ومن هذه الأمثلة الاختلاف الوارد في جملة: (ثلاث غُرف) أو (ثلاث غرفات) و(ثلاث مرار)، (وثلاث مرات) حيث اختلف البصريون والكوفيون في استعمال جمع الكثرة مكان جمع القلة في أسماء العدد.
فحكم العدد من ثلاثة إلى عشرة في التذكير ومن ثلاث إلى عشر في التأنيث، أن يضاف إلى أحد جموع القلة الستة، وهي: أفْعَل، وأفعَال، وفعلة، وأفعلة، والجمع بالألف والتاء، وجمع المذكر السالم.
فإن لم يجمع المعدود بأحد هذه الستة جيء بدله بالجمع المستعمل، كقولك: ثلاثة سباع وثلاثة ليوث.
ومنه قول أم عطية ﵂: جعلن رأس بنت رسول الله - ﷺ - ثلاثة قرون (٢).
فإن كان المعدود جمع قلة وأضيف إلى جمع كثرة، لم يقس عليه كقوله تعالى ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فأضيف ثلاثة إلى
_________________
(١) «شواهد التوضيح» ص: ٨٢ - ٨٣.
(٢) رواه البخاري كتاب الجنائز، باب نقض شعر المرأة.
[ ٢ / ٥٦٨ ]
قروء، وهو جمع كثرة مع ثبوت أقراء، وهو جمع قلة، ولكن لا عدول عن الاتباع عند صحة السماع كما قال ابن مالك. ومن هذا القبيل قول حُمران: (فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلاَثَ مِرَارٍ) (١) فإن مرارًا جمع كثرة وقد أضيف إليه، مع إمكان الجمع بالألف والتاء، وهو من جموع القلة، فثلاث مرار نظير ثلاث قروء.
وأما قول النبي - ﷺ -: (يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَاتٍ) (٢) فوارد على مقتضى القياس، لأن الجمع بالألف والتاء جمع قلة.
وأما قول عائشة ﵂: (ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَاسِهِ ثَلاَثَ غُرَفٍ) فالقياس عند البصريين أن يقال: (ثلاث غُرفات) - كما جاء ذلك عند الأصيلي كما في هامش «اليونينية» وعزاها الحافظ في الفتح للكشميهني - لأن الجمع بالألف والتاء جمع قلة والجمع على فُعَل عندهم جمع كثرة.
والكوفيون يخالفونهم، فيرون أن فُعَلًا وفِعَلًا من جموع القلة، ويعضدُ قَوَلَهم قولُ عائشة ﵂ (ثلاث غُرف) كما جاء عند جمهور الرواة في هذا الحديث.
كما يؤيد هذا المذهب وهذه الرواية قول الله تعالى: ﴿فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ﴾ [هود: ١٣] ويعضد قولهم في فِعَل قوله تعالى ﴿عَلَى أَن تَاجُرَنِي
_________________
(١) رواه البخاري كتاب: الوضوء، باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا ١/ ٤٣ (١٥٩). وفي «اليونينية» ثلاث مرار، وفي الحاشية رمز أنها عند الأصيلي، وكريمة، ونسخة أخرى (مرات).
(٢) رواه البخاري في كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الصلوات الخمس كفارة، ١/ ١١٢ (٥٢٨) ولفظه: (كل يوم خمسًا) ومسلم في صحيحه كتاب المساجد، باب: المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا. (٦٦٧) ولفظه: (كل يوم خمس مرات).
[ ٢ / ٥٦٩ ]
ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧] فإضافة (ثلاث) إلى (غرف)، و(عشر) إلى (سور)، و(ثماني) إلى (حجج)، مع إمكان الجمع بالألف والتاء، دليل على أن فُعَلًا وفِعَلًا جمعا قلةٍ، للاستغناء بهما عن الجمع بالألف والتاء.
والحاصل أن (ثلاث غُرف) إن وُجَّه على مذهب البصريين، ألحق بثلاثة قروء، وإن وجه على مذهب الكوفيين فهو على مقتضى القياس.
وعليه يمكن أن يقال أن كلا الروايتين على مقتضى القياس عند أحد المدرستين. فرواية (ثلاث غُرف) و(ثلاث مرار) على مقتضى القياس على مذهب الكوفيين، و(ثلاث غُرفات) و(ثلاث مرات) على مقتضى القياس على مذهب البصريين. والله أعلم (١).