثبت القرآن بخبر الواحد؛ فالمعنى في ذلك أن الصحابة ﵃ جمعوا القرآن، واتفقوا على أنه لم يبق منه آية محكمة إلا وهي فيما جمعوه، ثم تواتر ذلك المجموع إلينا، فثبت بذلك أن ما لم يكن في ذلك المجموع فليس من القرآن المحكم. بل إما أن لا يكون كان منه البتة، وإما إن يكون كان منه فنُسِخ.
فما ثبت بالأحاديث الصحيحة على أنه من القرآن، ولم يكن فيما جمعه الصحابة ﵃، فالظاهر أنه كان منه فنسخ. ويجب قبول تلك الأحاديث على هذا المعنى.
ثم إن وجدنا في الكتاب أو السنة ما هو صريح في خلاف معنى ذلك الكلام الذي نقول بأنه كان من القرآن فنُسِخ، تبين لنا أنه نُسِخ معناه كما نُسِخت تلاوته.
وإن وجدنا فيهما ما يوافق معناه تبين لنا أن الحكم باقٍ.
وإن لم نجد لا ذا ولا ذاك، وقلنا بأن نسخ التلاوة مع بقاء الحكم ممكن شرعًا= كان حجة، كما لو نُقِل على أنه من كلام النبي - ﵌ -.
وقد احتج أهل العلم بأشياء من ذلك كما هو معروف.
والحاصل أن عدم ثبوت أنه قرآن محكم إنما هو لقيام الحجة على أنه ليس منه، ولو اتفق مثل هذا في الأحكام الفرعية بأن يصح حديث في شيء بأنه من أركان الصلاة، وتكون عندنا حجة أقوى منه على أنه ليس منها؛ فإننا نقضي بأنه ليس منها.
[ ١٩ / ٧٨ ]