الأولي: هذه مقدمة للكتاب رقمها: البقاعي، حيث جاء في آخر الرسالة: تَمَّتْ المقدِّمةُ: الموقظة، علَّقها لنفسه الفقير إبراهيم بن عمر بن حَسَنِ الرَّباطِ الرَّوْحائيُّ، وهو الشهير بالبقاعي أحد تلاميذ الحافظ ابن حجر وملازميه في السفر والحضر (١). وهذه المقدمة ملفقة من نسختين خطيتين للكتاب كما ذكر أبو غدة.
الثانية: في بيان بعض المعاني الواردة فيها، فقوله: (الرُّحْلةُ) بالضم الشيء الذي يرتحل إليه، والمقصود بيان سعة علم الإمام الذهبي، وأنه أهل لأن يُرتحل إليه.
وقوله: (مَعْدِنُ الفرائد) المعدن: بمعنى الثبوت والاستقرار، قال الخليل بن أحمد في العين: [قال تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أي: استقرار وثبات وعدن بمكان كذا: استقر ومنه المعدن: لمستقر الجواهر]، ومقصوده بقوله: (معدن الفرائد) أن الذهبي استقر عنده من العلم ما ليس عند غيره، وهذا تأكدًا لوصفه بأنه رُّحْلةُ.
وقوله: (عُمدةُ الحُفَّاظِ والمحدثين، وعُدَّةُ الأئمةِ المحقَّقين) انتقد الشيخ سليم الهلالي هذه العبارة وقال إن فيها مبالغة ومجازفة، وعلل ذلك بقوله: فإن
_________________
(١) - انظر ترجمته في: الأنس الجليل ٢: ٤٩٦، والدرر الكامنة ١: ٥٠، وطبقات الشافعية ٦: ٨٢، والضوء اللامع ١: ١٠٠، والبدر الطالع ١: ١٩، وشذرات الذهب ٧: ٣٣٩، والأعلام للزركلي ١/ ٥٦. وانظر أيضًا مقدمة أبي غدة للموقظة ص/١١.
[ ٣ ]
عمدة العبد التوكل على ربه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ وَعُدَّة المرء التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾. وفي هذا التعقب والتعليل نظر؛ فالذهبي أهل لما ذكر فإنه من الأئمة المشهود لهم بالعلم، قال عنه (١) تلميذه الصفدي: «حافظ لا يجارى ولافظ لا يُبارى، أتقن الحديث ورجاله، ونظر عللهُ وأحواله، وعرف تراجم الناس، وأزال الإبهام في تواريخهم، لم أجد عنده جمود المحدثين ولا كودنة النقلة بل هو فقيه النظر، له دربة بأقوال الناس، ومذاهب الأئمة من السلف وأرباب المقالات». وقال عنه التاج السبكي: «إمام الوجود حفظًا، وذهب العصر معنى ولفظًا، وشيخ الجرح والتعديل، ورجل الرجال في كل سبيل، كأنما جمعت الأمة في صعيد واحد فنظرها ثم أخذ يُعبَّر عنها إخبار من حضرها». وقال عنه السخاوي: «وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال»، وقال عنه ابن كثير الدمشقي: «الحافظ الكبير، مؤرخ الإسلام، وشيخ المحدثين، وخاتمة الحفاظ»، وقال عنه جلال الدين السيوطي: «إن المحدثين عيال في الرجال وغيرها من فنون الحديث على أربعة: المِزي، والذهبي، والعراقي، وابن حجر».
وأما تعليله فإنما يتجه للإطلاق وكلامهم على التقييد فلا معارضة.
وقوله: (آخِرُ المجتهدين) انتقده أيضا الشيخ الهلالي بأن فيها إيحاءً بغلق باب الاجتهاد، وفي تعقبه نظر كسابقه فليس فيما قال الناسخ ما يشير إلى قوله بغلق باب الاجتهاد بل مقصوده مدح الذهبي بأن آخر مجتهدي عصره، فالوصف بالأخروية كالوصف بالأولية وبالقدم نسبي.