لقد بذل علماء الحديث المهتمون بصحيح البخاري جهودًا علمية كبيرة بعد وقوفهم على روايات «الصحيح» العديدة وهي جهود كبيرة ومشكورة، وكان من أبرز من اعتنى بهذا الجانب الإمام أبو علي الجياني ثم الحافظ ابن حجر، وقد ذكرنا نماذج من توجيهاتهم للروايات في الفصل السابق على أن الحافظ ابن حجر قد وقف على توجيهات الجياني وغيره من العلماء ممن تكلم في هذا الشأن كما وقف على طائفة من نسخ «الصحيح» المعتبرة، ذات القيمة العلمية الكبيرة مما لم يستطع غيره الوقوف عليها ومن هنا استطاع أن يوظف اختلاف الروايات في «الجامع الصحيح»، ويستخلص منها نتائج، خدمت السنَّة النَّبوية، وأسبغت على كتابه «فتح الباري» طابعًا مميزًا، جعلت منه سفرًا يرقى فوق مستوى النقد المتدني الذي حاول البعض أن يوجهه إليه.
_________________
(١) . تقييد المهمل ٢/٥٦٥.
[ ٨٩ ]
ويمكنني أن أجمل أهم العوامل التي جعلت من كتاب «فتح الباري» كتابًا ينال السبق على غيره من الشروح للجامع الصحيح، في بيان المعاني واختلاف الروايات في «الجامع الصحيح» بالنقاط التالية:
١ - اطلاع الحافظ ابن حجر على أشهر الروايات للجامع الصحيح، وقراءتها بتدبر وتأنٍ عظيم، ومعارضته لهذه الروايات بعضها ببعض.
٢ - مراجعته لنسخ متعددة من «الجامع الصحيح» وحرصه على النسخ الموثقة التي اطلع عليها الحفاظ.
٣ - قراءاته للشروح المختلفة للجامع الصحيح، وتوظيفه نتائج هذه الشروح لخدمة الصحيح.
٤ - استعراضه للمستخرجات على الجامع الصحيح، أو على الصحيحين معًا، وكذا المصنفات التي تجمع بين الصحيحين، ومعارضة رواية هذه المستخرجات بالروايات المتوفرة لديه.
٥ - عنايته الواسعة بتخريج النصوص من المصادر الحديثية المتنوعة، وبيان الروابط الدقيقة التي تجمع بين الروايات المختلفة.
٦ - توخي الدقة التامة والتمسك بالنصوص، من أجل الوصول إلى غايته المنشودة، في ضبط النصوص، والوصول إلى أدق الروايات وأتقنها.
٧ - التخصص الدقيق في الحديث وعلومه، إضافةً إلى ثقافته الواسعة في العلوم الشرعية، والتاريخية، والعربية المتعددة الجوانب والتي كان يتمتع بها الإمام ابن حجر، قد أعانته على إلقاء الضوء حول مسألة اختلاف الروايات، وغيرها من المسائل التي حفل بها «الجامع الصحيح»، يضاف إلى هذا نشاطه الجم، وعرضه العلمي للموضوعات
[ ٩٠ ]
المتنوعة الجوانب، من دون تعصب نحو اتجاه معين، اللهم إلا خدمة النَّص بأسلوب المحدثين، جعلت منه الشخص المناسب للقيام بهذا العمل العلمي المتقن.
والله الكريم نسأله التوفيق والسداد في القول والعمل، وأن يرزقنا حسن النية والإخلاص إنه هو الجواد الكريم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٩١ ]