حدثنا الحسن بن علي الحلواني وعلي بن نصر الجهضمي قالا: حدثنا وهب بن جرير، حدثنا شعبة، عن الأعمش بهذا الإسناد لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا إخوانا كما أمركم الله ٤/ ١٩٨٥.
ــ
قال أبو علي الغساني: "ومن كتاب الأدب عند مسلم: حدثنا محمد بن المثنى، قال نا أبو داود، قال نا شعبة، عن قتادة، عن أنس: أنَّ النبي - ﷺ - قال: "لا تحاسدوا ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا".
ثم عقَّب بعد هذا بقوله: حدثنا علي بن نصر، قال نا وهب بن جرير، قال نا شعبة، بهذا الإسناد مثلة.
هكذا عند أبي أحمد: حدثنا علي بن نصر، وهو: أبو الحسن علي بن نصر بن علي بن نصر الجهضمي، روى مسلم عن أبيه: نصر بن علي كثيرًا، وروى عن ابنه علي بن نصر في هذا الموضع.
وفي نسخة أبي العلاء بن ماهان: حدثنا نصر بن علي، قال نا وهب بن جرير، بدل علي بن نصر، ورواية أبي أحمد الصواب.
ثم قال أبو علي الغساني: ذكر مسلم بعد هذا بأحاديث حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تحاسدوا ولا تباغضوا، ولا تجسسوا" ثم أردف بعد هذا: حدثنا علي بن نصر، قال نا وهب بن جرير، قال نا شعبة، عن الأعمش بهذا الإسناد: "لا تقاطعوا ولا تدابروا" الحديث. ولم تختلف النسخ في هذا الموضع في هذه المتابعة انها عن علي بن نصر، ومات علي بن نصر هذا مع أبيه نصر بن علي في سنة واحدة، سنة خمسين ومائتين، توفي الأب في ربيع الآخر، ومات ابنه في شعبان من السنة المذكورة" (١).
_________________
(١) تقييد المهمل وتمييز المشكل ٣/ ٩٢٠ و٩٢١ و٩٢٢.
[ ٢٠٠ ]
ــ
وأكد ذلك الإمام المازري وقال: "جعل بدل علي بن نصر، نصر بن علي"، وأيد أبا علي الغساني في عدم الخلاف في الموضع الثاني (١).
وقال القاضي عياض: وافق الإمام المازري ابن ماهان على الرواية الأولى فيما قيدناه عن شيوخنا العذري عن الرازي، والطبري عن الفارسي كلاهما عن الجلودي، وإنما قيدنا علي بن نصر عن السمرقندي عن الفارسي عن السجزي عن الجلودي (٢). وأما الحديث الآخر الذي لم تختلف عنده فيه النسخ في علي بن نصر عن وهب بن جرير فأكثر الرواة فيها على ما قال (٣).
ثم كرر القاضي ذكر هذا الخلاف وخطأ رواية ابن ماهان لكنه أضاف: "ولا يبعد عندي صواب الروايتين لأن علي بن نصر وأباه نصر بن علي قد روى مسلم عنهما جميعا ولا تبعد رواية علي بن نصر وأبيه جميعا عن وهب فإنهما ماتا جميعا الأب والابن في سنة واحدة سنة خمسين ومائتين" (٤).
وذكر الإمام النووي الخلاف وقال عن الموضع الأول: هَكَذَا هُوَ فِي جَمِيع نُسَخ بِلَادنَا وأيد وقوع الخلاف الذي ذكروه في بعض النسخ وهو غلط، وردَّ قول القاضي عياض في سماع الأب من وهب بن جرير، والجمع بينهما فقال: وَلَا يَلْزَم مِنْ سَمَاع الِابْن مِنْ وَهْب سَمَاع الْأَب مِنْهُ، وَلَا يُقَال: يُمْكِن الْجَمْع، فَكِتَاب مُسْلِم وَقَعَ عَلَى وَجْه وَاحِد، فَاَلَّذِي نَقَلَهُ الْأَكْثَرُونَ هُوَ الْمُعْتَمَد لَا سِيَّمَا وَقَدْ صَوَّبَهُ الْحُفَّاظ (٥).
فالحديث الأول الذي أُختلف في سنده في باب تحريم التحاسد والتباغض والتدابر، وقع فيه للمغاربة من رواية الأب نصر بن علي بن نصر، وفي رواية
_________________
(١) ينظر المعلم بفوائد مسلم ٣/ ٢٨٧، وإكمال المعلم بفوائد مسلم ٨/ ٢٩، وفيه عبارة خاطئة تجعل الجد هو راوي الحديث، والأب موضع الخطأ، بل هو الأب والأبن وليس للجد شيء في هذا الحديث.
(٢) وكلها روايات فرعية تتفرع من رواية ابن سفيان راوي المشارقة عن مسلم.
(٣) المصدر نفسه ٨/ ٤٢.
(٤) مشارق الأنوار على صحاح الآثار ٢/ ٣٦. ٤٤
(٥) شرح النووي على صحيح مسلم ٨/ ٣٥٣.
[ ٢٠١ ]
ــ
المشارقة وقع من رواية الأبن علي بن نصر بن علي بن نصر، فالذي ذهب إليه القاضي عياض هو الجمع بين الأب والابن بأن يروي مسلم عنهما وهوالصواب في الروايتين قال الحافظ المزي: "وهب بن جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله بن شجاع الأزدي أبو العباس البصري: روى عن علي بن نصر بن علي الجهضمي، ونصر بن علي الجهضمي" (١). والوجه الذي يحكيه الإمام النووي واحد؛ لأنه من رواية ابن سفيان، والقاضي جمع الوجه الاخر للصحيح من رواية ابن ماهان، وبما أنه ثبت أن الأب والابن رويا عن وهب جميعًا فإمكان هذا الإختلاف وارد ولا تعارض بينهما وقد حكى الحافظ ابن حجر (٢) توثيق الإمام النسائي وغيره للأب والابن ولما كانا ثقتان لا يضر بدل أحدهما مكان الآخر.
والموضع هذا ليس من السهولة الفصل فيه فقد انقسم الحفاظ إلى فريقين، فريق يؤيد رواية المشارقة بأن يكون كلا الحديثين عن الابن علي بن نصر بن علي بن نصر الجهضمي ومنهم الحافظ المزي (٣)، وفريق يؤيد رواية المغاربة ومنهم ابن منجوية، فقال: "نصر بن علي روى عن وهب بن جرير في الصلة" (٤).
وروى البيهقي في شعب الإيمان هذا الحديث بسند آخر وقال في آخره: "رواه مسلم في الصحيح عن نصر بن علي عن وهب بن جرير" (٥).
فهذا حاصل ما يراه المتتبع لهذا الحديث، والله أعلم. والحديث الثاني غير المختلف فيه في باب تحريم الظن والتجسس والتنافس والتناجش ونحوها، لم يقع فيه خلاف فهو عن علي بن نصر، أورده الحافظ المزي (٦).
_________________
(١) ينظر تهذيب الكمال٣١/ ١٢٢ و١٢٣.
(٢) ينظر تهذيب التهذيب ٧/ ٣٤١.
(٣) تحفة الأشراف ١٢٨٤، ١/ ٣٣٤.
(٤) ينظر رجال صحيح مسلم ٢/ ٢٨٩.
(٥) شعب الإيمان: الثالث والأربعون من شعب الإيمان، وهو باب في الحث على ترك الغل والحسد ٥/ ٢٦٣.
(٦) تحفة الأشراف، والنكت الظراف: بتسلسل ١٢٤٠٣، ٩/ ٣٥٨.
[ ٢٠٢ ]