أي هذا مبحثها وهي النوع الثامن والعشرون والتاسع والعشرون والثلاثون هذا هو الظاهر من صنيعه حيث جعل الاعتبار قسيمًا للآخرين وتبع في ذلك ابن الصلاح وغيره حيث قال: معرفة الاعتبار إلخ.
واعترض الحافظ على هذه العبارة فقال: هذه العبارة توهم أن الاعتبار قسيم للمتابعات والشواهد وليس كذلك بل الاعتبار هي الهيئة الحاصلة في الكشف عن المتابعات والشواهد وعلى هذا كان حق العبارة أن يقول معرفة الاعتبار للمتابعات والشواهد اللهم إلا أن يراد شرح الألفاظ الثلاثة لوقوعها في كلام الأئمة أفاده السخاوي.
والحاصل أن الاعتبار ليس قسيمًا للتابع والشاهد بل هو هيئة التوصل إليهما كما أشار إلى ذلك بقوله:
٢٠٨ - الاِعْتِبَارُ سَبْرُ مَا يَرْوِيهِ هَلْ شَارَكَ الرَّاوِي سِوَاهُ فِيهِ
٢٠٩ - فَإِنْ يُشَارِكْهُ الَّذِي بِهِ اعْتُبِرْ أَوْ شَيْخَهُ أَوْ فَوْقُ: تَابِعٌ أُثِرْ
٢١٠ - وَإِنْ يَكُنْ مَتْنٌ بِمَعْنَاهُ وَرَدْ فَشَاهِدٌ، وَفَاقِدٌ ذَيْنِ انْفَرَدْ
٢١١ - وَرُبَّمَا يُدْعَى الَّذِي بِالْمَعْنَى مُتَابِعًا، وَعَكْسُهُ قَدْ يُعْنَى
(الاعتبار) في اصطلاحهم مبتدأ خبره (سبر) بفتح السين المهملة ثم موحدة ساكنة مَصْدَر سَبرت الجُرحَ سَبْرًا من باب قتل إذا تعرفت عمقه،
[ ١ / ٢٢٧ ]
وسبرت القوم سبرًا من باب قتل، وفي لغة من باب ضرب إذا تأملتهم واحدًا بعد واحد لتعرف عددهم أفاده في المصباح، أي اختيارُ وتتبعُ (ما) أي الحديث الذي (يرويه) بعض الرواة من الدواوين المبوبة والمسندة وغيرهما كالمعاجم والمشيخات والفوائد ليُنظَر ويعرف (هل شارك) ذلك (الراوي) الذي يظن تفرده به (سواه) فاعل شارك والراوي مفعوله مقدمًا، ويجوز العكس، أي غيره (فيه) أي رواية ذلك الحديث الذي ظن أنه فرد.
والحاصل: أن الاعتبار هو أن يأتي الحافظ إلى حديث لبعض الرواة فيعتبره بروايات غيره من الرواة بسبر طرق الحديث أي تتبعها من الجوامع والمسانيد والمعاجم والمشيخات والفوائد والأجزاء ليعرف هل شاركه في رواية ذلك الحديث راو غيره أم لا (فإن يشاركه) أي ذلك الذي ظن تفرده بذلك الحديث (الذي به) متعلق بـ (ـاعتبر) بالبناء للمفعول، فالذي فاعل يشارك، ومعنى كونه معتبرًا به أن يصلح أن يخرج حديثه للاعتبار والاستشهاد به بأن كان ضعفه يسيرًا بأن لا يتهم بكذب وإنما ضعفه إما بسوء حفظه أوغلطه أو نحو ذلك.
والمعنى أنه إن وجد بعد السبر والتتبع من يشارك ذلك الراوي من الرواة المعتبر بهم وهو من لم يكن شديد الضعف ومن باب أولى إذا كان ثقة (أو شيخه) بالنصب عطفًا على المفعول به أي أو يشارك الراوي المعتبر به شيخه في روايته عن شيخه، يعني أنه إذا لم يوجد من يشارك الراوي نفسه ينظر هل شارك شيخه في الرواية عن شيخه فإن وجد، وإلا فينظر هل شارك من فوقه إلى آخر السَّند كما قال:
(أو) يشارك من (فوق) من الظروف المبنية على الضم لقطعها عن الإضافة ونية معناها، والظرف صلة لمحذوف وهو جائز كما في قول حسان:
أمَنْ يَهْجُو رسولَ اللهِ منكُم وَيمْدَحُهُ ويَنصُرُه سَواءُ
[ ١ / ٢٢٨ ]
أي من يمدحه إلخ، أي من فوق شيخه، وهو شيخ شيخه فصاعدا إلى آخر السَّند، وقوله: (تابع) خبر لمحذوف معٍ الرابط والجملة جواب الشرط أي فهو تابع أي ذلك المشارك يسمى تابعا.
وحاصل المعنى: أنه إذا وجد بعد الاعتبار من شارك ذلك الراوي المظنون انفراده ممن يعتبر به في الرواية عن شيخه أو كانت المشاركة لشيخه أو لمن فوقه إلى آخر السَّند فهذا يسمى تابعًا، وقوله (أُثِرْ) بالبناء للمفعول أي نقل صفة لتابع، أي هو تابع منقول عن أهل الحديث فإنهم سموه بذلك.
ثم إن كانت المتابعة للراوي نفسه فهي المتابعة التامة، وإن كانت لشيخه أو من فوقه فهي المتابعة القاصرة وكلما بعد فيه المتابع كان أنقص.
ثم إذا لم يوجد بعد السبر مشارك للراوي في رواية ذلك الحديث على الوجه المذكور ينظر هل أتى بمعناه حديث آخر فإن وجد فهو الشاهد، وإليه أشار بقوله: (وإن يكن متن) آخَرُ في الباب سواء كان عن ذلك الصحابي أو عن غيره (بمعناه) صفة متن أي بمعنى ذلك الحديث المظنونِ تفردُ الراوي به (ورد) خبر يكن، أي روي فهو (شاهد) جواب " إن "، أي يسمى شاهدًا لذلك.
والمعنى: أنه إذا وجد حديث آخر بمعنى الحديث يسمى شاهدًا، وفُهِمَ من هذا أن التابع مختص بما كان باللفظ سواء جاء من رواية ذلك الصحابي أم من غيره، والشاهد مختص بما كان بالمعنى كذلك، وهذا محكى عن جماعة كالبيهقي ومن وافقه، والذي رجحه الحافظ أنه لا اقتصار في التابع على اللفظ ولا في الشاهد على المعنى، وإنما افتراقهما بالصحابي فقط فَكُلُّماَ جاء عن ذلك الصحابي فهو تابع سواء كان باللفظ أم بالمعنى أو عن غيره فهو شاهد كذلك أفاده السخاوي.
ثم نوضح المذكور كله بذكر مثال تبعًا للنووي ﵀ حيث قال في التقريب:
[ ١ / ٢٢٩ ]
فمثال الاعتبار أن يروي حماد مثلًا حديثًا لا يتابع عليه، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - فينظر هل رواه ثقة غير أيوب، عن ابن سيرين فإن لم يوجد فغير ابن سيرين، عن أبي هريرة وإلا فصحابي غير أبي هريرة عن النبي - ﷺ - فأي ذلك وجد علم أن له أصلًا يرجع إليه وإلا فلا.
والمتابعة أن يرويه عن أيوب غير حماد وهي المتابعة التامة، أو عن ابن سيرين غير أيوب أو عن أبي هريرة غير ابن سيرين أو عن النبي - ﷺ - صحابي آخر فكل هذا يسمى متابعة وتقصر عن الأولى بحسب بعدها منها وتسمى المتابعة شاهدًا.
والشاهدُ: أن يروي حديث آخر بمعناه ولا يسمى هذا متابعة اهـ كلام النووي.
قال الناظم: فقد حصل اختصاص المتابعة بما كان باللفظ سواء كان من رواية ذلك الصحابي أم لا والشاهد أعم وقيل هو مخصوص بما كان بالمعنى كذلك وقال الحافظ: قد يسمى الشاهد متابعة أيضًا والأمر سهل.
مثال ما اجتمع فيه المتابعة التامة والقاصرة والشاهد ما رواه الشافعي في الأم، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: " الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى ترو الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاكملوا العدة ثلاثين " فهذا الحديث بهذا اللفظ ظن قوم أن الشافعي تفرد به عن مالك فعدوه في غرائبه لأن أصحاب مالك رووه عنه بهذا الإسناد بلفظ: " فإن غم عليكم فاقدروا له " لكن وجدنا للشافعي متابعًا وهو عبد الله بن مسلمة القعنبي كذلك أخرجه البخاري عنه، عن مالك، وهذه متابعة تامة، ووجدنا متابعة قاصرة في صحيح ابن خزيمة من رواية عاصم بن محمد عن أبيه محمد بن زيد عن جده عبد الله بن عمر " فأكملوا ثلاثين " وفي صحيح مسلم من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر بلفظ " فاقدروا ثلاثين ".
[ ١ / ٢٣٠ ]
ووجدنا له شاهدًا رواه النسائي من رواية محمد بن حنين عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - فذكر مثل حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر بلفظه سواء ورواه البخاري من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة بلفظ " فإن أغمى عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين " وذلك شاهد بالمعنى قاله في التدريب.
ثم إذا لم يوجد بعد السبر لا تابع ولا شاهد فهو الفرد كما ذكره بقوله (وفاقد) مبتدأ (ذين) مفعوله أي حديث فاقد لهذين المذكورين التابع والشاهد، وقوله: (انفرد) خبر المبتدإ، أي سمي بالفرد لانفراه عن التابع والشاهد، وحكمه ما سبق في الأفراد من التفصيل، مثاله الحديث الذي رواه الترمذي من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة أراه رفعه " أحبب حبيبك هَوْنًا مَا " الحديث قال الترمذي غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه أي من وجه يثبت وإلا فقد رواه الحسن بن دينار عن ابن سيرين والحسن متروك لا يصلح للمتابعات.
ثم إن ما تقدم من تسمية ما كان باللفظ تابعًا وما كان بالمعنى شاهدًا هو الغالب في الاستعمال، وقد تطلق المتابعة على الشاهد وبالعكس وإليه أشار بقوله (وربما) للتقليل (يدعى) بالبناء للمفعول أي يسمى الحديث (الذي) روي (بالمعنى) أي معنى الحديث الذي ظن فرديته (متابعًا) مفعول ثان ليدعى والأول هو الموصول النائب عن الفاعل، والمعنى أنه قد يسمى الحديث المروي بالمعنى متابعًا (وعكسه) أي عكس هذا الإطلاق وهو إطلاق الشاهد على المروي باللفظ مبتدأ خبره جملة قوله (قد) للتقليل أيضًا (يعنى) بالبناء للمفعول أي يقصد بمعنى يستعمل ويطلق.
والمعنى أن عكس ما تقدم وهو إطلاق الشاهد على المروي باللفظ قد يستعمل فلا فرق بينهما إلا بغلبة الاستعمال والأمر فيه سهل.
ثم إن المراد من التابع والشاهد هو التقوية أفاده الحافظ.
(فائدتان): الأولى: أنه لا انحصار للمتابعة والشواهد في الثقة كما
[ ١ / ٢٣١ ]
تقدم في قوله الذي اعتبر بل يدخل فيه رواية من لا يحتج بحديثه وحده ولكن ليس كل ضعيف يصلح لذلك ولهذا يقول الدارقطني وغيره: فلان يعتبر به وفلان لا يعتبر به وإنما يدخلون الضعفاء في هذا لكون الاعتماد على الأصل لا عليه أفاده النووي.
وقد يكون كل من المتاج والمتابَع لا اعتماد عليهما لكن باجتماعها تحصل القوة أفاده السخاوي.
" الثانية ": أن التتبع المذكور يكون من الجوامع والمسانيد والمعاجم والمشيخات والفوائد والأجزاء كما قاله ابن الصلاح.
فالجوامع (١) هي الكتب التي جمعت فيها الأحاديث على ترتيب أبواب الفقه كالبخاري، أو على ترتيب الحروف الهجائية كما في جامع الأصول لابن الأثير، والمسانيد ما جمع فيها مسند كل صحابي على حدة صحيحًا كان أو ضعيفًا، والمعجم ما ذكرت فيه الأحاديث على ترتيب الصحابة أو الشيوخ أو البلدان أو غير ذلك، والغالب أن يكون مرتبًا على حروف الهجاء، والمشيخات بفتح الميم فسكون الشين وكسرها هي الكتب التي تشتمل على ذكر الشيوخ الذين لقيهم الراوي وأخذ عنهم أو أجازوه وإن لم يلقهم، والأجزاء ما دون فيها حديث شخص واحد أو مادةٍ واحدة من أحاديث جماعة أفاده بعض المحققين.
ولما كان التابع والشاهد وعدمهما لا يُطَّلعَ عليه إلا بتتبع وجمع الطرق والأبواب ناسب أن يذكر بعده زيادات الثقات لأنها كذلك لا تعرف إلا بجمع الطرق والأبواب لكن الأنسب كما قال السخاوي تقديمها مع تعارض الوصل والإرسال. قال ﵀:
_________________
(١) وسيأتي تفسير الجوامع بأنه الذي جمع أقسام الحديث الثمانية وهو الأولى، لأن ما ألف على ترتيب أبواب الفقه يفسر بالسنن فتأمل.
[ ١ / ٢٣٢ ]