أي هذا مبحثه وهو النوع الثالث من أنواع علوم الحديث.
١١٢ - هُوَ الَّذِي عَنْ صِفَةِ الحُسْنِ خَلا وَهْوَ عَلَى مَرَاتِبٍ قَدْ جُعِلا
١١٣ - وَابْنُ الصَّلاحِ فَلَهُ تَعْدِيدُ إِلَى كَثِيرٍ وَهْوَ لا يُفِيدُ
(هو) أي الضَّعِيف مشتق من الضعف بفتح الضاد وضمها، وهو لغة ضد القوة واصطلاحًا هو الحديث (الذي عن صفة) الحديث ذي (الحسن) من الصفات المتقدمة (خلا) سندًا أو متنًا، ولا يحتاج لضم الصَّحِيح إليه كما ضمه ابن الصلاح والنووي، لأنه إذا قصر عن الحَسَنِ كان أقصر عن الصَّحِيح، وإن قلنا بتباينهما، (وهو) أي الضَّعِيف (على مراتب) بالصرف للضرورة متفاوتة (قد جعلا) بألف الإطلاق بحسب شدة ضعف رواته وخفته كما تفاوتت صحة الصَّحِيح، وفيه إشارة إلى أن منه أضعف كما أن في الصَّحِيح أصح؛ ثم من الضَّعِيف ما له لقب خاص كالموضوع والشَّاذ وغيرهما وسيأتي. (و) أما الحافظ العلامة أبو عمرو (ابن الصلاح فله تعديد) لأنواع الضَّعِيف في مقدمته (إلى كثير) من الأنواع، وذلك باعتبار فقد صفة من صفات القبول الستة وهي الاتصال، والعدالة، والضبط، والمتابعة في المستور، وعدم الشذوذ، وعدم العلة، وباعتبار فقد صفة مع صفة أخرى تليها أولًا أو مع أكثر من صفة إلى أن تفقد الستة، فبلغت فيما ذكره العراقي في شرح الألفية اثنين وأربعين قسمًا وأوصله غيره إلى ثلاثة وستين، وجمع في ذلك قاضي القضاة شرف الدين المناوي كراسة، ونوع ما فقد الاتصال
[ ١ / ٨٩ ]
إلى ما سقط منه الصحابي أو واحد غيره أو اثنان، وما فقد العدالة إلى ما في سنده ضعيف أو مجهول، وقسمها بهذا الاعتبار إلى مائة وتسعة وعشرين قسمًا باعتبار العقل، وإلى واحد وثمانين باعتبار إمكان الوجود، وإن لم يتحقق وقوعها، قال الحافظ: إن ذلك تعب، ليس وراءه أرب، فإنه لا يخلو إِما أن يكون لأجل معرفة مراتب الضَّعِيف وما كان منها أضعف أو لا فإن كان الأول فلا يخلو من أن يكون لأجل أن يعرف أن ما فقد من الشروط أكثر أضعفُ أولًا، فإن كان الأول فليس كذلك لأن لنا ما يفقد شرطًا واحدًا ويكون أضعف مما يفقد الشروط الخمسة الباقية، وهو ما فقد الصدق، وإن كان الثاني فما هو؟ وإن كان لأمر غير معرفة الأضعف فإن كان لتخصيص كل قسم باسم فليس كذلك فإنهم لم يسموا منها إلا القليل كالمعضل والمرسل ونحوهما، أو لمعرفة كم يبلغ قسمًا بالبسط فهذه ثمرة مُرة، أو لغير ذلك فما هو؟ انتهى. وإلى ما ذكره الحافظ أشار بقوله: (وهو لا يفيد) يعني أن هذا التقسيم لا فائدة فيه.
ثم تكلم على بعض أوهى الأسانيد على نمط ما تقدم في الصَّحِيح تبعًا للحاكم فقال:
١١٤ - ثُمَّ عَنِ الصِّدِّيقِ الأوْهَى كَرَّهْ صَدَقَةٌ عَنْ فَرْقَدٍ عَنْ مُرَّهْ
(ثم) بعد أن عرفت تعريف الضَّعِيف وتفاوت مراتبه وانقسامه إلى كثير فاعرف بعض أوهى الأسانيد فمنها (عن) أبي بكر (الصديق) - ﵁ - متعلق بما بعده، (الأوهى) أي السَّند الأضعف (كره) بفتح الكاف وتشديد الراء المفتوحة بوزن مرة ومعناها، فقوله: الأوهى خبر مقدم، وقوله (صدقة) بالصرف للضرورة، مبتدأ مؤخر، ويحتمل العكس، وهو صدقة بن موسى الدقيقي أبو المغيرة البصري يروي عن أبي عمران الجَوْني، وثابت، وعنه يزيد بن هارون، ومسلم بن إبراهيم، ضعفه النسائي. اهـ خلاصة.
حال كونه راويًا (عن فرقد) هو ابن يعقوب السَّبَخِي، بفتح المهملة والموحدة، وبخاء معجمة، أبو يعقوب البصري، صدوق عابد، لكنه لَيِّنُ
[ ١ / ٩٠ ]
الحديث، كثير الخطأ، مات سنة إحدى وثلاثين، حال كونه راويًا (عن مرة) بن شراحيل، يقال له: مرة الطيب، وتقدمت ترجمته. وذكر في الميزان متن هذا السَّند مرفوعًا " لا يدخل الجنة خِبٌّ ولا بَخِيل، ولا سيئ المَلَكَةِ ".
قال المحقق أبو الأشبال أحمد محمد شاكر في تعليقه: وضَعفُ هذا الإسناد من أجل الكلام في صدقة وفرقد، ولم يحسن المؤلف في هذا إذ يُوهِم أن هذا الإسناد من أوهى الأسانيد، مع أن ضعفهما محتَمَل، بل قد وثقهما بعض الأئمة اهـ.
١١٥ - وَالْبَيْتِ عَمْرٌو ذَا عَنِ الجُعْفِيِّ عَنِ حَارِثِ الأَعْوَرِ عَنْ عَلِيِّ
(والبيت) بالجر عطف على الصديق، أي أوهى الأسانيد لأهل البيت (عمرو) بالرفع عطفًا على صدقة عطف معمولين على معمولي عاملين مختلفين، وفيه الخلاف المشهور، وهو عمرو بن شمر الجعفي الشيعي، قال البخاري منكر الحديث، وروى عباس، عن يحيى، ليس بشيء. وقال الجوزجاني: زائغ كذاب، وقال ابن حبان: رافِضيّ يشتم الصحابة، ويروي الموضوعات عن الثقات. وقال يحيى: لا يكتب حديثه، وقال الدارقطني: متروك الحديث. قاله في الميزان، (ذا) أي عمرو يروي (عن) جابر بن يزيد (الجعفي) الكوفي، من علماء الشيعة. قال ابن مهدي عن سفيان، كان جابر الجعفي وَرِعًا في الحديث، ما رأيت أورع منه في الحديث وقال شعبة صدوق، إذا قال أخبرنا وحدثنا وسمعت فهو من أوثق النَّاس، وقال وكيع: ثقة. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه ترك يَحْيَى القطان جابرًا الجعفي، وتركه عبد الرحمن، وَيَحْيَى بأخرة. وقال النسائي وغيره: متروك. وقال أبو داود: ليس عندي بالقوي في حديثه، قاله في الميزان.
وقال البخاري في الضعفاء الصغير: وقال أبو سعيد الحداد سمعت يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال قال الشعبي: يا جابر لا تموت حتى تكذب على رسول الله - ﷺ -، قال إسماعيل فما مضت الأيام والليالي حتى اتهم بالكذب اهـ. حال كونه راويًا (عن حارث) بترك الصرف
[ ١ / ٩١ ]
للوزن ابن عبد الله أو ابن عبيد، أبي زهير (الأعور) الهمداني، الكوفي، من كبار التابعين على ضعف فيه، أورد البخاري في الضعفاء الكبير عن شعبة قال: حدثنا الحارث وأشهد أنه أحد الكذابين. وروى أبو بكر بن عياش عن مغيرة، قال لم يكن الحارث يصدق عن علي في الحديث، وقال ابن المديني: كذاب. وقال ابن معين: ضعيف، ورُوِيَ عنه: ليس به بأس.
وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ. اهـ. ميزان والضعفاء الكبير.
حال كونه راويًا (عن علي) بن أبي طالب - ﵁ -. قال المحقق أبو الأشبال: وأشدهم ضعفًا عمرو بن شمر فإنه رافضيٌّ كذاب يشتم الصحابة، وأما جابر والحارث ففيهما خلاف قديم معروف، وللشيعة أسانيد أوهى من هذا جدًّا يراها من يقرأ في كتبهم، ويعجب منها اهـ.
١١٦ - وَلأَبِي هُرَيْرَةَ: السَّرِيُّ عَنْ دَاوُدَ عَنْ وَالِدِهِ أَيَّ وَهَنْ
(و) أوهى الأسانيد (لأبي هريرة) - ﵁ - (السري) بن إسماعيل بفتح السين وكسر الراء وتشديد الياء الهمداني الكوفي يروي عن الشعبي، وعنه حاتم بن إسماعيل. قال أحمد: تركه الناس. وقال النسائي: متروك. وقال غيره: ليس بشيء. اهـ خلاصة.
والذي عند الشارح من أنه البسري بن سليمان خطأ، وكذا ما في الأصل السدي بالدال قاله المحقق أبو الأشبال. (عن داود) بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي، الزعافري بزاي مفتوحة ومهملة وكسر الفاء أبي يزيد الكوفي الأعرج عم عبد الله بن إدريس، ضعيف، مات سنة ١٥١ روى له البخاري في الأدب المفرد والترمذي وابن ماجه. اهـ، تقريب.
(أي وهن) بالنصب على الحالية، لأن أيًّا الوصفية تكون بعد النكرات صفة وبعد المعارف حالًا، كما أفاده في مغني اللبيب، أي حال كون هذا السَّند كاملَ الوَهَن أي شديد الضعف.
[ ١ / ٩٢ ]
١١٧ - لأَنَسٍ: دَاوُدُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبَانَ
(لأَنَسٍ) متعلق بمحذوف لدلالة ما قبله عليه أي أوهى الأسانيد لأنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام الأنصاري النجاري خادم رسول الله - ﷺ - عشر سنين شهد بدرًا له ١٢٨٦ حديثًا اتفقا على مائة وثمانية وستين حديثًا، وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين، ومسلم بأحد وسبعين. مات سنة ٩٠ أو بعدها، وقد جاوز المائة، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة ﵃. فقولنا أوهى الأسانيد مبتدأ خبره قوله (داود) بن المُحَبَّر، بمهملة وموحدة مشددة مفتوحة بن قَحْذَم، بفتح القاف وسكون المهملة وفتح المعجمة، الثقفي البكراوي أبو سليمان البصري نزيل بغداد متروك وأكثر كتاب العقل الذي صنفه موضوعات. مات سنة ٢٠٦ اهـ تقريب. حال كونه راويًا (عن أبيه) المحبر المذكور، قال الذهبي في الميزان: محبر بن قحذم والد داود يروي عن أبيه، ضعيف اهـ.
حال كونه راويًا (عن أبان) بن أبي عياش، واسمه فيروز أبي إسماعيل، البصري يروي عن أنس كان شعبة سيء الرأي فيه، وقال أحمد متروك الحديث.
وحاصل المعنى أن أوهى أسانيد أنس - ﵁ - داود بن المحبر عن والده المحبر عن أبان بن أبي عياش. (فائدة) الصَّحِيح الذي عليه الأكثرون صرف أبان والهمزة أصل، والألف زائدة، ووزنه فعال كغَزَال، ومنعه من الصرف بعضهم لوزن الفعل والعلمية، إذ الهمزة عنده زائدة والألف بدل من ياء، فوزنه أفعل. أفادهُ النووي ﵀.
قلت وعلى الأول قيل: من لم يصرف أبان فهو أتان.
وَاعْدُدْ لأَسَانِيدِ اليَمَنْ
١١٨ - حَفْصًا عَنَيْتُ العَدَنِيْ عَنِ الحَكَمْ
(واعدد) أيها المحدث لأوهى (أسانيد) أهل (اليمن) (حفصًا) مفعول
[ ١ / ٩٣ ]
اعدد، وفيه التضمين من عيوب القافية، إلا أنه مغتفر للمولدين، وهو حفص بن عمر بن ميمون، العدني، كما قال (عنيت) أي قصدت به (العدني) منسوب إلى عدن بفتحتين بلد باليمن الصنعاني، أبو إسماعيل لقبه الفَرْخ بفتح الفاء وسكون الراء بعدها خاء معجمة، ضعيف. أفاده في التقريب، وفي التهذيب: وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم عن عبد الله الطهراني: ثقة، وقال أبو حاتم: لين الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة اهـ.
حال كونه راويًا (عن الحكم) بفتحتين بن أبان العدني، أبي عيسى، صدوق عابد، له أوهام، مات سنة ١٥٤ وكان مولده سنة ٨٠ اهـ تقريب.
وحاصل المعنى أن أوهى الأسانيد لليمانيين، هو حفص بن عمر العدني عن الحكم بن أبان، أي عن عكرمة عن ابن عباس ﵄.
قلت: وإنما لم يستوف الناظم السَّند بذكر عكرمة كما فعل فيما مضى لأن في عكرمة كلامًا، وإن كان ثقة احتج به البخاري، فلو ذكره لتوهم أنه يَرَى كونه ضعيفًا حيث إنه يعدد أوهى الأسانيد، فترك ذكره لذلك والله أعلم.
وأما أوهى الأسانيد لابن عباس مطلقًا فالسدي الصغير محمد بن مروان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عنه. قال الحافظ هذه سلسلة الكذب، لا سلسلة الذهب اهـ.
وَغَيْرُ ذَاكَ مِنْ تَرَاجِمٍ تُضَمْ
(وغير ذاك) المذكور مفعول مقدم لتضم (من تراجم) أي أسانيد، حال من غير ذاك (تضم) أيها المحدث، والمعنى أنك تزيد على ما ذكر من الأسانيد الأوهى غيرها.
ويحتمل كون غير مرفوعًا على الابتداء وتضم صفة لتراجم والخبر محذوف تقديره كذلك، أي غير ما ذكر من تراجم مَضمُومَة إليه كائن
كذلك.
[ ١ / ٩٤ ]
فمنها قول الحاكم أوهى أسانيد العمريين محمد بن عبد الله بن القاسم بن عمر بن حفص بن عاصم عن أبيه عن جده فإن الثلاثة لا يحتج بهم.
وأوهى أسانيد عائشة نسخة عند البصريين عن الحارث بن شِبْل عن أم النعمان عنها.
وأوهى أسانيد ابن مسعود: شريك عن أبي فَزَارة عن أبي زيد عنه، وأوهى أسانيد المكيين عبد الله بن ميمون القَدَّاح، عن شهاب بن خِرَاش، عن إبراهيم بن يزيد الخوزي، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وأوهى أسانيد المصريين أحمد بن الحجاج بن رشدين، عن أبيه، عن جده، عن قرة بن عبد الرحمن، عن كل من روى عنه. فإنها نسخة كبيرة.
وأوهى أسانيد الشاميين محمد بن قيس المصلوب، عن عبيد بن زحر، عن علي بن زيد، عن القاسم، عن أبي أمامة.
وأوهى أسانيد الخراسانيين عبد الرحمن بن مليحة، عن نهشل بن سعيد، عن الضحاك، عن ابن عباس - ﵄ -.
(تنبيه): الزيادة على العراقي، قوله: وهو على مراتب قد جعلا، وقوله: وهو لا يفيد إلى آخر الباب. ولما أنهى الكلام على الأقسام الثلاثة شرع يذكر بقية أنواع علوم الحديث فقال:
[ ١ / ٩٥ ]