هذا الشرط يتعلق بحالتين من حالات الراوي: حالة السماع والتحمل، ثم حالة الأداء والرواية.
ولقد تنازع العلماء والمحدثون قديمًا في ذلك، فمنهم من اشترط سنًا معينًا للتحمل، ومنهم من صحح سماع الصغير. وقد ذكر هذا الخلاف الخطيب البغدادي في الكفاية فقال: " قل من كان يكتب الحديث - على ما بلغنا - في عصر التابعين
_________________
(١) والآية لا تدل على أن خبر الفاسق مردود إلا إن حمل على الكاذب، وإنما مقصود الآية التوقف في خبر الفاسق حتى يتبين صدقه.
(٢) الكفاية في علم الرواية ص٩٩.
(٣) المصدر نفسه.
(٤) البخاري في كتاب المغازي، باب شهود الملائكة بدرًا (٤/ ١٤٧٥) (٣٧٩٨).
(٥) فتح الباري ج٢ ص٢٩٠.
(٦) رجه البخاري في كتاب بدء الوحي، باب ٦ حديث رقم (٧)، ج١ ص٤٢ - ٤٤ مع الفتح.
[ ٢٣ ]
وقريبًا منه إلا من جاوز حد البلوغ، وصار في عداد من يصلح لمجالسة العلماء ومذاكرتهم، وسؤالهم. وقيل إن أهل الكوفة لم يكن الواحد منهم يسمع الحديث إلا
بعد استكماله عشرين سنة، ويشتغل قبل ذلك بحفظ القرآن وبالتعبد.
وقال قوم: الحد في السماع خمس عشرة سنة، وقال غيرهم: ثلاث عشرة، وقال جمهور العلماء: يصح لمن سنه دون ذلك، وهذا هو عندنا الصواب " (١).
وقد ذهب الإمام البخاري - ﵀ - في صحيحه إلى صحة سماع الصغير قبل البلوغ، وقد ترجم لهذه المسألة في كتاب العلم بقوله: "باب متى يصح سماع الصغير؟ " وأورد فيه حديثين:
أولهما: حديث ابن عباس قال:" أقبلت راكبًا على أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله ﷺ يصلي بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف، وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت في الصف، فلم ينكر لك علي" (٢).
وثانيهما: حديث محمود بن الربيع قال: " عقلت من النبي ﷺ مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو " (٣).
وقال العلامة العيني: " ومراده (أي بهذه الترجمة) الاستدلال على أن البلوغ ليس شرطًا في التحمل " (٤).
ومن المحدثين من قيده بخمس سنين. قال ابن الصلاح - ﵀ -: " والتحديد بخمس هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث من المتأخرين والذي ينبغي في ذلك أن يعتبر في كل صغير حاله على الخصوص، فإن وجدناه مرتفعًا عن حال من لا يعقل فهمًا للخطاب وردًا للجواب ونحو ذلك صححنا سماعه، وإن كان دون خمس. وإن لم يكن كذلك لم نصحح سماعه وإن كان ابن خمس بل ابن
_________________
(١) الكفاية في علم الرواية ص٧٣.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب متى يصح سماع الصغير حديث رقم (٧٦) ج١ ص٢٠٥.
(٣) أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب متى يصح سماع الصغير حديث رقم (٧٧) ج١ ص٢٠٧.
(٤) عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج٢ ص٦٨.
[ ٢٤ ]
خمسين " (١).
وقال - الإمام الذهبي - ﵀ -: " واصطلح المحدثون على جعلهم سماع ابن خمس سنين سماعًا، وما دونها حضورًا، واستأنسوا بأن محمودًا عقل مجة، ولا دليل فيه (٢)، والمعتبر إنما هو أهلية الفهم والتمييز " (٣).
وما اختاره ابن الصلاح والذهبي - رحمهما الله - هو المختار إن شاء الله، وعليه يدل صنيع الإمام البخاري في صحيحه فقد أخرج أحاديث مجموعة من الصحابة ممن تحملوا في صباهم كابن عباس، ومحمود بن الربيع، وأنس بن مالك، والنعمان بن بشير، وعائشة، ونحوهم وهؤلاء سمعوا وهم دون البلوغ، وأخرج لمن دونهم في السن كالسبطين الحسن والحسين ﵄.
فالمحققون من أهل العلم على عدم اعتبار تحديد سن معين بل المعتبر عندهم هو العقل والتمييز (٤).